أدب وفنون

أغستين بورّاس.. صالة الانتظار التي تنتظر فيها نفسك

في “صالة الانتظار” Sala de esperar، المجموعة الشعرية الرابعة للشاعر الإسباني، أغستين بورّاس “Agustin Porras” 2016، ترجمها إلى العربية الشاعر المصري الشفاف “أحمد اليماني”، المقيم في إسبانيا، يشعر القارئ أنه يجلس فعلًا في صالة انتظارٍ بعيدة، لكنها صالة من نوع آخر، فهي صالة ينتظر الجالس فيها دوره في الدخول إلى القصائد التي ستجس كل حواسه، وتعيده إلى أمكنةٍ عميقةٍ في الداخل الإنساني، للتعرف إلى نفسه من جديد، فتلك المقاطع الصغيرة ستعيد إلى قارئها جميع أسئلة الوجود وقلقه، ولكن بطريقة مختلفة عن المعروف، ستعيدها وكأنها تشرّح له جثة مدفونة في الكاتب وفي القارئ منذ زمن بعيد:

طوال حياتي

كنت أحلم ببيت في قرية صغيرة

وأن يكون للبيت حديقة صغيرة أيضًا

وفيها على الأقل شجرة واحدة

لكن

ومع مرور كل تلك السنوات

يتملكني قلق عميق

أن تلك الشجرة هي بالتحديد

شجرة السرو الوحيدة

التي تطل على المقبرة.

 

أغستين بورّاس شاعر إسباني، ذهب مع الشعر طوال حياته الممتدة على مساحة ستين عامًا، في رحلات شائكة مليئة بالمخاطر، ليقتحم الأماكن المظلمة، ويُخرج كل خفافيشها إلى الضوء. أصدر عددًا من المجموعات الشعرية، كمجموعة “ليت” 2006، ومجموعة “الذبابة البيكرية” 2009، (سمّاها بهذا الاسم نسبة إلى الشاعر الإسباني “جوستاف أدلفو بيكر”)، الذي تأثر به تأثرًا كبيرًا، وألّف له -أيضًا- “ترجمة حياة صغيرة”، إضافة إلى مجموعة “أغان إلى حياة عرابي”، كتبها تكريمًا لـ “أنخل جيندا”.

إضافة إلى نتاجه الأدبي هذا، أمضى أغستين بورّاس سنواتٍ طويلةً مديرًا لعدة مجلات شعرية، مثل مجلة “شعر” الإسبانية، ومجلة “الحجر الأول”، ودورية الشعر التي حملت اسم “الخاتم الـ لا مرئي”، إلى أن وصل اليوم إلى إدارة مجلة “الإنبيق” المعروفة والمقروءة واسعًا في إسبانيا. ولم تكن كل تلك المجلات تروي شغف بورّاس الذي درس علم النفس في جامعة مدريد، وحصل على درجة الماجستير فيها، لذا؛ فقد كان يذهب إلى ترجمة الشعر، الذي يسكنه، من اللغات الأخرى، وخاصة الفرنسية التي يجيدها، وهذا ما جعله يترجم أعمال الشاعر الفرنسي “ادوارد دي لا يوليه”.

ومع كل ذلك، لم يشفَ من الشعر، ولا من قلقه الشهي، ولا يريد لقارئه أن يشفى بدوره، فكل ما يريده هو أن يجعل القارئ يجلس في صالة الانتظار هذه، وأن يذهب معه إلى غابات التساؤل، وأن يعود به بعدئذ إلى نفسه سالمًا من الجمود والبلادة، سالمًا تمامًا من فكرة المطلق:

دائمًا

تتعلم في هذه الحياة

ودون أن تكون تلميذًا مجتهدًا

دائما تتعلم جيدًا

لغة الحوار

مع الموت.

لم يخرج بورّاس في مجموعته هذه من تأثره العميق بدراسته لعلم النفس، بل على العكس فقد بقي حبيسًا لها، ومسجونا بذلك الشعور العارم بالوحدة، وبالشعور بنقص قيمة كل الأشياء، لذا؛ فقد قدم لنا مقاطع صغيرة، لكنها لاسعة، تصيب فينا جميعًا أعماقنا التي نهرب من مواجهتها:

أحلم أحيانًا كثيرة

أنني أقف أمام جمهورٍ كبيرٍ جدًا

جمهور يسمع كلماتي

بحماس عارم

 

بعد ذلك

وعندما أستيقظ

أعرف تمامًا

أنني الشاعر الأكثر وحدةً

في كل العالم

“صالة الانتظار” لا تترك قارئها من دون أن يجلس لساعات وساعات ينتظر الـ لا شيء، إذ يخرج من سؤال ليدخل في الآخر، وهكذا تتراكم فيه الأسئلة الصعبة والموجعة التي تملأ صفحات المجموعة الصغيرة، وتحدث في روحه زلزالًا، بأعلى درجات النبض، على مقياس الذات البشرية، زلزال يصدّع كل أرض المطلق التي يقف عليها. ولكن الأجمل في الأمر، على الرغم من كل مفردات الموت التي تحتويها هذه المجموعة، فإن الزلازل التي تصنعها فينا تجعلنا، دون قرار مسبق، متمسكين أكثر بتلك الشعلة القصيرة، والمذهلة، بتلك الحياة المعجزة، صاحبة كل الآلام والأحزان والخيبات. لكن المجموعة تقول لنا جيدًا كيف نتسمك بها، فهي الوحيدة التي نملكها، وعلينا أن نعيشها، لا أن نفنيها في الانتظار.

يقول أغستين في نهاية المجموعة:

إن العدو الرئيس

الذي واجهته حياتي

كان دائمًا

نفسي

“صالة الانتظار” -هذه- التي ترجمها لنا شاعر آخر، لتصلنا طازجة وحادة، تستحق منا أن نقطع فيها طريقًا طويلة من الدهشة والخلخلة، وفي الوقت نفسه تدعونا إلى ألا نسهو عما سيسقط منا على هذا الطريق.

مقالات ذات صلة

إغلاق