هموم ثقافية

الحرّية المُستعادة في فضائها الجديد

عرف التاريخ محاولات فرض الرقابة منذ أقدم العصور، وكانت الإمبراطورية الرومانية هي مَنْ أنشأ وظيفة “الرقيب” منتصف القرن الخامس قبل الميلاد. لكن هذه الوظيفة كانت تستهدف الأخلاق سلوكًا وامتثالًا، كما تراها سلطة الحاكم في ذلك الحين. فهي التي أدت في القرن الرابع قبل الميلاد إلى الحكم على سقراط بالموت، بتهمة تحريضه الشباب على الفساد. إضافة إلى أنها هي التي حملت -كما يقال- يوريبيدس، الكاتب التراجيدي، على الدفاع عن حرية التعبير في العصر نفسه.

على أن الأديان التوحيدية اعتمدت -منذ بداياتها- مفهوم الرقابة؛ كي تستخدمه أولًا، من أجل تحريم كل كلام أو سلوك يتناول إله البشر؛ فقد جاء في التوراة، أنه إذا شتم الرجل إلهه، عليه أن يحمل وزن أو وزر خطيئته.

على أن ابتكار المطبعة في النصف الأول من القرن الخامس عشر، ثم انتشارها وتعميم استخدامها في العالم، كان في الواقع حدثًا فاصلًا في تاريخ الأمم التي تمكنت -على التوالي- من اعتمادها أداة حاسمة في نقل المعارف والمعلومات. ولا شك في أنها حملت منذ البداية أصحاب السلطة المطلقة -باسم إله متعالٍ، أو باسم كنيسة تمثله عبر كهنتها، أو باسم سلطة القوة والهيمنة التي كان يجسدها الأباطرة أو الملوك بمعزل عن الكنيسة- على التفكير بمختلف الوسائل التي يحدّون فيها من آثار هذا الحَدَث على سلطاتهم. ذلك ما أدى بالتدريج إلى إعادة تعريف وتقنين مفهوم الرقابة التي سرعان ما صارت -منذئذ- مؤسسة قائمة بذاتها، وعابرة للأنظمة وللأزمنة وللقوميات.

هكذا، توالت قرارات ومراسيم الرقابة ابتداءً من النصف الأول من القرن السادس عشر، بدءًا بهنري الثامن، ملك إنكلترا ورئيس كنيستها، عام 1534، الذي أخضع طباعة أي كتاب لموافقة مسبَّقة يمنحها مستشاره الخاص، ثمَّ إليزابيت الأولى التي أخضعت عرض أي مسرحية لموافقة رقيب خاص، مرورًا بملوك فرنسا وآخرهم، قبل الثورة الفرنسية، لويس السادس عشر الذي أخضع الكتب والصحف لقراءة وموافقة مسبّقة قبل نشرها، يقوم بها يوميًا مئة وستون قارئًا محترفًا تحت طائلة المصادرة، كما صودرت كتب جان جاك روسو والأب رينال، أو السجن، كما حدث لفولتير عام 1717، ثم بـ “إعلان حقوق الإنسان والمواطن” الذي أعلنته الثورة الفرنسية في 26 آب/ أغسطس 1789، ونصَّ خصوصًا في المادة العاشرة: “لا يجوز التعرض لأحد بسبب ما يبديه من الآراء حتى الدينية منها، شريطة  أن لا يخلّ التعبير عنها بالنظام العام المحدد بالقانون”، وفي المادة الحادية عشرة أن “حرية نشر الأفكار والآراء حق من أثمن حقوق الإنسان. فكل مواطن يستطيع أن يتكلم ويكتب وينشر بحرية، على أن يتحمل مسؤولية تجاوز هذه الحرية في الحالات التي نصَّ القانون عليها.”، وانتهاء بنابليون بونابرت الذي انتهك -صراحة- إعلان الثورة الفرنسية حين أسّس وقنّن الرقابة الحديثة عام 1810، وكانت تستهدف -بوجه خاص- ما يكتب في الصحف وما يُنشرُ فيها من رسوم.

ستنتهي الرقابة -على هذا النحو- في الدول الغربية، بنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حين صدر قانون حرية الصحافة عام 1881 الذي عهد بأمر رقابة المعلومات بعد نشرها إلى القضاء وحده. لكن النظم الاستبدادية في المشرق العربي، ولا سيما العسكرية منها، تلقفت مفهوم الرقابة النابليوني هذا وطورته توسيعًا وتقنينًا وتطبيقًا خارج حدود القضاء أو القانون. وكان أكثر هذه النظم خبثًا ونفاقًا النظام الأسدي الذي أعلن على لسان رئيسه منذ عام 1970، أن “لا رقابة على حرية الفكر إلا رقابة الضمير”، كي يكتشف السوريون بسرعة أن هذا “الضمير” كان يتجسد في مختلف الفروع الأمنية المركزية الستة عشر المنتشرة فروعها في طول البلاد وعرضها.

وإذا كان على العربي عمومًا، تحت وطأة نظام بلده الاستبدادي، وعلى السوري خصوصًا، وهو يعيش طوال أكثر من أربعين عامًا، مهدَّدًا بقمع وبإرهاب النظام الأسدي، ألا يقرأ أو يعلم إلا ما يريد النظام له أن يقرأ أو يعلم، فقد أمكنهما، بفضل التطور التقني في مجال الرقميات، أن يكسرا هذه الرقابة شيئًا فشيئًا، وعلى قدْر تقدُّمِ ناشري الصحف ودور نشر الكتب، في اعتماد الشبكات العنكبوتية، من أجل بث وإيصال صحفهم ومنشوراتهم إلى أرجاء العالم كلها بلا استثناء. لا شكَّ في أن أنظمة بعض البلدان تواصل السير على هدي الرقابة التقليدية، بإغلاقها على مواطنيها خط الوصول إلى هذه الصحيفة أو تلك. لكن طرق الالتفاف التي باتت تحت تصرف المواطن، أيِّ مواطن، باتت، في تعددها وفاعليتها، قادرة على كسر محاولات الرقابة الرسمية التي فقدت القدرة -أخيرًا- على الهيمنة المطلقة.

لن تحتاج الصحيفة ولا الكتاب أيضًا، من الآن فصاعدًا، إلى البريد، ولا إلى الجمارك، كي يصلا إلى القارئ. ولن تستطيع النظم الوقوف في وجه ذلك ما لم تغلِق الشبكات العنكبوتية كلها، أو تتخلى عن الكهرباء في بلادها. تلك هي الصفعة الكبرى التي تلقتها هذه النظم التي تحاول بكل الوسائل الاستمرار في الحياة بأي ثمن.

في هذا الجوّ من الحرية المستعادة بفضل الثورة الرقمية الجديدة (على كلِّ ما يمكن أن يوجّه إلى مثالبها وعيوبها من نقد)، لم تعد حرية الاجتماع والكلام وتبادل الآراء خاضعة لهذا المكتب الأمني أو ذاك، وفي كل بقعة -أيضًا- من بقاع العالم. صار بالوسع اليوم -بفضل كثير من التطبيقات ذات الإمكانات المختلفة- استعادة عمل ووظائف المنتديات الثقافية على اختلاف مشاربها وتطلعاتها، مع فارق لا يستهان به، وهو أن جمهورها لن يكون محصورًا بالعشرات أو بالمئات، بل سيتجاوزه إلى الآلاف، فضلًا عن بقاء مضمون هذا النشاط، محاضرة أو حوارًا أو ندوة، متاحًا للجميع مجانًا في كل مكان وزمان.

تلك، على سبيل المثال، تجربة المقهى الثقافي، التي مضى عليها اليوم أكثر من ثلاثة أشهر، وكنتُ أستعيد بها تجربة المقهى الأدبي التي قمتُ بها بين عامي 1997 و2012 في معهد العالم العربي بباريس. فخلال ما يزيد على ستمئة حلقة أسبوعية كل يوم أربعاء، بلغ عدد المشاركين في تلك الحلقات ما لا يقل عن ثلاثين ألف شخص، أي بمعدل خمسين شخصًا في كل حلقة. في حين بلغ عدد متابعي الحلقات العشر الأولى التي نظمت في إطار المقهى الثقافي الجديد نيفًا وثمانية آلاف وخمسمئة شخص، أي بمعدل 850 شخصًا في كل حلقة وسطيًا.

لكن، في ما وراء الأرقام التي لا يمكن -بالطبع- إهمال دلالاتها، هناك ما هو أهم أيضًا: تلك الحرية المُستعادة ضمن فضاء لا يسكنه سواها، بعد أن جُرِّدَت من كل شيء، أي: من كل ضروب التبعيات، سياسية كانت أم مالية أم إدارية.

ولا حرية في المجال الثقافي، بكل تأكيد، دون الخلاص من تبعيات باتت الثورة الرقيمة تتيح تحقيقه في كل حال.

مقالات ذات صلة

إغلاق