أبحاث ودراسات

ليست الغاية تقسيم سورية

منذ 2011، بدأت صيحات الإعلام، والناس “يريدون تقسيم سورية”، ومن جميع الأطراف. معارضو النظام السوري ومؤيدوه اتفقوا على نظرية تقسيم سورية، كل بحسب رؤيته.

هذه التفسيرات والتحليلات -في جوهرها- امتداد غير واع لمنهجية تفكير، ترتكز على تفسيرات نظرية المؤامرة، وتتمحور حول مقولة “العالم، وبالأخص الغرب يخافنا نحن العرب أو المسلمين، ويريد تقسيمنا لإضعافنا”، وتلك أقرب إلى الوهم منها إلى الواقع. لقد بات الكلام في التقسيم وخرائطه هواية وحرفة لكثير من الإعلام العربي والغربي، وكأنه عمل من لا عمل له، فصدم المتلقي -في الأقل- يحقق رواجًا إعلاميًا، بغض النظر عن الأجندات السياسية لكل طرف.

لمقاربة هذه التفسيرات نقديًا، أضعها أمام بعض الأسئلة الأساسية التي لا يمكن الاختلاف حول أجوبتها موضوعيًا ومنطقيًا، أسئلةٌ لا تحتاج إلى رموز وتعاليم كتب السرية، بل تحتاج إلى أجوبة تدرك التغيرات الهائلة التي حصلت في العالم منذ سقوط السوفيات ونشوء النظام العالمي الجديد.

السؤال الأول: من الأقوياء في العالم حاليًا؟

القوة تعني -أولًا- الاستقرار الداخلي للدولة، وامتلاك قاعدة اقتصادية قوية لا يمكن أن تنهار بسهولة، وأن تمتلك الدولة معدلات منافسة من حيث النمو على مستوى الأفراد بين دول العالم، ثم يأتي بعد ذلك الحجم الكلي للاقتصاد والإنتاج والاستهلاك، والقوة العسكرية. وفق ذلك، فالأقوى في عالمنا المعاصر هم الولايات المتحدة الأميركية أولًا، ثم الصين، ثم أوروبا الغربية، ثم روسيا واليابان وكوريا الجنوبية. وهناك قوى صاعدة بسرعة، مثل الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا وتركيا.

السؤال الثاني: علامَ يتصارعون؟

الصراع الأساسي ما زال نفسه منذ فجر البشرية، صراع على المال والسلطة، وفي عالمنا المعاصر الصراع هو ما يسيطر على السوق العالمية؛ السيطرة على السوق العالمية تعني التحكم بالقوانين التي تتحكم بحركة الأموال والبضائع عبر الحدود المفتوحة التي فرضتها اتفاقات تحرير التجارة الدولية؛ هذا السوق المتوسع باستمرار لم يعد يعني السيطرة على المصادر والمنابع فحسب، وإنما -أيضًا- امتلاك أكبر حصة في سوق المستهلكين عالميًا.

السؤال الثالث: ما مصادر قوتهم؟

ليس العدد السكاني؛ فسنغافورة وسويسرا والنمسا، الدول التي تحقق أعلى معدلات الدخل الفردي، هي أقل سكانًا من حي في القاهرة. وهو أيضًا ليس المصادر الطبيعية، فسنغافورة وكثير من بلاد أوروبا الغربية فقيرة بمصادر الطاقة وبالمواد الأولية. وهي -أيضًا- ليست المساحة، فاليابان أحد أكبر خمس اقتصاديات في العالم من أصغر الدول مساحة. وليست القومية، فالولايات المتحدة الأميركية والصين والهند، واحدتها تجمّع لعدد هائل من القوميات والأديان. كذلك ليس بسبب الدين، مثلما هو واضح من الأمثلة السابقة نفسها. إذن؛ ماذا بقيَ؟

إنه نظام الدولة المؤسس على تحقيق المصلحة الوطنية، باستراتيجيات بعيدة المدى، ورؤية خبيرة علمية للواقع والمستقبل، نظام الدولة المؤسس على إعلاء شأن المواطنية وحقوق الإنسان، بما يضمن إنتاجية المواطن عمومًا وانتظامه ضمن منظومة العجلة الاقتصادية، ثم يمكن إضافة ما سبق من عوامل؛ لتعزيز قوة الدولة.

السؤال الرابع: هل يخافوننا لأننا نملك النفط والغاز؟

من الواضح من نقاشنا السابق أن تلال الأموال والذهب، أصفرَ كان أم أسودَ، بدون دولة مؤسساتية مضبوطة ليست سوى تلال رمال مباحة لكل قوي ذكي أن ينال منها ما يريد، إضافة إلى أن زمن أسطورة “إغلاق صنبور النفط سيرعب العالم” قد ولّى أمام كميات النفط والغاز المكتشفة في جميع أنحاء العالم، والاتفاقات التجارية الدولية. والأهم أن هذا الفرض مستحيل موضوعيًا؛ لأن لا شعوب ولا حكام هذه المنطقة يملكون مفتاح هذا الصنبور؛ فإذا كان مصدر عزة شعب، هو بعض السوائل السوداء تحت الأرض، فبالتأكيد لا أحد يخاف هذه الشعوب. طبعًا هذا لا يعني أن لا أهمية للنفط والغاز في هذه المنطقة، بالعكس، فالطاقة مهمة جدا، لكنها لم تعد سلاحًا رادعًا ولا شرطًا كافيًا للقوة.

السؤال الخامس: فلماذا -إذن- يضعون كل هذا الجهد علينا، من إسرائيل إلى حكامنا الديكتاتوريين، إلى حالنا المأسوية اليوم؟

تاريخيًا، ومنذ الحرب العالمية الثانية، كانت لهذه المنطقة أهمية كبرى من جميع النواحي، في أثناء الحرب الباردة بين الحلفين الغربي والسوفياتي. لكن هذه الأهمية تراجعت مع سقوط السوفيات وتأسيس النظام العالمي الجديد، كما اختلفت أسباب أهميتها للأقطاب الكبرى الناشئة في العالم المعاصر؛ ومن ثم؛ اختلفت الغايات والوسائل.

الصراع الحالي الذي سيحدد شكل العالم في القرن الواحد والعشرين هو الصراع بين الغرب وبين الصين وروسيا والدول الصاعدة اقتصاديًا، وهذا الصراع يقوم على قاعدة غير مكتوبة، لكنها ملزمة، “لا حربًا مباشرة بين هذين الحلفين”، وإحدى وسائل هذا الصراع هي الحروب المتحكم بها عن بعد. ومن سوء حظنا أن أرضنا تقع في مركز ساحة الصراع الممتد من أواسط آسيا إلى البحر المتوسط.

السبب الآخر غير الواضح وضوحًا مباشرًا هو التركيبة التاريخية الغيبية لهذه الشعوب، فكلا الطرفين يريد عدوًا إعلاميًا يشكل حجة لحكوماته بالحركة والعمل. وقد قدم الإسلام السياسي أفضل مادة يمكن استخدامها إعلاميًا ودعائيًا لحكومات هذه الدول؛ لتخليق عدو خرافي مرعب. والمثال الواضح عصابات “داعش” الكرتونية التي وُلدت سفاحًا بين استخبارات كل هذه الدول، العالمية والإقليمية، بلا استثناء.

الناحية الأخيرة، لسنا وحدنا من شعوب العالم الثالث الذين يدفعون الثمن المرّ لهذا الصراع، لكننا -للأسف- لم نسمع ولم نحاول أن نرى مآسي غيرنا في إفريقيا وجنوب آسيا وأميركا اللاتينية. وخِلْنا -كأي مريض- أننا مركز الكون، والمرض الوحيد فيه بسبب شرانية الآخر.

السؤال السادس: فهل لا يريدون تقسيم سورية؟

ليست غاية هذه القوى الكبرى العالمية المتصارعة فوق سورية والعراق، وصولًا إلى وسط آسيا، هي تقسيم سورية. فبافتراض أن سورية في أفضل حالاتها موحدة مستقرة، فإنها لا تشكل حجمًا اقتصاديًا أو عسكريًا يخيف أي دولة، حتى إسرائيل، إن خطرها -في هذه الحال- خطر معنوي سياسي على النظم الحاكمة الإقليمية. الصراع فوق سورية هو بين معسكري روسيا والصين وإيران ضد معسكر الغرب والسعودية وقطر وتركيا، والغاية ضمان أن تكون سورية حليفًا استراتيجيًا؛ وبما أن الدول الكبرى، روسيا والصين والغرب، يتوافقون مع مصالح حلفائهم الإقليميين؛ وبما أن لا مصلحة لتركيا ولا لإيران ولا لدول الخليج في سورية مقسمة، فالدول الكبرى أيضًا لا تسعى لتقسيم سورية.

لكن، ولأن كلا المعسكرين أخطأ في حساباته حول سورية منذ عام 2011، ومن ثم؛ تصاعد الصراع إلى مستوى غير متوقع من أي طرف، فقد يكون الحل الذي سيرضي كل الأطراف في النهاية، تحت ضغط حكم الأمر الواقع، هو توزيع السيطرة بين هذين المعسكرين.

السؤال السابع: فما المشكلة إذا حذرنا وتنبهنا إلى تقسيم سورية؟

المشكلة تكمن في كيفية حماية مستقبل سورية. إن فهم الأسباب العميقة للصراع فوق وعلى سورية، ومصالح وغايات ووسائل كل معسكر، هو الخطوة الأساسية الأولى المطلوبة للوصول إلى حل، يضمن مستقبلًا أفضل لأطفال سورية، بعد عقد أو عقدين. أما الاكتفاء بجواب يخفف من ألم شعورنا بالهزيمة “من كثرة خوفهم من سورية يريدون تقسيمها”، فهو عملية خداع للذات ستضلّنا عن الطريق الصحيح الذي يقود إلى إنقاذ مستقبل سورية.

عندما يصبح مصير الوطن على المحك، فمن السذاجة أن تقودنا أفكار معلبة قديمة موروثة من عصر قادنا إلى حافة هذه الهاوية، هذه الأساطير وليدة عصر الانحطاط الديكتاتوري وخرافات القومجية والإسلاموية السياسية، ولو كانت صحيحة لما كانت سورية وأهلها يعانون كل هذا الألم والعذاب.

مقالات ذات صلة

إغلاق