تحقيقات وتقارير سياسية

في ذكرى سلطان الأطرش: السويداء إلى أين؟

لم يختر سلطان الأطرش، ومن معه من رجال الثورة السورية الكبرى، اسمًا أو صفة سياسية لهم سوى سوريتهم، لا حماة الأرض والعرض، ولا حركة الموحدين “الدروز”، والاسم المحبب والمفضل لهم “مُرقّعو العبي” كناية عن ثيابهم الرثة وزهدهم بالحياة. كذلك لم يختاروا لأنفسهم اسمًا محليًا ذا شأن طائفي، بقدر مخاطبتهم السوريين عامة وروحهم العربية والوطنية، وتأجيج روح الحرية والاستقلال، فقد جاء في بيان الثورة السورية ضد الاستعمار الفرنسي بتاريخ 23 أب/ أغسطس 1925 “يا أحفاد العرب الأمجاد، هذا يوم ينفع المجاهدين من جهادهم، والعاملين في سبيل الحرية والاستقلال عملهم. هذا يوم انتباه الأمم والشعوب. فلننهض من رقادنا، ولنبدد ظلام التحكم الأجنبي عن سماء بلادنا”.

السويداء، التركة الوطنية

في 26 آذار/ مارس عام 1982، توفي سلطان الأطرش عن عمر ناهز تسعين عامًا (من 1891 إلى 1982) مخلفًا إرثًا وطنيًا للسوريين عامة، بوصفه قائدًا عامًا للثورة السورية الكبرى ضد المستعمر الفرنسي، وتاريخًا وطنيًا ناصعًا لأبناء السويداء الذين لازالوا يتغنون به إلى اليوم. فقد جسدت مبادئ الثورة السورية الكبرى، بقيادة سلطان الأطرش العسكرية، وتنسيقه السياسي مع الكتلة الدمشقية، ممثلة بحزب الشعب، ورئيسه عبد الرحمن الشهبندر، وشمولها عموم سورية، مبدًا عامًا في موضوعتي الهوية الوطنية، والاستقلال والتحرر؛ ما جسدته بوضوح مقولة “الدين لله والوطن للجميع” بتلازم بين القول والممارسة، وفي جانب آخر؛ شكل الوعي الوطني والحقوقي العام مفارقة معنوية كبيرة، أسهمت في بناء المنظومة المعرفية الأولى لمرحلة التحرر الوطني وبناء الدولة السورية، فالتفريق بين الدعوة لمحاربة المستعمر الفرنسي، بوصفه قوة احتلال وإكراه، عن مبادئ الثورة الفرنسية الثقافية والحقوقية التي نادى بهما سلطان الأطرش، حملت بذور الوعي الوطني العام، ورؤية متقدمة في المدنية والعلمانية وربطها بالهوية الوطنية.

أبناء السويداء (بنو معروف)، يعيشون إلى اليوم على هذا الإرث الوطني الكبير، فرجل بحجم سلطان الأطرش ورجال الثورة الذين نأوا بأنفسهم عن تسلم مناصب الدولة ما بعد الاستقلال، “فهم دعاة تحرير والأبناء من بعدهم دعاة بناة”، والسويداء -أيضًا- قدمت ما يزيد عن عدد شهداء سورية كاملة في وقت الثورة (ما يزيد عن 2200 شهيد وقتئذ، والمراجع تتباين في ذلك) هذا بوجه عام، ما لم نأخذه بنسبة لتعداد السكان القليل للمحافظة أساسًا. إضافة إلى أن الاندفاع والحمية الوطنية والغيرة العامة وروح التضحية والفداء وإنكار الذات شكلت معاني ذات قيمة إنسانية وثقافية عامة لأبناء المحافظة إلى اليوم، فهل بقيت؟

الإفساد والتهميش

في سياق مختلف، وصل نظام البعث إلى السلطة، ومارس سياسة التهميش العامة وأفرغ السلة الشعبية من موروثها الوطني، وهشّم الساحة المدنية والسياسية كاملة لمصلحة دكتاتورية عسكرية أمنية.

وعلى الرغم من أن قيادة البعث -هذه- وسلطته الدكتاتورية لم تجرؤ على تهميش سلطان الأطرش، بوصفه رمزًا وطنيًا عامًا، ومثله ابراهيم هنانو وصالح العلي وغيرهم، إلا أن الإدارة العميقة الأمنية -تلك- اختارت، بإحدى وسائلها الناعمة، تحويل ذكرى وفاته من منبر شعبي وطني عام، وإلحاقه بيوم الاستقلال الوطني لسورية، وقد انطلت اللعبة على كثيرين من المغرر بهم؛ خاصة بعثيي المرحلة وقيادتها المحلية، ليجري استثمارهم في قمع ومنع طلاب المدارس وموظفي الدولة من حضور احتفالية ذكرى وفاته، بوصفه رمزًا وطنيًا مستقلًا، لتكون الطريق الأولى التي تسلل بها نظام البعث إلى نفوس المتسلقين السياسيين، والمتاجرة بالقضية الوطنية، عبر تفريغها التام من جميع معانيها القيمية وتجييرها سياسيًا لسلطة البعث، من ثمّ؛ لدكتاتورية الفرد.

الممارسات الأمنية هذه تمددت وتوسعت؛ لتزرع بين صفوف المجتمع المحلي المخبرين وصغار الكسبة السياسيين، على حساب أخوتهم وأبناء جلدتهم، بحيث استطاعت إلحاق مدير المدرسة التعليمية والمدرس والمستخدم في ذيلية أمنية، تستعطي المال والسلطة معًا، في سياق متخارج مع المنظومة القيمية الراسخة في الوجدان الشعبي، ليطفو -في النتيجة- مجموع عام من المستفيدين والمنتفعين، من تكريس سلطة البعث العامة على حساب المجتمع وتماسكه الوطني وبناه الوطنية والمؤسساتية، لتطال يد التنكيل جميع صنوف وأشكال الحياة المجتمعية السورية عامة والسويداء خاصة، ويجري استثمارها اليوم بالشكل الأمثل؛ لمواجهة أي مد تحرري أو ثوري في سياق الثورة السورية؛ ثورة الحرية والكرامة.

فالواقع الاقتصادي المحدود والمهمش، كان أهم الأدوات في تحييد وإقصاء أبناء السويداء من الحياة السياسية العامة، بعد تهميشهم عسكريًا منذ عام 1966، فاعتمادهم المعظم على رواتب الدخل المحدود من الوظيفة، سواء المدنية منها أم العسكرية، يجعل الفرد مرتبطًا ارتباطًا خفيًا بمورد رزقه المهدد بالانقطاع في أي لحظة، وغير قادر على الانفكاك عن منظومة النظام المبنية على الولاءات الشخصية والتبعية. والمعروف بحكم القوانين الاقتصادية، أن اقتصاد الوظيفة لا يمكنه أن يبني اقتصادًا تنمويًا أو مستقلًا بقدر ما يبني سياسة التبعية والفساد مع الزمن. وتكاد تشعر بالأسى على واقع يكتنز كثيرًا من الإمكانات المحلية العلمية والفنية والأدبية، يذهب بنفسه إلى الانعزال والانغلاق طواعية، فأبناء السويداء عامة ذوو الميول العلمانية والمدنية ومحبو الحياة معظمهم آثر العلم والتعليم؛ تعويضًا عن ذلك، فبحسب “اليونسكو” أُعلنت السويداء عام 2008 مدينة خالية من الأمية، إضافة إلى أن معظم أسرها حددت موضوع النسل؛ مكتفية بتربية أبنائها وتعليمهم لمواجهة قسوة الحياة. فكيف إن كانت ذات أعلى نسبة بطالة على مستوى القطر، حيث بلغت 17.6 عام 2008، مقارنة بـ 12.3 في باقي سورية؛ ما يفسر موضوعيًا نسبة الهجرة العالية بين شبابها، فبحسب الإحصائية ذاتها أن 25 في المئة من أبناء السويداء مقيمون خارجها، بين مسافر موقت وطويل الأمد، وهي التي لا يزيد عدد سكانها على نصف مليون نسمة.

ويكتمل المشهد اليوم في السويداء بكثير من الميليشيات المسلحة، متعددة الانتماءات والولاء، إلا الوطن، وهي نتيجة موضوعية لسياسة الإفساد والتهميش الاقتصادي هذه! تنفي المنظومة المعرفية لما مثّله سلطان الأطرش، وقاسم أبو خير، وعلي عبيد وغيرهم، موضوعَ تحرر ورافعةً وطنية وأساسًا في العلمانية، ليصر نظام البعث والدكتاتورية اليوم، وميليشياته العسكرية المتشكلة في السويداء، ومعها حصيلة خمسين عامًا من تكريس التأخر المجتمعي، على جعلهم منظومة معرفية “قروسطية” ذات شكل محلي محض. ولسخف تاريخي؛ فإن كل فرد فيهم يتخذ من سلطان أنموذجًا مقلوبًا في تفوقه الطائفي لا الوطني والعلماني والتحرري!

السويداء اليوم، إلى أين؟

الجريمة السورية لم تتوقف منذ سنوات ست خلت إلى اليوم ، بل نجدها مستمرة منذ أن ارتضى المجتمع الدولي الصمت عن جريمة سورية الكبرى، وأيضًا، ستبقى السويداء على مشارف الانتظار، منذ أن ارتضى الواقع المحلي فيها الصمت عن القتل الممنهج في كل سورية، وعن جرائم الفساد والخطف والتهريب واعتقال شبابها.

على الرغم من كثير من المحاولات للالتحاق بركب الثورة، سواء في حراكها المدني السلمي بداية، إلى محاولة بعض عسكرييها المنشقين إحداث فارق في توجه بوصلتها، إلى محاولات محلية أهلية شعبية في الدفاع عن نفسها، وحماية السويداء من خطري النظام والإرهاب الداعشي، إلا أن السويداء في جبل العرب، بما فيه من خليط سكاني، معروفي بنسبته الأكبر، ونازحين مهجّرين من باقي محافظات القطر، وأقلية بدوية ومسيحية، اختارت الحياد العام والنأي بالنفس عما يسمونها حربًا دينية، لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ليبقى النظام بميليشياته الطائفية هو الواجهة المشوهة لهذا المجتمع، يتلاعب به وبميراثه الوطني، ويستثمره في حربه الكارثية على سورية والسوريين!

فهل النأي بالنفس سيخدم الهوية الوطنية المتمتع بها أبناء الجبل تاريخيًا، أم سيجعلها عرضة للاستثمار في مشروعات متعددة الأغراض، قد تهدد انتماءها الوطني إلى الهوية السورية؟ وماذا ينتظر دروز السويداء في سياق الحلول السياسية المخفي منها والمعلن؟ فهل سيقبلون الانفكاك عن النظام وميلشياته؟ وما الأخطار التي ستنجم عن هذا الانفكاك في حال حدوثه من توجيه قوى “داعش” الشرقية لعقابها عليه؟ أم سيقعون تحت هيمنة ميليشاتهم المحلية في خلاصة طائفية عشائرية محض؟ أم سيرتضون التوافق مع محيطهم الحيوي في درعا والقنيطرة، في سياق إدارة لامركزية تامة أو مخففة، كما طرحته خطة “راند” الأميركية للحل السوري، وإقامة منطقة حكم ذاتي فيها بعرض المنطقة الجنوبية تشمل درعا والقنيطرة والسويداء؟ وهل ستجد السويداء من موروث سلطان الأطرش دليلها؛ لمواجهة أي نزعة انفصالية محلية، تقوم على تركيبة اثنية ضيقة مكتوب عليها الموات مع الزمن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق