تحقيقات وتقارير سياسية

جنوب دمشق يلتزم الصمت حيال معارك شرقيّها

تتواصل المعارك على الجبهات الشرقية للعاصمة دمشق، لليوم السادس على التوالي، تزامنًا مع قصف غير مسبوق، بجميع أنواع الأسلحة، على أحياء جوبر والقابون وتشرين وبرزة، إلى جانب الغوطة الشرقية، فيما تؤكد مصادر من “فيلق الرحمن”، رأس الحربة في الهجوم على تخوم دمشق، أن “المعركة ستستمر وتحمل عددًا من المفاجئات”.

المشهد المتفجر على مداخل دمشق، يمر دون أي حراك من الجنوب الدمشقي الذي يلتزم الصمت؛ حتى اللحظة، بلا أي موقف واضح، في استمرار لحال “التيه”؛ نتيجة لعدة حسابات، كما يؤكد ناشطو المنطقة.

فقد أكد مصدر خاص من المنطقة الجنوبية -فضل عدم ذكر هويته- لـ(جيرون) أنه “قبل ساعات من اندلاع المعارك شرقي العاصمة، خرجت اللجنة السياسية إلى دمشق، حاملة مبادرة، إلى وفد النظام الأمني المكلف بملف جنوب دمشق، على مرحلتين: الأولى أن يبقى الوضع على ما هو عليه، مع تشغيل بعض (مؤسسات الدولة) في المنطقة، والمرحلة الثانية، تبدأ فيها التسويات والمصالحات، وتنتهي بسيطرة النظام على المنطقة، بعد أن يحل ملف (داعش)، إما باتفاق أو بعمل عسكري، ومن يرفض مصيره التهجير إلى الشمال”.

وأضاف أن ” النظام لم يردّ على المبادرة بعد، بسبب اشتعال المواجهات شرق العاصمة، هذا هو الواقع الآن، هل سيتغير؟ لن ندخل في بحث الاحتمالات والتوقعات وإنما سنترك المعطيات على الأرض تتكلم عن نفسها”.

لفت المصدر إلى “أن التيه، وعدم القدرة على اتخاذ قرار حاسم بالالتحاق بركب المعارك على تخوم العاصمة الشرقية، يكمن في أسباب عديدة يعود أولها إلى عدم جدية العديد من الفصائل العسكرية، في اتخاذ أي قرار من شأنه تصعيد الموقف الميداني مع النظام، بل إن كثيرًا منها مرتاح للواقع الحالي، وكذلك الخليط المتنوع وغير المتجانس للتركيبة السكانية في جنوب دمشق بين (أهل البلد والنازحين)، ولا ننسى شبح الحصار المرعب للجميع، هل هذا مسوغ كي يبقى الصمت سيد الموقف؟ بالتأكيد لا، لا شيء يسوّغ على الإطلاق عدم الالتحاق بركب المعارك، وتفويت هذه الفرصة التي قد لا تتكرر، وربما تقلب مجمل المعادلات ذات الصلة بدمشق ومحيطها”.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى تلك الأصوات العالية في جنوب دمشق التي رفضت، قبل أشهر، المفاوضات مع النظام؛ أين هم الآن؟ هذه “فرصتهم للاستفادة من الواقع الحالي، وإلا فلا يحق لأحد -بعد الآن- أن يتحدث بكلمة عن الثبات والصمود والحفاظ على الثورة، بعض الفصائل المحسوبة على الثورة عليها أن تخجل من نفسها قليلًا”.

الصمت سيبقى في المدى المنظور

في هذا الجانب أكد الناشط فارس خطاب لـ (جيرون) أن الجنوب الدمشقي يعيش حالًا من “الفرح، وارتفاع المعنويات عند قطاعات واسعة من الناس العاديين في المنطقة. لكن هذا لا يمنع من أن هناك تيارات متعددة في مناطقنا، وحتى اللحظة يبدو تيار الثورة هو من يملك الغلبة جماهيريًا على الأقل، إنما دون فعل حقيقي على الأرض. نحن الناشطين في مختلف المجالات، نحاول شحن الهمم وحثّ الفصائل العسكرية على اتخاذ القرار الملائم والواجب اتخاذه، للاستفادة مما يجري في شرقي دمشق، وعدم السماح بأن يستفرد بنا النظام وحدنا”.

وفيما يخص الأسباب التي تجعل الخيارات داخل الجنوب الدمشقي غير محسومة حتى اللحظة قال خطاب “أولًا وقبل كل شيء لا بد من الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الجنوب الدمشقي كمنطقة محاطة بالمليشيات الإيرانية، إلى جانب ما يمكن تسميته بتيار المصالحة، والهدنة الحاكمة للمنطقة والتي جاءت أساسًا بسبب حصار خانق تسبب بموت العشرات، والأهم وجود تنظيم الدولة في المنطقة وما له من تداعيات على مجمل ملفات جنوب دمشق. في المدى المنظور سيبقى الصمت عنوان جبهات جنوب دمشق، ولكن في حال طالت المعارك واتخذت طابعًا أشرس وأوسع فأعتقد بأننا سنشهد اشتعالًا لجبهات الجنوب الدمشقي”.

“في الثورات، الكفر بعقلنة الذل وشرعنة التخاذل والاستسلام حلال مطلق، والإيمان بالخيارات الجنونية ضرب من الكرامة والعزة بل هو فريضة وواجب، البيئة التي لا تساعدك على القيام والحركة، بلا شك تربّيك على الرضوخ، وبين إرادتك وحال المحيط العام صراع مستمر، فإما أن ينتهي بك إلى الانفجار بعد الضغط الهائل، أو إلى الانكسار والاستسلام”.

بهذه الكلمات عبر الناشط مطر إسماعيل عن واقع الحال في جنوب دمشق. كل المعطيات تشير إلى ما يمكن تسميته بصراع بين منظومتين: الأولى وتدعو إلى اتخاذ قرار حاسم بالعودة إلى ركب الثورة، وحرق كل مراكب المصالحات والهدن، والثانية تدعو إلى العقل والحكمة لتجنيب المدنيين ويلات الحرب، وكل له مسوغاته وأسبابه، وإن كانت القلوب في معظم المناطق الخارجة عن سيطرة النظام تنحاز للخيار الأول، ويبدو أن حسم هذا الصراع هو ما سيحدد مصير الجنوب خلال المرحلة المقبلة.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق