مقالات الرأي

اليسار في محنة

طالما اليسار في محنة، سيبقى المهمشون في محنة.

منذ منتصف القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان اليسار عمومًا، والماركسية خاصة ورشة فكرية، سياسية، ثقافية ومعرفية، تجتاح العالم المتقدم. وتخيف القوى المسيطرة. وتنذر بتحولات هائلة في بنية النظام الرأسمالي نفسه.

لقد ساهم المفكر كارل ماركس، وصديقه فيما بعد، فريدريك أنجلس، على تحليل بنية النظام، علاقاته، تناقضاته، نشأته وكيفية مقاومته ووضع البدائل له.

إن التناقض في بنية النظام، موضوعي، كان وما زال ومستمر، بيد أنه يدخل في حالة انتقالات وأحيانًا في تحولات عميقة.

ولهذا يحتاج الواقع إلى الفكر في كل مدة زمنية من أجل تحليل حركته الجديدة أو تحولاته، آليات عمله، وشروط وجوده وبقائه واستمراره. بمعنى أن هذه التناقضات جزء من هيكلية النظام برمته، جزء أصيل منه. يمكننا من خلاله الدخول في ممراته وفكفكته. الفكر هو المفتاح الذي يستطيع اليسار أو القوى الأخرى التي على شاكلته أن يدخلوا إلى هذا الفضاء وتعريته من أجل استنباط الحلول لعالمنا المعاصر ومستقبله.

اليسار العربي اليوم، واليسار العالمي برمته في محنة فكرية، سياسية وأخلاقية، لكون نخبه قبلت سواء عن حسن نية أم عن سوء نية الانسحاب من الميدان والاستسلام للقدر الذي يسمى الرأسمالية، عبر حجج واهية: لا يمكن تبني مواقف خارج النظام وآلياته ومنطقه، لأنه صلب.

هذا الانزواء، والقبول بالأمر الواقع، جعل اليسار هامشيًا، لا يمثل أحدًا. يعاني الشح الثقافي والمعرفي والخصاء السياسي. عاجزًا عن مواكبة التحولات العميقة التي تجتاح هذا العالم.

بل فضل أن يبقى متفرجًا على الصراع، جالسًا في المقاعد الخلفية، يراقب بخنوع ما يجري حوله، بدلًا من المشاركة الفاعلة. وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة التي كانت تسمى اشتراكية. واندماج الصين في النظام، وإدارة ظهرها لقضايا المهمشين وضحايا الرأسمالية في هذا العالم المتغول.

نستطيع القول إن اليسار أخذ إجازة، مسافة من التغول، والتحولات التي تحدث في هذا العالم. وترك هذا الفضاء العالمي للنظام، يشكله وفق مقاساته، ومصالحه، ورغبات الفاعلين فيه.

نقول عن فكر ما أنه مات، أو دفن، عندما يكون عاجزًا عن إنتاج مفهومات جديدة تواكب تطورات العالم. ولم تعد لديه القدرة على التحليل والدخول إلى الأماكن المعتمة لتناقضات هذا العصر الذي تحكمه قوى المال والسلطة والاحتكارات.

ربما ساهمت ثورة أكتوبر في تقاعس الفكر الماركسي عامة، واليسار خاصة، بعد وصول قوى، نخبة عاجزة إلى الحكم، ذاقت حلاوة السلطة في الاتحاد السوفياتي، واستمرأت البقاء فيه، والمتاجرة بقضية المهمشين والفقراء.

قوى هجينة، مطعمة بفكر معاصر، ماركسي، أوروبي المنشأ، في تداخل مع فكر يحمل في قعر عقله حوامل الاستبداد الشرقي الذي مثله ستالين.

لقد تمازج فكر الاستبداد الكامن في الروح الشرقية الروسية مع النهج البطريري الذي قادته ثورة أكتوبر/ تشرين الأول، بحيث حولوا روسيا إلى دولة بوليسية منخورة. أعادت إنتاج نظام القيصر بمسمى آخر.

لهذا علينا أن نتعمق أكثر في بنية هذا العقل، لنخرجه من هذا الاتكاء على المفهومات الماضوية التي تعشعش في داخله، ليدخل إلى النور. إلى الحرية. لدينا شغل كثير، علينا القيام به، ليس في المجال السياسي والفكري والمعرفي فحسب، وإنما في البناء النفسي والروحي والعاطفي.

هذا التحول أدى إلى التصحر والخواء والموت السريري للماركسية في الاتحاد السوفياتي. ليس هذا فحسب، بله أن هذه النخبة وضعت نفسها وصية على الفكر والأحزاب السياسية والفاعليات الاجتماعية في أغلب دول العالم، بما فيها فرنسا وألمانيا وإيطاليا، وغيرها من البلدان المتطورة.

ومضى هذا الفكر النخبوي المهزوم، يدجن كل من يدور في فلكه ومداره، وكل من يقترب منه. وحارب كل من خالفه أو تمرد عليه مما أدى إلى تشوهات بنيوية في الفكر المقاوم للرأسمالية.
لقد بقي هذا اليسار، يعيد إنتاج المفهومات نفسها تقريبًا منذ قيام الثورة البلشفية، بأشكال مختلفة. بل جرى نوع من التوافق بين الاتحاد السوفياتي منذ منتصف الخمسينيات مع النظام الرأسمالي على تقاسم النفوذ واحترام مصالح بعضهما وإدارة النظام العالمي معًا إلى أن انهار.

إن محنة اليسار، هروب من الصراع، وتحوله إلى فكر خدمي فحسب، إصلاحي، تابع، ليس لديه طموح. مقتنع بكسله، وضعفه، وخضوعه، يلهث وراء مصالحه الخاصة والضيقة، راضيًا بالأمر الواقع. ويتعامل مع أزمات العالم متفرجًا، لا يملك القدرة الذاتية على كشف الواقع الموضوعي. وليس لديه جهد فكري يستنبط الحلول من أجل خروج البشرية من النفق. وترك المهمشين والشرائح الاجتماعية لأقدارهم، دون غطاء أو حماية، تاركًا الميدان للقوى المتنفذة في النظام، القوى الجديدة، الفوق احتكارية، التي تملك أدوات جديدة في التحكم بهذا العالم، أن تفعل ما تريده.

إن العنف المستشري الذي نراه هذه الأيام للسيطرة على حركة الواقع، والحركات الاجتماعية الصامتة في العالم التي تعاني من التهميش والضغوط، في مراكز النظام عامة، وفي الأطراف خاصة، ستنفجر يوم من الأيام خاصة بعد سحب كثير من المكتسبات التي كانت محققة في دول المركز في فترة الحرب الباردة.

إن الثورة ضد طغيان رأس المال وفوقيته واحتقاره للمجتمع في العالم أضحت أكثر من واضحة. وتحتاج إلى العامل الذاتي: قوى الفكر والأحزاب السياسية التي تلتقط هذه “المغما” التي تغلي في أحشاء هذا العالم.

إن هذا النظام ليس كلي القدرة، أو متكامل. ولا يمكن تحطيمه أو تغييره. وكأنه مجسم كامل متكامل. ننسى أو نتناسى أن كل نظام فيه تناقضات عمودية وأفقية، وصراع ذاتي ذاتي، وذاتي وموضوعي، ويمكن تفكيك هذا التناقض وخلخلته وكشفه وتعريته. صحيح أنه يبدو من الخارج قويًا، بيد أنه هش وضعيف من داخله، وإلا ما لجأ إلى العسكرة وصرف المليارات من الدولارات على التسليح، وتفعيل الصراعات الجانبية وخلق حروب وهمية، حرب تحت باردة للإبقاء على نفسه، وصناعة عدو وهمي على مقاس مصالحه ورغباته. وإن يدل هذا على شيء، فإنما يدل على ضعفه، وأن علاقته بنفسه وبأطرافه مزعزعة يكتنفها الشك والريبة والكذب والخداع والخوف.

وإن الفكر الذي يملك أدواته وواثق من نفسه وقدراته، كالماء الهادئ الرزين، يستطيع اختراق كل البنى من داخله وخارجه ويضع الحلول. وهذه صيحة لما تبقى من اليسار أن يستيقظ وينهض. الأمر يحتاج إلى الإرادة الحرة.

هناك أزمة اجتماعية، وأزمة وطنية، وأزمة وجود، وأزمة دولة ومجتمع، وأزمة أخلاق وقيم. وأزمة فكر. الأرض في حالة عراء كامل، وفي كل مكان من هذا العالم. الأزمات تتفاقم يومًا بعد يوم، وحالة التخمر تزداد بوتيرة عالية، بينما النظام يسير بخطى حثيثة نحو دماره الذاتي داخليًا وخارجيًا وعلى مستوى البيئة والحياة.

والتغيير يبدأ من وجود النقيض وفاعليته وقدرته على الكبح، وفتح مسارات وأفاق جديدة تمس حياة الإنسان والطبيعة.

إنها دعوة للجميع أن يبحثوا عن مخارج قبل أن يبتلعنا الغول، الفوق احتكاري.

مقالات ذات صلة

إغلاق