ترجمات

في الشمال السوري من الانقسام إلى الانهيار

من النادر أن تكون تلك المعارك دامية، بل هي بالأحرى اشتباكات يتلوها، سريعًا، انسحابات. تعاقب حدوث ذلك النوع من العمليات منذ بداية العام في شمال سورية، وبدأت جماعات الجيش السوري الحر الأكثر اعتدالًا، تلك التي استلمت الأسلحة والأموال من الولايات المتحدة والدول العربية خلال السنوات الأخيرة، تُطردُ رويدًا رويدًا من محافظة إدلب من قِبل الجهاديين.

تضاف تلك السلسلة من الهزائم إلى الهزيمة الكبرى المتجلية بخسارة الجزء الشرقي من حلب في شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وبعد خمس سنوات من الحرب، وقع ثوار الجيش السوري الحر، والذين كانوا أول من قاد الصراع المسلح ضد نظام بشار الأسد، في خطر الاختفاء من الشمال السوري، وعن هذا يقول عز الدين سالم، مستشار سياسي لـ”فاستقم” أحد تشكيلات الجيش السوري الحر: “تتزايد وتيرة ذهاب المقاتلين إلى تركيا، أو انضمامهم إلى مجموعات أخرى أكثر راديكالية.”

الانسحاب من القتال

تمتلك محافظة إدلب، الواقعة في الشمال الغربي، كل المؤهلات التي تجعلها الهدف التالي لقوات النظام السوري بعد تمكنها من السيطرة على الشطر الشرقي لحلب؛ حيث تعتبر تلك المنطقة، الريفية والمحافِظة، منذ نهاية عام 2011 مقرًا للثورة، بداية للثوار المحليين ومن ثم للجماعات الإسلامية والجهادية التي أسست لنهسها موطئ قدم هناك. كما تستضيف المحافظة أيضًا مئات الآلاف من المدنيين الذين هربوا من المعارك، ومن بينهم سكان ومقاتلون من حلب تمّ إخلاؤهم في شهر كانون الأول/ ديسمبر. ولكن على الرغم من كون الطائرات السورية والروسية تقصف بانتظام وعلى نطاق واسع أهدافًا مدنية، كمشاف وأسواق، إلا أنه لم يتم إطلاق أي هجوم ذي أهمية حتى الآن. وفي هذا الصدد يلاحظ أسامة شربجي، مدير منظمة غير حكومية سورية، والعائد من إدلب: “إن النظام في حالة ترقب، فالوقت في صالحه. هو يراقب الجماعات تتقاتل مع بعضها البعض.”كما أضاف دبلوماسي تركي قائلًا: “إن لم يتم عكس اتجاه سير الأمور، فستمضي المحافظة تجاه التطرف، ولن يبقى فيها إلا الجهاديين. وهذا جلّ ما يريده النظام وروسيا؛ حيث سيدعم ذلك، استدلاليًا، صدقية خطابهم.”   

اشتعلت أكثر المواجهات حسمًا في منتصف شهر كانون الثاني/ شباط، وجمعت بين جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقًا، الفرع السوري للقاعدة) ضد عدد من فصائل الجيش الحر التي كانت تنسحب من القتال عوضًا عن خوضها معارك بطولية. وبالتوازي مع ذلك، كانت تتم عملية إعادة تنظيم الثورة من جديد؛ حيث انفجر تحالف الأغلبية إلى ذلك الوقت في المحافظة: جيش الفتح، وشهد يوم 28 كانون الثاني/ يناير ولادة تحالف جديد: هيئة تحرير الشام التي جمعت الأطراف الأكثر راديكالية، ومن بينها جبهة فتح الشام. كان الهدف وراء ذلك التحالف، وفقًا لمديريه، هو تجنب إستعادة النظام للسيطرة على إدلب كما حدث في حلب، ولكنه كان بشكل خاص جوابًا على المفاوضات التي تنظمها روسيا في أستانا، عاصمة كازاخستان، والتي شارك بها العديد من فصائل الجيش السوري الحر، حيث قال طارق متحسرًا، وهو القائد في نور الدين الزنكي الجماعة الإسلامية الداخلة في التحالف الجديد: “لم يدعو إلا مجموعات صغيرة لا تمتلك أية قوة على الأرض، كيف بإمكانهم ادعاء تقرير مستقبل سورية من دون أن يتحدثوا معنا؟ بكل الأحوال، لا تفضي هكذا اجتماعات إلى شيء، كما أن النظام لا يحترم أبدًا اتفاقات وقف إطلاق النار التي يعلنونها.”

انقسم سلفيو أحرار الشام، وهم الأكثر قوة في المنطقة؛ إبّان تلك المبادرة الجهادية، حيث رفضت أغلبية منهم الالتحاق بهيئة تحرير الشام، بينما قبل بعضهم ذلك ومن بينهم أبو جابر، أحد قادة أحرار الشام الرئيسيين، والذي ترأس الهيئة. وفي ذلك الخصوص يقول أسامة شربجي: “لقد كانت خطوة ذكية جدًا من طرفهم تسمية ذلك الشخص على رأس الهيئة؛ حيث سيؤدي ذلك إلى شلل أحرار الشام التي لن تعادي قائدها السابق.”  كما انقسم ثوار الجيش السوري الحر أيضًا؛ نتيجة لضعفهم العسكري وعزلتهم، حيث أعلن بعضهم انضمامهم إلى أحرار الشام، الوحيدين القادرين على مواجهة الجهاديين، وقرر بعضهم الآخر تقرير مصيرهم بأنفسهم.

صد الأكراد

يتركز، من الآن، ما بقي من جماعات الجيش السوري الحر في الشمال السوري، في المنطقة التي تحاذي الحدود التركية بين مدن اعزاز وجرابلس. تحاول تلك الجماعات الاتحاد من جديد، الأمر الذي لم تنجح في إنجازه خلال خمس سنوات. لقد تم اختيار الاسم: “جبهة الشمال”، اقتداء بـ”جبهة الجنوب” الموجودة في منطقة درعا، وعن ذلك يقول ملهم عقيدي، أحد قادة فيلق الشام شارحًا: “هذة المرة لم يعد أمامنا أي خيار، فإما أن ننجح في الاتفاق وفي تبني تشكيل قيادي عسكري وسياسي موحد، وإمّا أن نختفي.”

في الوقت الحالي، قامت معظم الجماعات بإرسال حزء من رجالها للقتال بجانب الجيش التركي في عمليته “درع الفرات”، لم يكن أمامهم أي خيار آخر، حيث فرضت أنقرة عليهم ذلك في ظل تهديدها بإغلاق الحدود. كان للأتراك هدفًا مزدوجًا من ذلك: إبعاد الدولة الإسلامية عن الحدود، والتصدي للطموحات التركية؛ حيث كان مقاتلو وحدات الحماية الشعبية (YPG)، المرتبطون بحزب العمال الكردستاني (PKK) الناشط في تركيا، في تلك الفترة بصدد السيطرة على مركز جرابلس الحدودي ومن ثم التقدم باتجاه الغرب، ليستطيعوا من بعدها توحيد الأراضي حتى عفرين الواقعة شمال حلب. لكن تلك الفرضية لم تكن مُحتملة من جانب أنقرة التي تعتبر في حالة حرب مع حزب العمال الكردستاني منذ ما يزيد عن الثلاثين عامًا.

اعتُبرت عملة درع الفرات، من وجهة نظر تركية، ناجحة على الأقل جزئيًا؛ حيث لم يتمكن الأكراد من السيطرة على جرابلس، وتراجعوا باتجاه الفرات؛ أما بالنسبة للدولة الإسلامية، فقد خسرت معقلها في الباب بعد أكثر من ثلاثة أشهر من المعارك التي قتلت 69 جندي تركي إضافةً إلى مئات الثوار السوريين. لقد خلقت تركيا، في الواقع، منطقة أمان على طول حدودها الممتدة على مسافة 850 كم، بين اعزاز وجرابلس والباب، وما كانت تلك الانتصارات ممكنة التحقق من دون مقاتلي الجيش الحر، الذين يدعمون أيضًا الصراع ضد الدولة الإسلامية، والمقاتلين الأكراد المتهمين بتحالفهم مع النظام، ولكن أولئك المقاتلين لم يتحكموا بسير الأمور، حيث قال عز الدين سالم: “نجتمع مع المسؤولين الأتراك، نناقشهم ونقترح خيارات، ولكن في نهاية الأمر، إنهم الأتراك من يقررون ويصدرون الأوامر.”

 

اسم المقالة الأصلي Au Nord, de la division à l’implosion
الكاتب لوك ماتيو، المبعوث الخاص إلى عينتاب.

Luc Mathieu.

مكان وتاريخ النشر جريدة الليبراسيون، 20/03/2017
رابط المقالة http://www.liberation.fr

/planete/2017/03/20/au-nord-de-la-division-a-l-implosion_1557129

ترجمة أنس عيسى

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق