تحقيقات وتقارير سياسية

لعبة صاروخ “حق الرد” في مساحة ضيقة

أخيرًا، وبعد سنوات طويلة من ترداد إعلام الأسد عبارة: الاحتفاظ بحق الرد في الوقت والمكان المناسبين، في إثر كل هجوم إسرائيلي على مواقع قوات النظام، أو قواعد وأسلحة إيران المرسلة إلى حزب الله، ادّعى ناطق عسكري لسلطة الطاغية، بإطلاق صاروخ، أو أكثر، على الطائرات الإسرائيلية التي دمرت أسلحة وذخائر متطورة، كانت في محطة على الطريق بين شرق حمص ومراكز حزب الله في لبنان.

ادّعى إعلام بشار، ومعه حزب الله والإعلام الإيراني، وآخر ممول من طهران، أن طائرة إسرائيلية قد أسقطتها الصواريخ السورية، وأخرى أُصيبت. ووصف إعلاميو “المقاومة” و”الممانعة”، هذه “الواقعة” الإخبارية بأنها بداية عصر جديد، سيضع حدًا للعربدة الإسرائيلية في الأراضي السورية!

سوف لن أتردد بتسمية الصاروخ “باللعبة”، غير أنها لعبة تجري في مساحة ضيقة جدًا. فهو لعبة بالمعنى العسكري، ولعبة في شبكة العلاقات الدولية المعقدة في سورية.

اللعبة العسكرية؛ إذ إن الأثر الوحيد للرد “النوعي” والمفاجئ لإسرائيل، هو أشلاء الصاروخ التي تناثرت على الحدود الفلسطينية- الأردنية. أما الزعم بإسقاط طائرة إسرائيلية لم يُصدّقه ولن يصدقه سوى أبواق الإعلام الموالي، وجوقة من “الخبراء الاستراتيجيين” الذين أشادوا بانتصارات كاذبة في بيان عسكري لا دليل على صحة ما فيه، فمن المعروف أن الأقمار الصناعية الصديقة لسلطة بشار، بمقدورها رصد كل عصفور في الأجواء وتصويره، وفوق ذلك لدى الروس منظومة رادار تغطي سورية ولبنان والأردن وفلسطين، وتستطيع الكشف عن جسم الطائرة، وهي “تحترق وتتهاوى”، كي لا نقول إن إسرائيل لا تخفي حادثة واضحة من هذا النوع إن حصلت. ويبدو مضحكًا أكثر الادعاء بإصابة طائرة أخرى، فالمعروف أن هذا الطراز من الصواريخ إما أن يسقط الطائرة في حال إصابتها، أو ينفجر في الفضاء عند مدى معين إذا فشل بالاصطدام بالهدف في الجو، أو أن يسقط بفعل صاروخ مضاد لمنعه من تهديد الطائرات المستهدفة. وربما أيضًا لاستدراك سقوطه في مداه الأخير لحماية العمق السكاني في إسرائيل من شظاياه، وهو ما حصل بإسقاطه بصاروخ المنظومة الدفاعية المتطورة التي تملكها إسرائيل، على الحدود مع الأردن، بعيدًا عن المناطق المأهولة.

لكن البعد السياسي في لعبة “الصاروخ” هو الأهم. فالتوقيت الذي اختاره النظام للرد، لأول مرة في تاريخه، على الهجمات الإسرائيلية ضد المواقع السورية، أو ضد القوى الموجودة على الأراضي السورية برغبة من النظام، في مناخات هذا التوقيت ما يشي بامتعاض طهران وحزب الله من إبداء الروس تفهمهم لضرورة خروج ميليشيات حزب الله والحرس الثوري والفصائل الفاشية الطائفية الأخرى من سورية.

في المداولات التفاوضية، من أستانا إلى جنيف، “أبدى الروس استعدادهم للتداول في الطرح الداعي إلى إخراج جميع الميليشيات التابعة لطهران من الأراضي السورية”، في إطار السجال حول الإرهاب وضرورة مواجهته. في الوقت نفسه، كان نتنياهو يلتقي بوتين، وما رشح من مداولات بينهما لا يروق لطهران التي تظن أنها اشترت الموقف الروسي بالصفقات التسليحية والنفطية، وفي اعتقادها أنها الحليف الأول لموسكو في الشرق الأوسط. غير أن اعتقادًا كهذا يتجاهل أنَ تداخلات الوضع في سورية، ودور روسيا فيه، بدأ من ضوء أخضر إسرائيلي لدور سلاح الطيران الروسي، مقابل ضوء أخضر من روسيا لإسرائيل، عندما ترى الأخيرة أن هناك ما يمس أمنها من داخل سورية.

في ظل هذا التداخل الحساس والمعقد، كانت خشية الملالي في طهران أن يكون بشار الأسد قد تساوق مع الروس فعليًا، حول موضوع إخراج كل الأدوات المسلحة التابعة لطهران من سورية، إن أراد استمرار الدعم الروسي العسكري والسياسي لنظامه وتمكينه من البقاء بأقل الخسائر. هنا يبدو أن طهران أرادت زج بشار الأسد في الاختبار لاستمرار دعمها له، وفي هذا السياق، واستجابة لقرار من طهران، على الأغلب، كانت لعبة الصاروخ ضد الطائرات الإسرائيلية، ليس من أجل مواجهة إسرائيل، وإنما لإرباك موسكو في علاقتها المزدوجة (مع بشار ضد الثورة السورية والمعارضة، ومع إسرائيل ضد كل ما تراه تهديدًا لأمنها مصدره الأراضي السورية)، وهذا يعني عدم اعتراض موسكو على ضرب إسرائيل قواعد “حزب الله” والحرس الثوري، وبقية التشكيلات الطائفية التابعة لطهران، وتتمركز في سورية.

ويبدو أن إعلاميي الممانعة ودبلوماسييها يقتاتون على فضلات الموائد السياسية، خلال بحثهم عن تدعيم أكاذيبهم وفبركاتهم. وهو ما حصل في إثر استدعاء الخارجية الروسية للسفير الإسرائيلي في موسكو بعد الغارة الإسرائيلية، فاعتمدوا على ذلك الخبر؛ ليقولوا إن موسكو وجهت صفعة قاسية إلى حكومة نتنياهو (من قاع الدست كما قال بشار الجعفري ببلاغته اللفظية) على قيام الطيران الإسرائيلي بتدمير أسلحة ومعدات موجودة فوق الأراضي السورية. وزيفوا ما تداولته الخارجية الروسية مع السفير، بادعائهم أن موسكو حذرت إسرائيل من تكرار مثل هذه الهجمات، بينما الحقيقة التي أعلنتها خارجية روسيا، عن اللقاء مع السفير الإسرائيلي، هي أن هناك ضرورة لتنسيق المهمات بين الطرفين في ما يتعلق بالشأن السوري.

لم يصمد ادعاء سلطة بشار بخطابها الإعلامي المتعلق بالموقف الروسي من الهجوم الجوي الإسرائيلي أيامًا قليلة، فقامت إسرائيل باغتيال أحد مسؤولي ميليشيا “الدفاع الوطني” في الجولان بصاروخ موجَه من طائرة دون طيار، وبلعها إعلام الممانعين، ولم يكرر عبارة “الاحتفاظ بحق الرد”. وكل محاولات حلف الممانعة، ونظام بشار خاصة، لإظهار حليفها الروسي بأنه يقف معها عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. إنه ادعاء تمليه الحاجة؛ لشد عزيمة الموالين للنظام الذي يقف على مفترقات صعبة وحاسمة.

بإمكان أبسط مواطن سوري أن يتساءل في هذا المجال، إن كانت تكنولوجيا الدفاع الجوي الروسية الموجودة على الأرض السورية غير قادرة على إحباط غارات الطائرات الإسرائيلية، إن أرادت سلطات الكرملين ذلك. وسبق أن فعلها الروس مع طائرة تركية على خط التماس مع المجال الجوي السوري مطلع العام 2015.

وبناءً عليه؛ فالواضح أن النظام يلعب في مساحة ضيقة جدًا، وتفتك به التجاذبات الحادة التي وضع فيها سورية منذ بدء الثورة، وكلما مضت الأحداث وازدادت تعقيدًا، تصبح مساحة اللعب أكثر ضيقًا، وصولًا إلى تلاشيها. وفي ما يتعلق بإسرائيل؛ سيبحث النظام عن عبارة في خطاب، يشطب منه “حق الرد”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق