سورية الآن

معركة تكسر الأوهام

تكسر معارك جوبر والقابون في دمشق سياقاً انحدارياً لقوى المعارضة كانت واقعة شرق حلب أبرز تجلياته. مثلما تكسر مدوّنة أوهام الثنائي الإيراني – الأسدي، بإمكان الحسم عسكرياً، أو وضع شروط لما يُسمّى «الحل السياسي» تناسب بقايا السلطة وتسمح لها بالاستمرار في الادعاء أن الدنيا بألف خير! وأن ما جرى في سوريا على مدى السنوات الست الماضيات لم يكن أكثر من دربكة عصابات إرهابية موبوءة!
بل لا مبالغة في الافتراض، بأنّ المعركة الدمشقية الراهنة، المفاجئة والصاخبة، تُعيد في السياسة والمعنويات، قبل الميدان، لجم الاستطرادات التي فاحت من جنبات المحور الأسدي – الإيراني، وصولاً الى إطلاق أحد أبرز رموزه (من بيروت) صيحات الانتصار الذي لم يعد يحتاج في رأيه سوى الى «بعض التفاصيل» الإضافية كي يكتمل!

وفي ذلك تضمر التفاصيل وتحضر العناوين، وتحضر معها بديهيات دأب أهل النكران على نكرانها. وأساسها استحالة إنزال المثال الإسباني الفرانكوي على الأسد وطهران وملحقاتهما المذهبية. أي استحالة تحقيق حسم يعيد إنتاج النظام أو تأهيله أو بقاءه، بما يعني تظهير معطى انكساري كاسح يطال الأكثرية العربية السورية، والأكثرية العربية الإسلامية ويجعل «القضية السورية» وريثة شرعية لـِ«القضية الفلسطينية» الموؤودة.. وبما يرسّخ النفوذ الإيراني في لحظة البحث (الجدّي) عن أفضل سبل كسره وتحطيمه!

أهمية المعركة الدمشقية أيضاً، أنها تؤشر، الى إنكسار نظرية الفصل بين القوى المعارضة، وتراجع التوصيف التعليبي الجاهز للجماعات المتهمة بالإرهاب، خارج السردية الداعشية المعروفة! بحيث أن «الحرب مستمرة» ومسبباتها قائمة. وهذه تلحظ فعلياً، أنّ «الإرهاب» معطى مزدوج و«أصيل» عند السلطة الأسدية والقوى الإيرانية الهوى والأهواء والرعاية والانتماء، بقدر ما هو وصفة جاهزة لبعض الجماعات المنسلّة من «القاعدة» وطلاسمها الكثيرة!

ولكثيرين أن يضعوا حدوداً محلية لقرار إعادة فتح المعركة في دمشق، لكن ذلك لا يتناسب ويتناسق مع منطق النزاع الراهن، ولا مع مستجدات السياسة الأميركية! ولا أيضاً، مع حسابات القوى الإقليمية الداعمة لحل «طبيعي» ينهي التركيبة الأسدية ولا يبقيها! ويحافظ في الوقت نفسه، على مقوّمات النظام المؤسساتية بما يمنع تكرار المثال العراقي في سوريا.. مثلما يمنع الصوملة في منطقة تختصر اليوم معظم النزاعات الدولية الحديثة، عدا عن اختزانها جزءاً أساسياً من ثروات الطاقة النفطية والغازية ومشتقاتها.

لن تنتج هذه المعركة ما يكسر الموازين القائمة، لكنها تكسر وهم قدرة أي طرف على تخطيها أو تجاهلها أو محاولة القفز فوقها… أو الاستطراد في انتهاز «فرصة» الحرب على الإرهاب، على الطريقة التي سرت وانتشرت إبان رئاسة باراك أوباما!

معركة صغيرة بدلالات كبيرة.

(*) كاتب لبناني

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق