أدب وفنون

الشَاهِد “القَيصَر”

كلّما أخذوه.. أخذوني معه.

ذهبنا على أقدامنا في المرّة الأولى، نزلنا درجاتٍ مُظلِمَة، ثم عُدتُ على قدميّ، وعاد هو سَحبًا من قَدَمَيهِ كخُرقَةٍ مُبلَّلةٍ على أرضٍ قاحلة.

يعرفونَ بأنَّ تُهمَتِي: تشابُهِ أسماءٍ مع أحدٍ ما فحسب؛ يُشبِهُ اسمُهُ اسمِي، أمّا اسمُ الأبِ والأمِّ ومكانِ وتاريخ الولادة فمختلف، مع هذا أنزلوني من “السيرفيس”، وأخذوني مع الضَربِ والرَكلِ والشتائِم إلى تحقيقٍ طويلٍ لا يكاد ينتهي.

قلتُ للمُحقق:

– لم أشترِك في أيّ مُظاهرَة، رَبَّانا والدي على الابتعاد عن السياسة، كان لا يُريد لنا مصيرَ أخيه؛ عَمِّي التركي، كما كان يُسَمِّيهِ مِن باب التمويه، نسبةً إلى رياض التُرك، ثمَّ انقطعت كلُّ أخبارِه بعد أن نقلوهُ إلى سجنِ تدمر بثلاثة أشهر؛ ولم نعُد نعرِف عنه شيئًا حتى الآن.

قال لي المُحقِّق:

– نعرف عنكَ كلَّ شيء، ليس لكَ علاقةٌ بأولاد بندر أو شبابِ حَمَد، ولا بالعَرعُور. وَقِّع هنا؛ وسنُطلِقُ سراحَكَ بشرط أن تندسَّ في تنسيقية “الحجر الأسود” حيث تسكُن، وتنقل لنا أخبارَها؛ من أجل مِنعَة الوطن وأمنِه وسلامَتِه.

لا أدري وقتئذ.. كيف لم تُطاوِعني يدي.

هزَّ المُحقق رأسَهُ: – ستندَم يا ابن الشَر…ة؛ خذوه.

صاروا يأخذونني إلى قبوِ التعذيب.. كلَّما أخذُوه.

حتى الآن.. لا أعرِفُ عنهُ، سوى أنّ اسمَهُ “صبحي” حينَ نادُوه ولم يستطع النهوض، فأخذوني معه؛ ثم أمروني أن أجُرُّهُ من قَدَمَيهِ.

صاح المُحقِّق حين رآني: – اشبحوه.

ثمّ أشار إلى صبحي قبل أن يُغادِر:

– إذا لم يعترِف بأسماءِ رِفَاقِه، اعملوه بيضة بريشت.

رأيتُ كيف دلقوا الماءَ الساخن فوقه، رأيتُ كلَّ جلساتِ تعذِيبِهِ، حفِظتُ وُجوهَ الجلّادين الذين عَذّبوه، ثم يفكُّون قيدي بعدَ كلِّ جولةٍ ويأمرونني لأجُرَّهُ إلى ما يُسمَّى الزنزانة، كيف أجَرُّ أحدًا وهو على هذه الحالة، كنتُ أحمِلُهُ بينما هُم يضحكون: – شِيل يا كِرّ.. شِيل.

يُفسِحُ لنا المُعتقلونَ العشرون مجالًا في زاوية غرفةٍ لا تتجاوزُ ثلاثةَ أمتارٍ بمترين، يتعاطفونَ معه وينظرون إليَّ بِرِيبة، الكلُّ قد أخذ حِصَّته من التعذيب؛ إلّا.. أنا!

علاماتُ التعذيب؛ كَدَمَاتُهَا الزُرقً؛ خثرَاتُها الدموية؛ نَزِيزُهَا؛ صَديدُها؛ والحروق -أيضًا- واضحةُ على وجوهِ وأجسادِ الجميع، ولا أثرَ فيَّ سوى لعلاماتِ حِبَالٍ حولَ مِرفَقَيّ، يعدونَ الشَبحَ والتعليق أهونَ أنواعِ التعذيب.

أتفهَمُ أنهم يُعَانُونَ مِثلَهُ، يعودونَ مِثلَهُ حُطَامًا على حافّة الموت؛ يتمنُّونَ الموتَ ولا يأتيهم.

صار صبحي يَهذِي.. بعد جَلسَةِ الكُرسِيِّ الكهربائيّ، ومن هذاياناتِهِ.. بدأتُ أتعرَّفُ إليه، كما لو أنّه مَرَّ بحانبي ذاتَ يومٍ؛ ونحن ندخلُ بوابةَ جامعةِ دمشق.. ولم أنتبه إليه، لمحتُ صبيةً تبتسمُ له.. ولم تنتبه إليّ، ثمَّ عرفتُ اسمها في أحدِ هذاياناتِهِ: – اركضي ياسمين.. اركضي.. اركضي كتير.

يختلجُ جَسَدُ صبحي حين يذكُرُ اسمَهَا؛ كما لو أنّ عُنقَهُ على حَدِّ السكين.

لم أكن أعرفُ كيف أُدَاوِي كَدَمَاتِهِ وجِرَاحَه، أُبلِّلُ بلعابي قطعةً من كُمِّ قميصي الداخليّ لأُرَطِّبَ لهُ حروقَهُ، فلا يهدأ اختلاجُهُ إلا حينَ أهمِسُ في أُذُنِه: – ياسمين.. بخير.

حين يهدأ.. أسترخي بجانبه، أضمُّهُ كلّما ارتعدَ من الألم؛ ومن قشعريرةٍ تعبر جسدَهُ كبردِ كانون، ما إن أدخلَ أولَ بواباتِ النوم حتى أستفيقَ على عَرَقِهُ يُبلِّلُ صدري وذراعَيّ، توقف قلبه مرّةً؛ أو هكذا خُيِّلَ إليّ، فأخذتُ كالمجنون أضغط بكلتا راحتَيَّ على صدره؛ حتى أطلق أولَ زفير، لم أطمئِن حتى سمعتُ قلبَهُ ينبض خافِتًا مثلَ ساعةِ حائطٍ عتيقة.

أتعجَّب كيف صَمَدَ جسدُهُ النحيلُ حتى الآن، بينما يُغادِرُنا آخرونَ أقوى بُنيةً مِنهُ ومِنِّي؛ تتلاشى أجسادُهُم تحت التعذيب شيئًا فشيئًا؛ فيأمرونني لأسحبهم من شهقاتهم الأخيرة كبقايا قماشٍ مهترئ عبر ممرٍّ طويل.

يضحك عناصرُ المخابرات: – اسحاب.. يا كِرّ، حتى أكوِّمَهُم في أحدِ التواليتات بعضَهُم فوقَ بعض، ثمّ اختفت ذاتَ يومٍ كلُّ الجثث؛ أخذوها إلى أين.. لا أدري، لا.. أسألُهُم، لا أردُّ على تعليقاتهم الساخرة، صار اسمي عندهم: الكُرّ، يسألني المُحقِّق: – لِسَّاك متنِّح يا عصام؟!، فلا أجِيب، ألوذُ بالصمت؛ فيصرخ: – رَح شوفَك نجوم الضُهر.. يا كِرّ.

ثمّ يُؤكِد على الجلَّادين: – اشبحوه.. وبَس.

أعودُ حامِلًا صبحي على كتفي ويُفسِحُ المُعتقلونَ مكانًا لنا في الزاوية، أقصِد يُفسِحُونَ له.

أحاولُ أن أتجنَّبَ نظراتِ الشكِّ في عيونهم، أحاول ألّا أصرخَ فيهم:

– أنا أتعذّبُ مِثلَ صبحي تمامًا، مِثلَكُم، سمعتُ طقطقةَ عمودِهِ الفقريّ على الكرسيّ الألماني؛ ولم تسمعوه، كنتُ مشبوحًا مِن يديَّ خلفَ كَتِفَيَّ؛ ثمّ لم أعُد أحِسُّ بِنِصفِيَ السُفلِيّ.

بلعتُ ريقي.. كِدتُ أصرَخُ فيهم:

– لن أغضبَ إذا اعتبرتموني عميلًا مَلغومًا لهم؛ مُزروعًا بينكم كجهاز التَنَصُّت، لكنّي اليوم تحديدًا؛ حين أوثقوهُ على كرسيٍّ لا مقعدَ له، أشعلوا شمعةً تحتَ خِصيَتَيهِ، أحسَستُ حينَ شَمَمتُ رائحةَ الشِوَاءِ الآدَمِيّ بأنِّي قد صرتُ مُجَرَّدَ عَبدٍ مَخصِيّ.

انحنيتُ فوق ما تبقّى من صبحي؛ شعرتُ بأنه يلفِظُ أنفاسَهُ الأخيرة، لم أدرِ كيف نهضتُ صارخًا لأول مَرَّةٍ منذ اعتقالي:

– خُذ حياتي كُلَّهَا وامنحهَا له، دَعنِي يا إلهي أموتُ بدلًا منه.

شَهَقَ صبحي.. نَزَفَ من طَرَفِ شفتيهِ دمًا وزبدًا وصديدًا، تمدَّدتُ قُربَهُ؛ عانقته بِكُلِّ ما أملِكُ من قِوَايَ؛ أحسستُ بآخرِ اختلاجَاتِهِ، كانَ آخرُ ما همستُ بهِ في أُذنِهِ اليُسرى: – اطمَّن؛ ياسمين.. بخير.

ثمَّ غِبتُ عن الوعي.

استفقتُ على ركلاتٍ وضرباتٍ بالكَبلِ الكهربائي الثلاثيّ، كان الكلُّ في المَهجَع قد أخذَ حِصَّتَهُ من التعذيب الجماعيّ، جَرَّني أحدُ الجَلَّادين من شعري حتى أوقفني؛ صرخَ كالكلب المذعور:

– وين اختفى.. قِرّ، اعترِف.. يا كِرّ.

خطفتُ نظرةً إلى حيثُ كان صبحي مُسَجَىً قبلَ دهرٍ من غيبوبتي، لم أجِدهُ، دخل المحقق كثورٍ هائج: – كيف اختفى؟!

عَلَّقَ أحد الجلّادين: – أنا من فتحتُ الباب يا سيدي وأنا أقفلته، وحين دقّوا قائلين بأنّ أحدًا منهم قد مات، فتحتُ البابَ فلم أجده، شي بيطيّر ضبانات العقل يا سيدي.

صرخ المُحقِّق في وجهي: – وين اختفى صبحي؟!

أدركتُ لوهلةٍ.. ما حَدَثَ لي حين عانقته، كيف أنَّهُ قد هدأ حينَ همستُ له بنجاةِ ياسمين مِن بينِ أنيابِهِم، كيف لَمَعَت عيناهُ بألوانِ قوسِ قُزَح، كيف ابتسَمَ لي بطرفِ فَمِه، كيف عانقني بآخرِ طاقةٍ في ذراعيه، كيف انسرَبَت أنفاسُهُ إلى رئتيّ؛ كيف لم أعُد أشعُرُ بِي..

صرخ المُحقِّق بي: – وين اختفى صبحي.. يا عصام؟!

أجبتُهُ لأولِ مَرَّةٍ بعد صمتٍ طويلٍ.. طويل:

– أنا صبحي بن يوسف الدوماني.

 

*- إستانبول 9 – 3 – 2017 ق.م الحريَّة.

مقالات ذات صلة

إغلاق