مقالات الرأي

سورية بين أوباما وترامب

“يعجبني بوتين، إنه رجل ذكي…”؛ هكذا قال دونالد ترامب في أثناء المناظرة الثانية التي جمعته بمنافسته على رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، هيلاري كلينتون، (وكان سبب إعجابه به سياسته العسكرية في سورية). وبحسب ما سُرِّب عن الاتصال الهاتفي الذي جرى بينه وبين عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر، عشية سكناه في البيت الأبيض، قال ترامب للسيسي: إن بشار الأسد رجل شجاع في مقاومته للإرهاب، ولابد أن السيسي هتف للأسد قائلًا: بشرى سارة، فقد تلقيتَ للتو وسامًا على شجاعتك من رئيس أميركا الجديد. وفي إحدى تغريداته على تويتر، وصف ترامب إيران بالدولة الأولى للإرهاب في العالم، وانتقد بشدة الاتفاق الذي وقع عليه أوباما معها، مؤكدًا أنه سينسحب منه إن لم يُجرَ تعديل عميق عليه.

يبدو ترامب في صورته الإعلامية وكأنه يُصارع أوباما بقفازين حديديين، فقد اتهمه في جميع سياساته الداخلية والخارجية بالضعف والكذب، عادًّا -في سبيل المثال- أن قانون أوباما كير الذي أتاح لثلاثين مليون أميركي فقير إمكانية العلاج الصحي بأقل التكاليف، كارثة، والاتفاق مع إيران كارثة، لكن أوباما في الحقيقة لم يُظهر ردات فعل غاضبة على عصبية ترامب، بل اتخذ موقف رجل القانون الذي يُدافع عن نفسه، مستندًا إلى وقائع موثقة، وهو يطلب من خصمه دلائل ملموسة على ما يتهمه به من ضعف وكذب.

على العكس من ترامب، فقد جاء أوباما إلى البيت الأبيض حاملًا معه إصرارًا على الخروج من العراق وأفغانستان، وإغلاق سجن غوانتنامو المُستأجر من كوبا نهائيًا، ولم يكن يبحث عن أعداء جدد ليدمرهم (كما جاء في كتاب عقيدة أوباما)، وحرص حرصًا خاصًا على تجنب الوعود بانتصارات في نزاعات لا يرى فيها إمكانية للنصر، وكان يرى في منطقة الشرق الأوسط واديًا سحيقًا مقتطعًا من جهنم، وليس من الحكمة النزول إليه والخوض في غماره، وأنَّ أفضل ما يمكن للولايات المتحدة أن تفعله هو النأي بالنفس عنها والتحول نحو أوكرانيا وجزيرة القرم وشرق آسيا، حيث هناك -فحسب- تقبع مصالح أميركا، وكل ما يجب فعله للسوريين هو تقديم المساعدات الإنسانية للناجين من قصف الطائرات والمدافع.

أما ترامب، فقد بدأ يومياته في البيت الأبيض بالحديث عن رغبته في معاقبة إيران نبع الإرهاب، وبإقامة مناطق آمنة في سورية يلجأ إليه الفارون دون أن يضطروا إلى مغادرة بلادهم؛ ما يجمع عقيدتي الرئيسين هو التناقض والضبابية في مواقفهما من القضايا الكبرى التي تشغل العالم، وهي مواقف مُعلنة حيّرت المراقبين السياسيين، بل وقادة دول التحالف الغربي وأصدقاء أميركا في الشرق العربي، ففي الوقت الذي تفاعل فيه أوباما بقوة، بعد أيام من انتفاضة الشعب السوري على نظام الأسد، قائلًا: على الأسد أن يرحل، لم يُحرّك ساكنًا حيال المجازر التي ارتكبها الأسد ضد المتظاهرين السلميين في ستة أشهر من بداية الثورة، ما أفقده ثقة السوريين بتصريحاته التي بدت وكأنها نصيحة للأسد، وليست تهديدًا كما توهّموا، فاندفعوا أكثر للتضحية في سبيل حريتهم، يملؤهم الشعور بأن أميركا ستكون إلى جانبهم، كما أوحت خطابات أوباما وكلينتون وكيري بعدئذ.

لم يكن لأحد في مراكز البحوث السياسية والاستراتيجية في جادة ماسيتشوسيتس، حيث يقع كثير من تلك المراكز، ليتوقع أن يصل الحال بأوباما إلى حد التراجع عن خطه الأحمر الذي أعلنه عام 2012 بخصوص استخدام الأسد الأسلحة الكيماوية، لكنه تراجع فعلًا لولا أن بوتين الذي لم يكن يعلم بتراجعه أنقذ صدقية أميركا بتلك الصفقة التي تعهّد فيها الأسد بتسليم الأسلحة والمواد الكيماوية مقابل تفادي الضربة الأميركية.

باختصار شديد، فإن أوباما ترك السوريين لنظام الأسد وللإيرانيين والروس والميليشيات الطائفية العراقية واللبنانية، يذيقونهم ألوان العذاب والقتل والتهجير، مُتّخذا دور الكاهن الحزين الذي لا يُمانع في استقبال بضعة لاجئين في كنيسته المتواضعة. وعلى الطرف الآخر، تبدو صورة ترامب كما لو أنه يعتمر قبعة الكاوبوي، فيمنع حتى هؤلاء القلّة من اللاجئين السوريين الذين وافقت أميركا على استقبالهم من الوصول، بل ويُضيّق على القلائل الذين وصلوا، ويشكّ علنًا بأن بينهم “دواعش”، قائلًا: “لقد أصبح الدواعش بيننا”. وهو -أيضًا- من أصدر قرارًا تنفيذيًا يمنع السوريين من دخول أميركا لأي سبب كان (ذلك القرار أفشله القضاء الفيدرالي).

لا أحد استطاع -حتى الآن- حل المعادلة السياسية المعقدة التي ينتهجها الرئيس ترامب، لما تحمله من تناقض. فهو ضد إيران ويكره الأسد، كما صرح أكثر من مرة، وفي الوقت نفسه، يريد أن يتعاون مع الأسد وبوتين حليفي إيران. ويرى في الخليجيين نبع مال لابد من استغلاله، في الوقت الذي يعدّهم عالة على أميركا. وفي اللوحة التي تحوي صورة الكاهن وصورة الكاوبوي على خلفية الكرة الأرضية، لا يبدو للسوريين الطامحين إلى دولة الحرية والعدالة مكانًا في مجال نظريهما.

مقالات ذات صلة

إغلاق