مقالات الرأي

حروب الآخرين على الأرض السوريّة

تبدو المفاوضات، وكذلك الحروب المشتعلة على الأرض السورية، وكأنّها تجري بين سوريّين. هي مفاوضاتٌ وحروبٌ دوليٌة وإقليميٌة للأطرافِ السوريّة وغير السوريّة؛ ما يجعلها تتأجّج تِباعًا، وتندلع هنا وهناك، من درعا إلى ريف حماه إلى دمشق إلى القلمون إلى ريف حلب، إنها مصالح الآخرين، وليس في ذلك أيّ مصلحةٍ حقيقيّةٍ لأكثريّة الشعب السوري. نستثني النظام والفصائل التي تخوض الحروب؛ فعلى الرغم من أنّها أدوات، إلا أنها ستستفيد مما سيوكل إليها في مستقبل الأيام.

ما يجعل هذه الحروب مستمرة، وهو ما بات معروفًا، غياب التوافق الأميركي- الروسي على كيفية السيطرة على سورية، وطبعًا كيفية الهيمنة على العالم. إن غياب البعد الوطنيّ وتغليب البعد السياسوي والفئوي عن رؤية النظام والمعارضة، وانطلاقًا من 2011 وإلى الآن، وسيطرة هذه الأطراف على الصراع في سورية، هو ما سهّل -ويُسهل- التدخل الإقليميّ، والحروب على الأرض السوريّة.

جولاتُ التفاوض الفاشلة، وتفاهة جولات أستانا المتكرّرة، تقول بأنْ لا حل سيشترك فيه السوريون، وأنّ الإطالة الزمنية ما هي إلا لتصفيةِ أي قوةٍ تمتلكها الأطراف السوريّة، وإلحاقها كليًا بالخارج، كما الحال مع إلحاق بعض الفصائل بتركيا، وأخرى بأميركا، وثالثة بروسيا وهكذا؛ لتكون النتيجة صناعة أدوات سياسية (أمراء حرب) لا استقلال لها، وتابعة تبعية كاملة، وتُؤمرُ فتُطيع، وهذا ما يعني إنهاء النظام، وكذلك المعارضة، وأيّ أثرٍ للثورة، وكل ما حملته من أهدافٍ كبرى في تغييرٍ النظام القائم وتشكيل نظامٍ يُحققُ مصالح الشعب في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، والنهوض بسورية.

بدت معركة درعا الأخيرة وكأنّها توشك على إخراج المدينة كليّة من سيطرة النظام، ولكنها توقفت حينما بدا أنها قادرة على ذلك، وربما لم تقبل إسرائيل بذلك، فكان الضغط من أجل إغلاقها، ولكنها حقّقت إضعافًا للنظام وسلّحت كلًا من فصائل الجبهة الجنوبية و”داعش”، وبما يؤدي إلى معارك مقبلة ستُدمّر درعا؛ نخشى ذلك.

قبل الجولة الخامسة للتفاوض، فجأة شنّت فصائل إسلاميّة وجهاديّة معركةً شرسة في ريف دمشق الشرقي، في جوبر والقابون وبرزة، وكانت ردًا على محاولات النظام الاستيلاء على القابون، وقطع أي صلة بين برزة والقابون وحي تشرين والغوطة، ومن ثم؛ الاستعداد لشن حملة عسكرية عنيفة ضد الغوطة الشرقية، وذلك؛ لإنهاء خروجها من سيطرة النظام؛ كونها المنطقة الوحيدة التي ما زالت في محيط دمشق خارج سيطرة النظام. الحجر الأسود ومخيم اليرموك وبقية بلدات المنطقة الجنوبيّة لا تشكّل أي خطورة، فهي متروكة لأسبابٍ متعلقة بالنظام، وليس لأنّه غير قادر على استعادتها. معركة شرقي دمشق هذه لم تنتهِ بعد، ولكنها أوضحت هشاشة النظام حينما تكون المعارك قويّة ضده ومخططًا لها، لوحظ غياب الروس عن المشاركة فيها، وكذلك جيش الإسلام! الأهم: أوضحت المعارك أن الغوطة -الآن- ليست في مرحلة قدوم الباصات الخضراء لإجلاء فصائلها، ولكنها أيضًا تنذر بحربٍ داخليّة بين الفصائل، وستكون بين الفصائل المشاركة في معركة دمشق وبين جيش الإسلام.

المعارك المندلعة في ريف حماه ودمشق تشترك فيها أيضًا جبهة فتح الشام، وهي تريد بذلك إرباك الفصائل (أحرار الشام وجيش الإسلام بصفة خاصة) المُشتركة بمفاوضات أستانا وجنيف، وإظهارها تابعة للروس، ومن ثم؛ ليست معادية للنظام. القيام بهذه الحروب، على الرغم من عدم التزام النظام بوقف إطلاق النار، وعدم ضغط الروس من أجل ذلك، وخوفًا من التهجير المقبل، فإن تلك المعارك يرادُ توظيفها لمصلحة فتح الشام، وتخوين بقية الفصائل، ومن ثم؛ استغلال المظالم التي تقع على رأس الشعب، واستعادة الشعبية المفقودة لها؛ هذا ما لا يجوز إغفاله حين نناقش المعارك الجديدة.

هل تُقوّي المعارك هذه، إضافة إلى معركة درعا، ودحر “داعش” في القلمون الشرقي، مواقف المعارضة في جنيف؟ ربما، ولكن ما سيقويها فعلًا، هو رفض اشتراك أطراف أخرى غير هيئة التفاوض في المفاوضات، أي: منصات حميميم وموسكو والقاهرة، وكذلك رفضها أن يكون بند محاربة الإرهاب من البنود الأولى في النقاش وتركيزها على الانتقال السياسي عدّه الأساس. طبعًا سيحاجج النظام بأن فتح الشام لها دورٌ كبيرٌ في معارك شرقي دمشق وريف حماه، ولكنها محاججة ضعيفة، على الرغم من صحتها، فقد أظهرت نتائج المعارك كم أن النظامَ ضعيفٌ.

الفصائل المشاركة بالمفاوضات ليست مستقلة في قراراتها، ولن تتمكن من رفض ما سيفرض على السوريين في جنيف، فهي خاضعة لسيطرة الأتراك والأميركيين والسعوديين. هنا تتعاظم مشكلاتنا، فمن يفاوض من الطرفين (النظام والمعارضة) لا يخدم قضية سورية، بل يخدم مصالح إقليمية ودولية.

أن تستمر الحروب على الأرض السوريّة يعني تدمير البنيّة التحتيّة السورية بالكامل، وتدميرها قوّةً عسكريّة في المنطقة، وتهجير أغلبية الفئات القادرة على استنهاض المجتمع والاقتصاد والتعليم والثقافة، بل والسياسة أيضًا. إن تبعيّة الطرفين السوريين المتفاوضين وخضوعهما لمصالح الخارج سيمنع أي حل سياسي، طالما ليس هناك توافقٌ دوليُّ وإقليميٌّ.

ما استجد وأبعدَ إمكانية الحل السياسي، أو لنقل تفاوضًا يؤدي إليه، هي العودة الأميركية إلى المنطقة، فأميركا تعزّز وجودها في سورية وتُحارب في العراق، وتدعم حزبًا “كرديّا” مُنافسًا للعرب والأكراد والأتراك، وهذا سيحوّله إلى مشكلة مستقبليّة في كل من تركيا والعراق وسورية، وهو بذلك يُشبه “داعش” تمامًا؛ إيران -أيضًا- وبسبب مصالحها الكبرى في سورية، فإنّها ترفض تقليص حضورها ما لم تضمن مصالحها تلك، فضلًا عن تصريحات قادة إيرانيين ملفتة للبحث، وتقول إن خسارتها لسورية تشكّل خطرًا على استمرار النظام في طهران، وربما القصد هنا: إن تقليم أصابع طهران في سورية سيستتبع -بالضرورة- قصها في لبنان، وأيضًا في العراق، ولا سيما أنّ هناك تحجيمًا كبيرًا لها في اليمن؛ إذن، تلعب أميركا وإيران دورًا تعطيليًّا في الوصول إلى الحل.

يمكن القول: إن سورية باتت ساحةً لإعادة فرض الهيمنة على العالم بالوكالة بين روسيا وأميركا، وهي ساحةُ حربٍ بين أطرافٍ إقليميّة فاعلة، كإيران وتركيا وإسرائيل والسعودية. السوريون خارج المشهد كما يبدو، وإن كانت المسرحيّة تُعرض على أرضهم، وبممثلين أغلبيتُهم سوريون.

مقالات ذات صلة

إغلاق