أدب وفنون

فواز حدّاد: لا يحقّ للمثقفين أن يكونوا أوصياء على الثورة

“هل يصمت الأدب بدعوى أنه يُعنى بالسلام لا بالحرب؟”
يشتبك الثقافي بالسياسي كتفكير مسؤول عن إدارة حياة البشر، ويبدو المثال السوري اليوم أوضح دليل على تدخّل السياسة في سعادتنا وتعاستنا وشقائنا وموتنا ولقمة عيشنا التي باتت مغمّسة بالدم والمهانة، وفي الهواء الذي نتنفس، ألم يسمّم النظام الهواء بالكيماوي، لا يمكن للأديب السوري أن يعزل السياسة عن تفكيره، ولا عن نتاجه، طالما أنها تتدخّل تدخّلًا صارخًا في مصائرنا، تعتقل وتعذّب، تقتل وتُهجّر… هل يصمت الأدب بدعوى أنه يُعنى بالسلام لا بالحرب، أو هل بوسع الكاتب الوقوف على الحياد؟ فلنتساءل: ترى أين يقع هذا الحياد؟ هل تركت الحرب بقعة محايدة؟”.
بهذه الكلمات عبّر الكاتب والروائي فوّاز حدّاد عن التشابك والترابط الوثيق بين السياسة والثقافة، وعن مسؤولية الكاتب والأديب في إيصال رسائل تُعنى بكل أبعاد الواقع المُعاش.
في حديثه لـ (جيرون) رأى أنه “لا يمكن الفصل بين الثقافي والسياسي، على الإطلاق، فالسياسة من نسيج الحياة، وهي -بمعناها العريض- تخصّ البشر وشؤونهم اليومية، ماضيهم، مستقبلهم، أوضاعهم المعيشية، الحريات، الحقوق، الواجبات، الحب، الشر … إنها بشكل ما متورّطة في الحياة ومعنى الحياة، وتتدخّل حتى في أدق تفاصيل طموحات البشر وتوجهاتهم وعواطفهم”.
كما شدّد على أن ما يضفيه السياسي على الأدبي لا يتعارض مع الصنعة الفنية، بقدر ما يُثريها، معتبرًا الرسالة الأدبية بمجمل أبعادها “إعادة تخليق للحياة في أوضاعها الواقعية، وما الأديب -حامل لواء الفن- إلا عقل سياسي -أيضًا- من هذه العناصر الذي هو أحدها وفي داخلها، يَستدرج الكاتب ما يفكّر فيه ويكتبه، أما من حيث الفصل بين السياسي والفني، فهذا ممكن بالقسر، والمشكلة أن الأدب سينعزل عن الواقع، في حين لا يثمر إلا من خلاله، في الوقت نفسه، إذا تنازل الأدب عن الفن، يفقد كينونته، الأدب هو التوازن بين السياسي المتجلّي على أرض الواقع، وبين الفن الذي يتمظهر الأدب فيه، ولا يؤثّر إلا من خلاله”.
وحول المثقفين وأدوارهم التي لعبوها في الثورة قال: “نعم المثقف ضرورة، ولا يجوز استبدال معزوفة جلد الذات بجلد المثقفين، وإذا كان الحديث قد دار -كثيرًا- حول خيانة المثقف وارتداداته، فهي لا تمثّل المنحى العام للمثقفين، وإنما تطال مجموعات اصطنعها النظام، فللدولة الشمولية مثقفوها أيضًا، والثورة السورية ابتلت بمن مشوا في ركاب السلطة، وخانوا الشعب، وهناك -أيضًا- من التحقوا بالثورة؛ لأنها درّت عليهم المنافع”.
لافتًا إلى “وجود مثقفين في الداخل، وقفوا مواقف مشرّفة حتى في مناطق النظام، وإذا كانوا قد اضطروا الى الصمت، فصمتهم مقدس، فالمثقفون في الداخل مهدّدون بأكثر من الاعتقال، ومهدّدون -أيضًا- بعائلاتهم، خاطروا بحياتهم، ولم يتعاونوا مع النظام أو يهلّلوا له”.
من جهة أخرى، عدّ حدّاد أن أخطر ما يمكن أن يلعبه المثقف اعتقاده أنه وصي على الثورة، فكونه واكبها أو التحق بها لا يجيز له احتكار التكلّم باسمها، إلا إذا فوِّض بذلك، وأكد أن “الثورة واستمرارها جهد عام يجمع بين المقاتلين على الأرض والناشطين الشبان، وهي –أيضًا- الحاضنة الشعبية التي قدّمت أعظم التضحيات”.
وأردف موضحًا: “كان من أكبر إخفاقات المثقفين أنهم لم يدركوا مبكِرًا خطر الدعوات المتأسلمة والطائفية، وعندما واجهوها متأخرين كان تأثيرهم ضعيفًا، بحيث لم يستطيعوا تدارك خطرها، بعدما تغلغلت في الداخل، وفرّخت فصائل مقاتلة، شرّعت الفرقة والتشرذم”، مشيرًا إلى أن المثقفين لعبوا أدوارًا ممتازة، منظّرين للحدث السوري في جميع تقلّباته، وكان لهم الفضل في تكريس حياتهم وجهدهم له، لا يجب أن نغمط أدوارهم فاعليتها”.
وعدّ حدّاد أن المُنتج الأدبي والفني ليس مُتخيّلًا فحسب، “فالتخييل والأدب لا يأتيان من فراغ، المادة موجودة في الواقع، والحياة هي المحرّض والعنصر الأكبر في صناعة الأدب”. وفي تفريقه بين الصنعة الأدبية والتأريخ، قال: “إن تعيين سردية روائية يعني اختراق حيوات ومصائر وأحداث ووقائع وأقدار وتاريخ وجغرافيا وطموحات وعواطف… هذا المزيج، وللمفارقة البحت يجسده الخيال، باستيعابه وزجّه وتكثيفه في بؤرة واحدة، ما يمنح الكاتب رؤية تجهد في الإحاطة بمشهد هائل، يتعامل معه من زاوية محددة”.
“هل لهذه السردية علاقة بالتاريخ؟ لا ريب في أن علاقتها واهية به، فالأفراد يحتلّون الجزء الأكبر منها، بينما المؤرخ بمسيرة التاريخ، وانتقال الدول من عصر إلى عصر، والعناصر المؤثرة فيه، لن يلاحق سيرة رجل، ربما فقد زوجته وأولاده ودُمّر بيته وهُجّر من بلدته، غادر وطنه، ومات غرقًا أو اختناقًا، إن لم يمت هو وأولاده من المرض والجوع. وقد يكون يعيش في بلد اللجوء في مخيم، ريثما يُرحّل. هذه الحادثة لا تأخذ مكانها في التاريخ إلا رقمًا ضمن مشهدية كبرى أبطالها الرئيسون، الدول الكبرى والإقليمية، وما شهدته صراعاتهم على الملأ والأكثر في الكواليس، وما حفّ بها من مطامع ومساومات وتنازلات. أما الأفراد، من رؤساء الدول واللاعبين الدبلوماسيين، فلن تكون أحجامهم إلا بقدر ما ارتكبوه من انتصارات أو خسائر أو جرائم. التاريخ يبيح هذا النظر، وسنده التجرّد، فالنصر أو الهزيمة، تتعزّز بما نجحوا أو أخفقوا فيه. من ثم؛ ستمتدح دبلوماسيتهم الخبيثة إذا كانت مظفرة، مهما كانت انتهازيتها، لأنهم أفلحوا في تحقيق مكاسب كبيرة فحسب. وإذا كان التاريخ يسهم في الحاق بعض المجرمين الكبار بركب الدكتاتوريين، فلأنه يجب تصنيفهم، والدكتاتورية، بحسب توصيفها، تشفع لهم طبيعة ما سفكوه من دماء وما نهبوه من ثروات”، معززًا أن “التاريخ يُلهم الروائي، ويحتلّ في سرديته، الخلفية المؤثرة، بينما في المقدمة يعبُر البشر أفرادًا ساحة الرواية. تتعالى فيها أصواتهم، وإذا كان للألم أو الفرح صداهما الإنساني، فهما الدلالة على هزيمة الدول ولو انتصرت، وعلى انتصارها ولو انهزمت”.
واستشهد على فصله بين التاريخ والأدب بما يرتكبه النظام من جرائم بحق الشعب، وكيف يمكن أن يسردها التاريخ في المستقبل، “ولنتصوّر -وهو أمر غير مستبعد في التاريخ الذي يُكتب الآن، نجاعة وسائل النظام في الحصار والتجويع، وكيف أفلحت البراميل المتفجرة في تدمير منازل المدنيين والمستشفيات، ونجاحه في هزيمة المعارضة المُسلّحة باستعانته بدولتين وبميليشيات مذهبية… هل هذا انتصار؟ في كتب التاريخ، سيذكر على أنه انتصار، وقد يصبح موضع جدل يمتد إلى سنوات وعقود. أما في الأدب، ولا سيما الرواية، فالدكتاتورية والقتل مدانان، من دون تكهّنات أو جدل”.
اختتم حدّاد حديثه عن دمشق التي طالما تغزّل بها في رواياته، ووصفها بالمنكوبة اليوم، شأنها في ذلك شأن جميع المدن السورية: “ليست الذاكرة ملك شخص، أو جهة، أو نظام، إنها شيء يسكن في الروح والضمير، تتناقله الأجيال، لا بشر بلا ذاكرة، إنها نحن. لا يصعب تزويرها، ولا يستحيل تشويهها. وفي مثال انتشار صور معالم سورية أوائل القرن الماضي ومنتصفه له دلالة أن سورية الحقيقية ليست سورية الأسد، وإذا أراد النظام حرق البلد…، فسوف تنهض من الرماد، وهي محاولة لاستدراك ما حاولت أربعة عقود تغييبه”.
منبّهًا إلى أن الذاكرة تتآكل مع الزمن، قد ينقذها توارث الذكريات وتناقلها شفاهيًا، لكن لن يكون العمل عليها مجزيًا إلا بتسجيلها خوفًا من خطر النسيان: “منذ سنوات مع بداية الحدث السوري، تُمارس عملية مبرمجة لإحلال ذاكرة مفبركة بدلًا مما جرى ويجري فعلًا، بتحوير الحقائق وطمسها واعتماد سردية أخرى تضع السوريين في دائرة الاتهام، والنظام على أنه المنقذ والقاضي العادل. هذا الادعاء، مهما بلغ من وقاحته وسخفه، يزاحم الحقيقة، وهناك وسائل إعلام تكرّسه، لتجعل منه الذاكرة المعتمدة للسوريين، وكأن لا شهداء بمئات الآلاف، ولا نازحين بالملايين، ولا سورية مدمرة ومنهوبة”.

[av_gallery ids=’77988,77987,77986,77985,77984,77983,77982,77981,77980,77979′ style=’thumbnails’ preview_size=’portfolio’ crop_big_preview_thumbnail=’avia-gallery-big-crop-thumb’ thumb_size=’portfolio’ columns=’5′ imagelink=’lightbox’ lazyload=’avia_lazyload’ custom_class=”]

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق