تحقيقات وتقارير سياسية

هل اطمأن القادة العرب إلى فشل الثورات فأهملوا شعوبهم؟

المآلات التي انتهت إليها ثورات الربيع العربي، والنتائج التي ترتبت عليها دفعت بعضهم إلى القول: إن هذه الثورات خاتمة محاولات التغيير في عالم عربي تأبد فيه الاستبداد ونظُم الحكم الشمولي، بأنواعها، وأي محاولة لهز “استقراره”، قد يدفع إلى انفجار بلداننا من الداخل، ويهدد بتفتيتها، وقد يسبب التدخل الأجنبي الخارجي.

لا يجافي هذا الحكم منطق التاريخ وحسب، بل إنه قصير النظر وغير متبصر بالتفاعلات التي تجري داخل بقية بلدان العرب التي لم تصلها عواصف الثورات، أو حتى التي اجتاحتها، وفشلت في تحقيق غاياتها، وأهدافها. إن الاستقرار الظاهر في كثير من الدول العربية لا يعني أن مجتمعاتها تواكب العصر وقيمه، وتسير في اتجاه ترسيخ الحكم الرشيد، بكل معانيه وقيمه، كذلك لا يعني – على النقيض- الاستكانة والخنوع والقبول والرضا التامين بفساد واستبداد نظم تصارع في سبيل ديمومتها وبقائها.

ثمة تفاعلات عميقة وكثيرة غير مرئية، ولا يشار إليها بالأهمية التي تستحقها، وهي كلها تصب في خانة التراكم الذي سيدفع إلى إحداث تحولات تاريخية لاريب فيها، وبعض هذه البلدان سبقت دول ثورات الربيع العربي في انتفاضاته التي انتكست بفعل عوامل كثيرة وعديدة، ولعله كان مستغربًا أن انتفاضات نهاية 2010- 2011 لم تشمل بعض المجتمعات المتهيئة للانفجار والتغيير، واستكملت منذ زمن بعيد شروطها للثورات في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

صحيح أن ماحلّ ببعض بلدان الربيع العربي دفع بعضهم إلى  القول ليتها لم تكن، ودفع بآخرين لتفضيل السيئ على الأسوأ، إلا أن كل ذلك وغيره يتغافل عن قوانين التاريخ وحتمياته وقوانين الاجتماع السياسي التي لا مناص من مواجهتها، لأنه من الاستحالة تخطيها وتجاوزها، وعليه، فإن كل هذا المخاض العسير لن يمنع شعوبًا أخرى في بلدان تبدو هادئة ومستقرة، من أن تضربها (الثورات) بطريقتها الخاصة وبأسلوبها التي تتحكم به سيرورتها وآلياتها؛ وفقًا لطبيعة تطورها، وبنية نظمها.

تستطيع بعض الدول أن تفاخر وتتباهى باستقرارها بحكم هامش الحريات المعطى ومستويات الدخل والمعيشة، وحتى سعادة شعوبها، ولكن ذلك لا يعني أن شعوب هذه البلدان “تأدبت” وتلقت درسًا قاسيًا علّمها الاستكانة والقبول بما يُلقى إليها من فتات وهبات، بل على العكس، فدراسة حال كل بلد بمفرده سيكشف عن حجم العوامل التي تتجمع لتطيح بما يبدو ظاهرًا أنه استقرار وسكون. ومقولة لا تغيير في بلدان العرب بعد موجة ثورات الربيع العربي الفاشلة أو المأزومة، هي ذاتها مقولات وثقافة ما قبل انتفاضات 2010- 2011 التي كانت تنحو للقبول بالواقع وعدم التجرؤ على هزّ أركانه وأساساته.

بدت المنطقة العربية في العقد الأخير من القرن الماضي الذي سقطت فيه منظومة الدول الشيوعية، عصية على التغيير ومعزولة عن تيارات الحداثة العالمية، ولكن كل ذلك كان جزءًا من قراءات مغلوطة، وفهم سطحي لبنية هذه المجتمعات والفرد فيها، إضافة إلى عوامل بينية لم يجرئ رصدها رصدًا صحيحًا، واستخلاص نتائجها استخلاصًا علميًا دقيقًا.

التغيير حتمي، قد يتأخر، ولكن لا يمكن منعه أو الوقوف في وجهه مهما أقيم من حيطان السد والمنع، بل على العكس، فالعوائق هي ذاتها مسوغات كافية للتمرد عليها وتغييرها.

انفجار ثورات الربيع العربي كان حتميًا في بعض البلدان العربية لأنه يستهدف تغيير بنيات تاريخية، ومجتمعات قامت على الغلبة والقهر، وثقافة دعمت الاستبداد وشرَّعته، ونظُم وظيفية في نظام عالمي متحكم ومهيمن، ولأن الخصائص العامة للنظم والمجتمعات العربية، مشتركة ومتطابقة، يصبح القول بنهاية الثورات والانتقاضات العربية قولًا مغلوطًا وإفتئاتًا على الواقع والحقائق والتاريخ.

فشل النظام الرسمي العربي بإحداث أي تحول في بنية مجتمعاته طوال المراحل التي تلت “الاستقلال”، بل إن هذا النظام كرّس صيغًا وآليات أجهضت فرصًا حقيقية، ومشروعات جادة لتحقيق انتقال يضع الشعوب والبلدان على سكة التاريخ العالمي.

من المؤسف أن جدول أعمال القمة العربية الجديدة في دورتها 28 التي ستعقد في عمان/ الأردن يوم 29 آذار/مارس، يكتفي بالتركيز على بعض المسائل السياسية، ويخلو من أي بند تعكس اهتمام القادة بمعالجة حزمة من القضايا الجوهرية والاستراتيجية التي تتعلق بحياة الشعوب اليومية، كخطط التنمية ومعدلات النمو، ومكافحة الجوع والبطالة والأمية أو توسيع المشاركة الديمقراطية للشعوب، مع أن معالجة هذه القضايا معالجة مسبّقة هي ما يُمكّنهم من تفادي غضبات جماهيرهم المقبلة لامحالة.

ثورات الشعوب العربية قد تخمد وتتأجل، ولكن ككل شعوب المعمورة لن تنتهي، أو تطوى صفحاتها إلى غير رجعة، فالعرب أمة حية، ولا بد أن تثور من أجل تحسين شروط حياتها ونيل حرياتها، ومهما كانت المصاعب فلا بد أن تجد طريقها نحو الحرية والكرامة، سلمًا أو عنفًا كما حدث ويحدث في السنوات الست الأخيرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق