قضايا المجتمع

الثورة السورية والرصاصة الأولى

مع انطلاق الثورة السورية، وما تلاها من قتل لأول مواطن سوري برصاص عصابات الأسد، أصبح الشعب السوري أمام دوافع جديدة للثورة، وكذا الحال مع أول معتقل، ومع أول قصف لبيت سوري، ومع أول تهجير لإنسان سوري من داره وأرضه، ومع أول غرق لطفل سوري في عرض البحر؛ حتى صار لكل يتيم سوري، ولكل مهجر ولكل معتقل ولكل أرملة ولكل معاقة ومعاق ثورة، فلنا أن نحسب عدد الثورات التي راحت تتوالد تباعًا مع انطلاق الثورة الأولى.

مرت ست سنوات والثورة مازالت تحفر عميقًا في الوجدان السوري، في المقابل ست سنوات ونظام الأسد لم يترك سلاحًا مدمرًا إلا وألقاه على المناطق والأحياء الثائرة، ولم يوفر أي قوى ظلامية وإرهابية في العالم، إلا واستدعاها لتسهم معه في سحق الثورة، ست سنوات من القتل والتدمير جعل فيها النظام 80 في المئة من سورية خرابًا ودمارًا، دمّر معظم المستشفيات والمدارس والمخابز والمعاهد والمصانع والكنائس والمساجد والمباني الأثرية، لكن لم يستطع القضاء على روح الثورة.

لم يدرك النظام، الغارق في شلالات الدم، أن كل فعل اجرامي ارتكبه بحق الثوار وثورتهم، يستدعى تلقائيًا توليد دوافع جديدة للمضي في الثورة، و هذا ما حدث فعلًا منذ الأيام الأولى للثورة، إذ لم تعد الأسباب التي قامت لأجلها الثورة ذات أهمية في سياق الجرائم التي ارتكبتها عصابات النظام البعثي، وهي تتصدى للثورة؛ جرائم ولّدت لدى الناس دوافع وأسبابًا أقوى وأعمق للاستمرار في الثورة، تكاد تختلف عن الأسباب والدوافع التي أدت الى اشتعال شرارة الثورة، وحينما لم يروِ الرصاص حقد نظام الأسد، ولجأ إلى استخدام الدبابات والمدرعات لقصف الأحياء والبيوت، خلق هذا دوافع ومحفزات جديدة للمضي في الثورة، وكذا الحال مع استخدام الطيران والصواريخ والبراميل والكيماوي، وحدث مثل هذا أيضًا حينما استجلب الأسد مرتزقة حزب الله لقتل السوريين.

استجلاب ذكّر السوريين باستقبالهم عوائل وأسر عناصر “حزب الله” في بيوتهم، غداة المعارك الوهمية التي كان يخوضها مع دولة الاحتلال الاسرائيلي في جنوب لبنان.

وحينما لم ينفع كل هذا لإخماد براكين الثورة، لجأ النظام إلى إيران وطلب منها الأسلحة والمساعدات المالية والرجال، وكان له ما أراد، ولكن أيضًا لم يتحقق أي نصر على الثورة، فمضى إلى روسيا “العظمى”، فلبتهم بأحدث الأسلحة، من طائرات وصواريخ وأساطيل وقواعد وجنود، على أمل أن يقضي على وهج الثورة، لكنه لم يستطع، وكان استجلاب الاحتلال الروسي لمؤازرة النظام ومرتزقته في قتل الشعب السوري – وحده- كفيلًا بتوليد آلاف الدوافع للاستمرار في الثورة، وأيضًا لتفجير ألف ثورة.

وهكذا ظل الأسد وأعوانه يقتلون ويدمرون ويحرقون، والأمم المتحدة تحميهم بالفيتو الروسي والصيني، والولايات المتحدة الأميركية بزعامة أوباما، تغفر لهم استخدام  السلاح الكيماوي الذي قتل مئات الأطفال والنساء والشيوخ، وهم نيام، مقابل أن يسلم السفاح أداة القتل، كذلك استمر مؤيدو النظام من أفراد ومنظمات ودول، يحذرون طوال ست سنوات من أن ذهاب الأسد يعني دمار البلد، في وقت كان منهج تدمير البلد يسير على قدم وساق، فجميع الوقائع تؤكد أن بقاء الأسد هو تحديدًا من دمر البلد،  فقد كلف هذا البقاء انهيار مؤسسات الدولة من  جيش وصناعة وتجارة وتعليم وطب وزراعة، إضافة إلى  تشريد ملايين السوريين من أطفال ونساء ورجال وشباب. كل هذا الدمار والخراب كان بمنزلة ضريبة دفعت في سبيل بقاء الاسد، فأي خراب بعد هذا الخراب؟ وأي دمار بعد هذا الدمار؟

لا زال النظام يواصل عمليات القتل والقصف والذبح والاعتقال والتشريد والتهجير، ما يعني توالد دوافع وأسباب جديدة للثورة، وولادة ثورات عديدة تضاعف من حصارها لنظام الأسد، وتنحت في عمق المجتمع السوري طريق وشكل النهاية المحتومة التي ستساق إليها عصابة الأسد طال الزمن أم قصر، فالثورة ما عادت انتصارات عسكرية، ولا تسجيل نقاط ميدانية، إنما باتت معارك متغلغلة في بنية تكوين الطفل السوري، وفي عقول الشابات و الشباب، وفي ضمائر النساء والرجال، في جراح وشقاء كل هؤلاء، ومع هذه الأعداد من الضحايا والمظلومين والمفقرين والمهجرين والمعتقلين والمعاقين بات من المستحيل على نظام الأسد هزيمة الثورة، حتى لو جلب كل أسلحة الكون ومجرميه، فهذا الخيار الأمني والعسكري، لم ولن يقضي على الثورة. هو صوت الجغرافيا السورية بمن فيها ومن عليها، هي حتمية التاريخ التي تشير بوضوح إلى أن عصابات الأسد هي أول من رسم ملامح هزيمتها ونهايتها، وأول ما حدث ذلك كان مع انطلاق الرصاصة الأولى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق