مقالات الرأي

بدايات متعددة نحو وطن

قراءات مختلفة لواقع أسهب في فوضاه، وابتعد عما يذكر من تحليل الأسباب والمعطيات، وتخيّل النهاية المفترضة لوقف المأساة، كلّ ما يُكتب عن عنف الحاضر ومباريات الإرهاب صحيح، وكلّ ما يُكتب لا يقارب الدقة؛ فما يعيشه السوري في هذا الوطن هو “ديستوبيا” حقيقية، في بلد صُنّف الأكثر خطورة في مستوى العالم.

بداية أولى – كوابيس وأحلام: أعوام طويلة من ثبات الذلّ وكوابيس الخوف المرير، ظنون كثيرة وأحلام كبيرة حول صنع حياة أفضل لأولاده -في الأقل- عاشها المواطن السوري بصمت، وهو يتأمل الخروج من عجزه وتغيير كل شيء، القوانين والدساتير والأفكار البالية، ليبني وطنًا يتّسع أحلام وآمال الجميع في المستقبل. حصل ما يجب أن يحصل، اقتُلعت أظافر الخوف، وصار البلد طافحًا بالوقائع وحافلًا بالمتغيّرات المتسارعة، الطريق شاقّة يحمل السوري أثقالًا ومآزق ومشكلات قديمة وآنيّة ومقبلة، أغرقته في حسابات مستحيلة، يلتقط التحليلات والتخيّلات و”الخربطة”، يراجعها جيدًا، ويختلط عليه الاتجاه بين الطيران والغرق، وينهال التصنيف اللغوي المبدع “مندسّ، بوق، رمادي، إرهابي وخائن، شبّيح ومنحبّكجي، وسنّي ونصيري وشيعي”، يسقط من هول معجم الوصف واللغة المرنة ملجوم اللسان، ينطلق الرصاص؛ فيشيع الوطن أولاده، تتحول هوامش الحلم إلى كابوس ضيق، وتُعلَّق الآمال على النهايات لخطوات تكتب بالدم المحتقن.

بداية ثانية – مدن تنهار: أفكار تصدح من كل صوب، ينزرع الواقع شظايا أجساد مبعثرة، ينتقل الألم فيها من حالة إلى حالة. تنطلق ميليشيا القتل، تتعدد الأسماء والفعل واحد، رايات متنوعة لميليشيات الموت التي أعلنت القتل “بين الجهاد والجهاد ضد الجهاد”، لكل شيء ولكل شكل. تخلط الأوراق والدماء والبراميل والانهيار والنزوح والمخيمات والفقر والإعانات، والسوري يمدّ رقبته المتورمة من انحباس الدم نحو الرضوخ لواقع القتل، ولا يعرف تحت راية مَن سيكون مثواه الأخير. تتحرك الأفواه ضمن استعراض إعلامي شامل، بين من يستنكر ويدين ومن يؤيّد، بين مراقبين دوليين ودول، ودولته لا تشبه الدول، إنها التاريخ العظيم للحضارات وللأديان ولقتل الإنسان.

بداية ثالثة – أعوام أخرى: يبتعد السوري عن حلمه ويُزَجّ به داخل بوتقة الرغبة في الحصول على أدنى حقوقه؛ “حق الحياة”، حق ألا يُقتل في وطن أُتقنت فيه فنون القتل، يظن -للحظة- أن خلاصه في التعويل على هذا الحق سيُسقط جميع الميليشيات المتقاتلة، جهادية أم مع النظام، فكلاهما مستمرّ باستمرار الحرب، وهو يدرك أن البحث عن حق الحياة وحده لن يكون سوى ابتلاع للشظايا، وانتقال من قبضة “الفرد” إلى قبضة “الجماعة”، الاثنان يطلبان الطاعة لصون الحياة، يتذكّر حلمه في المساواة ودولة القانون، حلم بسيط تتفق عليه كل شعوب الأرض، لم يكن بين حساباته أنه بعد أن حطم قيد مملكة الخوف سيعيش “مساواة قاتلة” بين إرهابين، أو يبحث بينهما عن الأقل ضررًا! وكلاهما يعدّ العدة لاستلاب مقبل، وكلاهما عاجز عن صنع دولة القانون، وتحقيق مطالب شعب، ويبقى الرجاء في فعل يتجاوز الواقع، يُسقط الثنائية القاتلة؛ “التصفيق” لمقدّس دنيوي، و”التكبير” لمقدّس ديني، ثنائية عاجزة عن بناء أجيال قادرة على صناعة المستقبل.

بداية رابعة – ما نعيشه لا يدركه العالم: فتلمّس الألم السوري داخل الوطن الملتهب هو أن تغرق فيه، تمسك بيدك سلسلة نيران لا تنتهي، من “المطامح والمطامع والشحن والإقصاء والقتل والتدمير..”، تتلظى خلف الآراء والمباحثات والمصافحات، وهو الحلقة المفقودة في صحف العالم ومحطات التلفزة أجمع، وهو أبعد من انسحاب أميركا من قيادة الشرق الأوسط، أو عودتها، ومن الاندفاع الروسي لتسيّد المشهد؛ بذريعة الحرب على “داعش”، ودعم نظام حليف، وأبعد من دولة البغدادي والهلال الشيعي، إنه سباحة شاقة في مستنقع كبير، سقطت فيه الحدود الدولية، اخترقتها العصبيّات والأعلام المتناقضة، تهاوت الجيوش، واتكأت على حراب الميليشيات لتصنع استنزافها القاتل، اندحرت فصول التغني بالتعايش داخل الخريطة، الجميع يبحث عن هويّته وثقافته؛ ليصنع وطنًا، وكأنّنا جماعة بلا جذور تاريخيّة مشتركة ولا ثقافة جامعة، لا تسويات في الداخل، ولا تفاهمات في الخارج، والسوري يقف عاريًا، يتطلّع إلى أي حلّ ينقذه من براثن الإفناء تحت ما يسمى “سقف الوطن”.

بداية خامسة – التكيّف: يُعرّف التكيّف بقدرة الكائن الحي على الاستجابة للمؤثرات الطارئة بهدف البقاء، ولأن الحرب مؤثرٌ طارئ؛ فقد أنتجت تكيفاتها في بِنية السوري الذي أثبت في السنوات الماضية قدرته الكبيرة على التكيّف مع رائحة موته، وصوره الدامية المنتشرة على الشاشات، لقد سُلب جزءٌ كبير من حساسية المشاهد ومن إنسانيته، صارت الدماء تغور داخل جسده، كلما رأى أمامه دماء، ويتلمس اكتمال تكوينه كلما رأى أشلاء، ويعرف أنه على قيد الحياة حين لا يقرأ اسمه في النعوات، ويمسح ذاكرته كل حين، يلغي وجوده اللحظي، ويحظى بالتكيّف مع العدم؛ ليضيف أيامًا أُخَر إلى عمره المهزوم، عادةً يبدأ الجناة المذبحة بنزع إنسانية الضحايا المعدّين للذبح، يحوّلونهم إلى (جرذان، خونة، إرهابيين،..)، يبتلع السوري قرار قتله جوعًا بردًا أو برصاصة عابرة، وينتظر أن تستفيق النخب السياسية بتوجهاتها المختلفة من أوهام الحلول المستوردة؛ لتدرك أن حلول الأزمة السورية بيد السوريين وحدهم للخروج نحو النور.

بداية سادسة – هذيان عن ضياع الوطن: يصير الوطن ميدانًا لقواعد عسكرية بالجملة، يرتفع الهذيان حدّة في غياب الأفق للخلاص من الاقتتال، تتغير معادلات الخصوم والحلفاء، وتتعدد المنابر للمفاوضات، يبحثون عن حل واقعي، والسوري يعدّ أعوامه المهدورة، يعرف عدوه “أعدائه” جيدًا؛ ولا يعرف أين ينتهي العدّ، فالمِقتلة مستمرة والقوافل الخضراء تبحث عن ملاذ آمن، والعالم والمنظمات الدولية وغيرها تستمر في “إدارة الأزمة”، والذين يتصارعون على أرضنا يغتسلون بدمائنا ويرفعون شعار “الحماية”، وتقديم الحلول لتحويلنا إلى حُطام بشري، ومثال بليغ يوضّح لسكان الإقليم والعالم مخاطر “الثورات والتمرّد” على الحكام، والهذيان مستمر، يصير الواقع عملية مسح ذاكرة للحلم بوطن للجميع، الماضي لم يحمل في عمقه الوطن والحاضر ليس وطنًا، وهذه الحرب ستنتهي مثلما انتهت آلاف الحروب في التاريخ، وستطوى صفحة قنابل السماء وإرهاب الأرض، وسيبقى السوريون عراة ما لم ينسجوا معًا خيوط وطن للجميع، بعيدًا عن هذيان هذا الجحيم.

بدايات أخرى- لم نصل -بعدُ- إلى النهاية: وهذه الاستباحة المتوالية لحياة الناس، ولحرية الناس، ولكرامة الناس، لن تدوم إلى الأبد، كثيرة هي البدايات التي تعبّد الطريق؛ ليثور السوري على كل هذا الجحيم، وينتصر عليه؛ ليردم كل مرارة الأعوام، ويصنع من ترابها بداية له وللوطن.

مقالات ذات صلة

إغلاق