تحقيقات وتقارير سياسية

ما بين الائتلاف والهيئة العليا للمفاوضات

تسود هذه الأيام حالة من التفاعل الحار بين الائتلاف و”الهيئة العليا للمفاوضات”، وقد خصّبها بعض المغرمين بالصيد في كل المياه، وضخّمها عدد من الصحافيين عبر مقالات وأخبار عن خلافات وقرارات، ومنع وامتناع، وكأنها حرب مشتعلة.

لنعترف، بداية، بأن سمة الاختلاف بين تشكيلات وشخصيات المعارضة متناوبة الأشكال، وهي تعبير عن وضعية موضوعية، ذاتية، ونتاجية أيضًا.

الأمر العادي أن المعارضة ليست نسخة واحدة، فكل تشكيل، أو حزب، أو حالة، بل وحتى على الصعيد الشخصي تعبير عن رؤى وخلفيات أيديولوجية وفكرية تلتقي، إلى هذا الحدّ أو ذاك، وتختلف في التصورات والمواقف والتحليل، وحتى مستوى الوعي، والنظرة إلى جملة المواقف، خصوصًا أن مسار الثورة السورية عرف كثيرًا من التعرّجات، والتعقيدات، والظواهر الملتبسة، وتلك التي ركبت على الثورة وعملت على جرجرتها نحو أجندات خاصة حاولت أن تطبعها بها، وتحاصرها ضمن أسيجة معينة، ومن ثم؛ فوجود تباينات أمر عادي، لكن غير العادي أن تصل إلى التناحر ونسيان الرئيس الذي يجمع هؤلاء في إطار الهدف المشترك للثورة.

في الوقت نفسه، فإن ضعف المعارضة نتاج عهود المطاردة والاستبداد، وعجز الثورة عن توليد قيادة من صلبها زاد الأوضاع صعوبة، وأوجد مجالات للخلاف متعدد الوجوه، بما في ذلك التباعد في المواقف، ونهج التناحر الذي لا يخلو من عقلية الاستحواذ والاستئصال ونفي الآخر، في حين أن انفجار خزين السوري بكل النهم والشظايا المرافقة، فتحت الشهية لإنشاء عشرات، بل مئات التشكيلات، إلى درجة يصعب التمييز بين أسمائها وتوجهاتها، وهو ما يسهم، أيضًا، في زيادة مساحات التباين، والتنافس.

من جهة أخرى، وعلى أرضية انسياب القرار الوطني من أيدي السوريين، ظهر التدخل الخارجي بيّنًا في المؤسسات التي نهضت باسم الثورة، ومحاولة التعبير عنها.

لقد قيل كثير في الأسباب التي استدعت إنهاء المجلس الوطني وقيام الائتلاف، وهل جرى ذلك، حقًا، بسبب وجود “المبادرة الوطنية” لولادة جسم رشيق، وأكثر تمثيلًا، أم أن موقف المجلس في مؤتمر المعارضة في القاهرة في تموز/ يوليو 2012، الرافض لتشكيل لجنة متابعة تسهم في وحدة عمل المعارضة، ورفض قرار جنيف 1 هما السبب الحقيقي لتشكيل الائتلاف في الدوحة؟

الائتلاف.. والهيئة العليا

يمكن أن يقال كثير في خلفيات تشكيل الهيئة العليا للمفاوضات في الرياض، كالبحث -مثلًا- عن جسم أوسع تمثيلًا، يضمّ ” هيئة التنسيق” والفصائل وعددًا من المستقلين، أو “استلام” المملكة العربية السعودية الملف السوري، أو حاجة الحل السياسي إلى جسم جديد يضمّ ذلك التنوّع المشار إليه.

لكن تولّد لدى كثير من الائتلافيين، خاصة في الفترة الأولى لقيام الهيئة العليا، شعور قوي بأن هذا الوليد الجديد سيكون بديلًا من الائتلاف، ولعل السبب يكمن في مواقف الائتلاف التي عُدّت متشددة بخصوص الحل السياسي، ومصير رأس النظام وكبار رموزه من القتلة والمجرمين، أو لرفضه الانخراط في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وإصراره على الموازنة بين محاربة النظام والإرهاب في آن.

على الرغم من التوضيحات المتكررة عن طبيعة مهمة الجسم الجديد، بوصفها جهة مختصة بالمفاوضات، ولا علاقة لها بالميادين الأخرى، السياسية وغيرها، إلا أن وجوده ومحاولاته أن يتسع، قليلًا وكثيرًا في مجالات متعددة، أثرّ في موقع ودور الائتلاف الذي عدّ نفسه، إلى الآن، الممثل الشرعي (والوحيد لدى بعضهم) للثورة، وأنه يملك اعتراف أكثر من 120 دولة به، وأخذ منه بعض الوهج، خاصة في التحركات السياسية والاتصالات الخارجية، وتمثيل الائتلاف لا يبلغ الثلث في الهيئة العليا، على الرغم من أن المنسق العام عضو فيه.

الإشكالية الرئيسة، المضافة إلى مشاعر التخوّف من أن يكون الجسم الجديد بديلًا، تكمن في مرجعية الممثلين أعضاء الائتلاف، واختلاف التفسير حولها.

الائتلاف يعد أن الأعضاء التسعة الذين جرى تعيينهم في الهيئة العليا هم “حصته” فيها، وهو من يسميهم، أو يستبدلهم دونما حاجة لأخذ رأي الهيئة العليا، فضلًا عن رفض طلب الاستبدال. والهيئة العليا، لحماية وجودها وتنظيم عملها وضعت لائحة داخلية عقّدت فيها عملية الاستبدال، وعدت نفسها صاحبة قرار فيه؛ ما يثير اللبس والخلاف.

لقد عمل الائتلاف بكل الوسائل المتاحة لدعم عمل الهيئة العليا، وعدّها جزءًا صميمًا يكمل عمله ضمن سعي المعارضة لتكريس حل سياسي يلبي مطالب الثورة، وينتزع حقوق الشعب الطبيعية التي ثار وضحّى بالكثير لأجلها، وعلى مدار عمر الهيئة العليا وعملها، كان نهج التوافق والتكامل والتنسيق هو السائد في العلاقة، والأكثر حرصًا على تدعيمه بمزيد من التفاعل واللقاء المتكرر بالمنسق العام، وعدد من أعضاء الهيئة العليا، ولجم أي من المشاعر التنافسية، أو العدائية، لكن قصة حقّ، ومرجعية الاستبدال لم تحلّ بما يتفق والنظام الأساسي للائتلاف.

على الرغم من أن “حصة الائتلاف” في الوفد المفاوض، والاستشاري، تراجعت إلى أقل من الربع، إلا أن الائتلاف شارك بفاعلية في الجولة الرابعة، وقدّم خيرة أطره (كادراته) الإعلامي والتقني المشهود له بالخبرة والانضباط، وبأمل تعزيز هذه العلاقة وتطويرها، على الرغم من بعض الأخطاء والتباينات التي عُدّت طبيعية، وثانوية.

هنا؛ وبغض النظر عن التوقيت والوضع، فقد اتخذت الهيئة السياسية قرارًا باستبدال عضوين في الهيئة العليا، من أعضاء الائتلاف، باثنين آخرين، وعدّته حقها المشروع غير القابل للرفض والنقاش، ما فتح هذا الملف، وأدى إلى توتر في العلاقة حين رفضت الهيئة العليا قرار الائتلاف بتفسير مخالف، يستند إلى لائحتها الداخلية التي لا تلزم الائتلاف.

الائتلاف حريص على تنقية الأجواء، والوصول إلى تفاهمات تعزز وحدة عمل المعارضة، وفي الوقت نفسه يجد من حقه الطبيعي استبدال أي عضو في الهيئة العليا طالما أن هؤلاء أعضاء في الائتلاف، وجزء من “حصة” الائتلاف… وقد اتخذت الهيئة السياسية قرارات معقولة؛ لتهدئة الوضع، وفي الوقت نفسه، لتنفيذ قراراتها، تقضي بتوضيح آلية الاستبدال والاتفاق عليها مع المنسق العام، والتفاهم معه على صيغة لتنفيذ قراراتها بعد انتهاء جولة جنيف الخامسة.

في جميع الأحوال؛ فإن تعزيز نهج التوافق وترسيخه بين المؤسستين هو ما يسعى إليه الائتلاف، إيمانًا منه بأن أي خلاف لن يخدم سوى النظام وأعداء الثورة، وأن المرحلة تقتضي مزيدًا من رصّ وتوحيد الصفوف، والتنسيق لمجابهة التحديات الكبيرة، ومحاولات النظام وأطراف كثيرة معادية لاستثمار أي خلاف في صفوف المعارضة للتنصل من استحقاقات المرحلة، وإلقاء مسؤولية عدم إنجاز الحل السياسي على المعارضة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق