مقالات الرأي

“بعث الأمة” بين “القومية العربية” و”الإسلام”

تحاول هذه المقالة إجراء مقارنة بسيطة بين فكرة “بعث الأمة العربية” (كما وردت في أدبيات حزب البعث)، وفكرة “البعث الإسلامي” (كما وردت في فكر سيد قطب في كتابه الشهير: “معالم في الطريق” وتتبناها “جماعات إسلامية” كثيرة تبنيًا مباشرًا أو غير مباشر). ولإنجاز هذه المقارنة من دون التباس (وإن باختصار شديد ضمن هذه المقالة القصيرة) نثبت نقطتين منهجيتين:

أولًا: نتعامل مع القومية العربية والإسلام -هنا- بوصفهما “سرديتين”. ولا نتناول القومية بوصفها تيارًا فكريًا وسياسيًا فحسب، ولا نتناول الإسلام بوصفه دينًا فحسب. قد يحتج القوميون، والإسلاميون (والإسلامويون واليساريون) احتجاجًا مشتركًا على هذا الطرح (غالبًا ما تتوحد مواقفهم في حالات كهذه)، وخلاصة الاحتجاج أن القومية تيار فكري سياسي اقتصادي وحدوي، والإسلام دين، ولا يمكن، في أي حالٍ من الأحوال، التعامل معهما غير ذلك. وفي الحقيقة هذا احتجاج يمكن أن نتفهم سببه، فالعقل الأيديولوجي لن يتمكن من تجاوز هذا التثبيت من دون أن يكف عن تبني الأيديولوجيا (أي: من دون أن يغتال نفسه)، وبالطبع؛ هذا أمرٌ بالغ الصعوبة، ومن هنا يأتي التفهم. ولكن هذا التفهم المستند إلى وضع أنفسنا في مكان الآخر المؤدلج، لا يحول دون الاستمرار في طرحٍ آخر، يقوم على التعامل مع هذين المسارين بوصفهما “سرديات كبرى” (metanarratives)، أي: أنهما ما يُستنَد إليه ضمنًا في بناء مقولات تأخذ طابعًا مصيريًا، فلكل فئة سردية مرجعها الهيكلي النهائي الذي تبني بواسطته نواظم تفكيرها واستنتاجاتها وفهمها للعالم. والسردية الكبرى، بحسب تعريف الفيلسوف الفرنسي، جان ليوتار، هي: “ذلك النمط من الخطابات التي تتمركز حول افتراضاتها المسبقة، ولا تسمح بالتعددية والاختلاف، حتى مع تنوع السياقات الاجتماعية والثقافية، فضلاً عن أنها تنكر إمكانية قيام أي نوع من أنواع المعرفة، أو الحقيقة، خارجها، وتقاوم أي محاولة للتغيير أو النقد أو المراجعة. تقف تلك الخطابات أو السرديات الكبرى خارج الزمن، ولا تسمح بالشك في صدقيتها وتصر على أنها تحمل في داخلها تصورات شمولية للمجتمع والثقافة والتاريخ والكون. ودائمًا تكون السرديات الكبرى ذات طبيعة سلطوية وإقصائية، تمارس التهميش ضد كل أنواع الخطابات الأخرى الممكنة”. ولا ينفي هذا الطرح أن القومية العربية تيار فكري سياسي اقتصادي وحدوي، إضافة إلى أنه لا ينفي أن الإسلام دين، ولكنه يختار مقاربتهما من منظور منهجي، نعتقد أنه أكثر ملائمة للفهم العقلاني التاريخي للمسألة موضوع مقارنتنا هنا.

ثانيًا: لن نتعامل مع هذه السرديات الكبرى بذاتها، بل سنتعامل (ونجري مقارنتنا) مع الأيديولوجيا التي استندت إلى هاتين السرديتين في تسويغ وجودها وتحقيق نزعتها التسلطية؛ فنعتقد -هنا- أن الأيديولوجيتين: القومية والإسلامية استندتا إلى سرديات القومية والاشتراكية والإسلام؛ لإنجاز وتسويغ وجودهما، ومن ثمّ؛ تسويغ سلوكهما التسلطي. وبعد إنجاز “فعل الخلق الأيديولوجي” تصبح السردية المؤسِّسَة أقل أهمية، وتذوب في الأيديولوجيا المحلية، أي: أن ما يحصل هو أن الأيديولوجيا المحلية تقتل أمها الكونية (أو الأكثر عمومية) وتبقى تحمل مورثاتها، وبعضًا من صفاتها، وبالطبع؛ تطرح كلمة “تسلطية” -ضمن هذا السياق- مجموعة واسعة من الدلالات النسبية والمتشعبة، وتنتمي إلى هذه المجموعة كلٌّ من التسلطية السياسية، والتسلطية التنافسية، والتسلطية الفكرية، والتسلطية الاجتماعية، والتسلطية الذكورية، والتسلطية العصبوية، والتسلطية الطائفية… إلخ.

يطلق سيد قطب على العملية التي يجري بموجبها “تسلّم المسلمين قيادة البشرية”، عملية “البعث الإسلامي”، ويشترط لإتمامها وجود “طليعة تعتزم هذه العزمة”؛ بحسب تعبيره. ويقول: “تمضي الطليعة في خضم الجاهلية الضاربة الأطناب في أرجاء الأرض جميعها. تمضي وهي تزاول نوعًا من العزلة، من جانب، ونوعًا من الاتصال، من الجانب الآخر، بالجاهلية المحيطة…”، ويضيف: “لا بد لهذه الطليعة التي تعزم هذه العزمة من “معالم في الطريق”؛ معالم تعرف منها طبيعة دورها، وحقيقة وظيفتها، وصلب غايتها، ونقطة البدء في الرحلة الطويلة…”. في المقابل لم يغب تشكيل “الطليعة” عن فكر حزب البعث، ولم تغب أيضًا فكرة تقديم “معالم في الطريق” نحو تسلم الحزب قيادة الوطن العربي، وجعل قائده “رمزًا” للأمة العربية. فقدّم الحزب واحدًا من معالم طريقه، بعنوان “دليل العمل القومي”، وقال الأمين العام المساعد للحزب -آنذاك- في تقديمه الدليل: “ونحن إذ نقدم اليوم ‘دليل العمل القومي’، فقد حرصنا علـى أن يكون أداة بيد منظماتنا القومية، وأحـزاب التيـار القـومي العربي، وجماهير أمتنا العظيمة، في مواجهة الحملات القاسـية التي يتعرض لها الفكر القومي المقاوم، وبما يتلاءم مع مجريات التطورات الراهنة سياسيًا، وفكريًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا، وبما يسهم في توحيد القاعدة النظرية، والفكريـة لمكونـات التيـار القومي العربي، والقوى الحية الفاعلة في الوطن العربي.”. يمكن بسهولة أن نلاحظ شعور التيارين بـ”الوصاية الأبوية” (بالمعنى السلبي للتعبير)، والاستعلاء على المجتمع؛ ما يدفعهما إلى تقديم “معالم في الطريق”/ “دليل عمل قومي”، بوصفه مرجعًا وحيدًا للحقيقة والسلوك. وما دون ذلك يُصنَّف في دائرة الجاهلية/ الرجعية، أو التكفير/ الخيانة. فالتشابه كبير، ويصل في العمق إلى درجة التطابق في طريقة التفكير، على الرغم من اختلاف الأدوات.

يقتضي هذا التفكير استعلاءً على المجتمع والمحيط، استعلاءٌ لا يكون مصدره الشعور بالتفوق، بل نعتقد أنه ينشأ بسبب الشعور بالدونية، وبسبب ضعف الفكرة وضعف المقدرات الفكرية لحاملها أمام مقدرات الجمهور المستهدف. يقول قطب: “إن أولى الخطوات في طريقنا، هي أن نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته، وألا نعدل -نحن- في قيمنا وتصوراتنا قليلًا أو كثيرًا؛ لنلتقي معه في منتصف الطريق. كلا! إننا وإياه على مفرق الطريق، وحين نسايره خطوة واحدة، فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق”. وفي المقابل ينظر البعث إلى الشعب السوري -عامةً- نظرة استعلاء وتهكّم، بعدّ الشعب جاهلًا، والجاهل يحتاج إلى وصي، ولا يجب أن يعمل في السياسة، بل من الخطر أن يعمل فيها. وفي هذا السياق يروي من كان يومًا الأمين العام لحزب البعث، وسفير سورية لدى الأمم المتحدة، حمود الشوفي، ما ذكره له حافظ الأسد في جلسة خاصة عام 1970، فقد قال له: إن “الناس لهم مطالب اقتصادية في الدرجة الأولى”، يتطلعون إلى الحصول عليها، من مثل قطعة من الأرض، أو بيت، أو سيارة، أو ما شابه، وأنه يستطيع تلبية تلك المطالب، “بشكل أو بآخر”. وأضاف: “هناك فقط مئة شخص أو مئتان بالكثير” ممن “يعملون جديًّا بالسياسة” أو يتخذون منها مهنة لهم، “وهؤلاء سيكونون ضده مهما فعل”. وخلُص إلى أن “سجن المزة اصلًا مبني من أجل هؤلاء”، أي: إن الأسد يرى أن الناس العاديين لم يُخلقوا للسياسة، وهم أصغر من التفكير -فحسب- في العمل في السياسة، وإن حصل وعملوا فيها، فالقمع والسجن مصيرهم. وهذا ما عبَّر عنه الأسد الابن في سياق كلامه عن المعارضة التي قبل نظريًا بمبدأ التفاوض معها في مسار جنيف (3)؛ إذ يقول: “وبما أننا لم ولن نسمح لهم بأخذ سورية في هذا الطريق ليسقطوها في الهاوية، فقد طرحنا منذ بداية جنيف3 ورقة مبادئ تشكل أساسًا للمحادثات مع الأطراف الأخرى.. والآن أعتقد أن الكل يتساءل من هي هذه الأطراف الأخرى.. أي: لم نرَ أطرافًا بكل الأحوال هناك.. كنا نتفاوض إما مع أنفسنا أو مع الميسر.. والميسر وفريقه هم ليسوا طرفًا.. هم ميسر.. هم طرف وسيط.. لذلك؛ إذا قلنا لماذا نضع جملة الأطراف الأخرى.. هي هنا لضرورة الشعر فقط.. ولكن لا توجد أطراف أخرى..”.

توجد اليوم حالتان ناضجتان وفاقعتان، تصلحان مثالين أنموذجيين للمآل الذي تتجه إليه أيديولوجيتي “البعث القومي” و”البعث الإسلامي”: الحالة الأولى، هي النظام السوري، والحالة الثانية هي تنظيم “داعش”. ومما سبق نستنتج تطابق الحالتين في العمق التحليلي. ونستنتج أيضًا أن الاستمرار في هذا النهج الأيديولوجي، سينتج المآل نفسه، لكن؛ بمسميات جديدة.

وأخيرًا، يمكن التنبؤ بأن بعضهم سيقدّم تأويلًا متسرعًا لهذا الاستنتاج، تأويل يقوم على وضع طرحنا هذا في بوتقة عداء الإسلام والعروبة، واستباقًا لهذا التأويل، نقول: لا يتعارض هذا الطرح مع الإسلام، بوصفه دين التسامح والمحبة، ولا يتعارض مع العروبة، بوصفها فضاءً ثقافيًا منفتحًا، يشترك فيه جميع الناطقين باللغة العربية، بل على العكس يعزز أهميتهما. ولكن الطرح يتمحور حول أيديولوجيا الإسلام، وأيديولوجيا القومية العربية.

مقالات ذات صلة

إغلاق