تحقيقات وتقارير سياسية

هل تغيرت النظرة الروسية نحو أكراد سورية؟

تطرح الأنباء المتواترة، عن نية الجيش الروسي بناء قاعدة عسكرية في منطقة عفرين، شمالي سورية، أسئلة جدية عن وجود تحولات استراتيجية في موقف الكرملين من أكراد سورية، ورؤية موسكو لحل الأزمة السورية بعد ست سنوات من انطلاق الثورة، وكذلك علاقة موسكو بكل من أنقرة وطهران.

وسارع الكرملين إلى نفي أي نية لإقامة قاعدة عسكرية، تضاف إلى القواعد السابقة في طرطوس، ومطار حميميم، لكن وزارة الدفاع الروسية أكدت -في الوقت ذاته- انتشار عناصر ومدرعات روسية في إطار “مركز مصالحة” في المناطق المسيطر عليها من ميليشيا “وحدات حماية الشعب” الكردية.

الناطق باسم ميليشيا “وحدات حماية الشعب” الكردية، ريدور خليل، قال: إنه “جرى الاتفاق مع روسيا على إقامة قاعدة عسكرية في عفرين”، وأشار إلى أن “الوجود الروسي في عفرين جاء بعد اتفاق مع القوات الروسية العاملة في سورية في إطار التعاون ضد الإرهاب، وتقديم القوات الروسية المساعدة؛ لتدريب قواتنا على أساليب الحرب الحديثة، وبناء نقطة اتصال مباشرة مع القوات الروسية”.

مصادر إعلامية أوضحت أن تنفيذ الاتفاق، الأول من نوعه بين القوات الروسية والميليشيا الكردية، بدأ مع دخول نحو 100 عنصر من القوات الخاصة الروسية، برفقة عربات ومدرعات إلى عفرين. وأوضحت هذه المصادر أن القوات “ستتمركز في معسكر في كفر جنة في ريف عفرين، على أن تحضّر لإنشاء قاعدة عسكرية روسية، ستقوم بدورها في مهمتين رئيستين: منع الاحتكاك بين الميليشيا الكردية والقوات التركية في حدود مقاطعة عفرين ومناطق سيطرة الميليشيا الكردية، وتدريب الميليشيا الكردية”.

رسائل مرتبكة ومربكة

الأنباء عن اقامة القاعدة الروسية تربك الأطراف المحلية والاقليمية والدولية، وفي الوقت نفسه، فإنها تحمل إشارات عن ارتباك روسي، وعدم ثقة ببلوغها الأهداف المتوخاة من تدخلها في سورية، وربما جاءت لمسابقة الزمن والتشويش على أي خطوة تنوي إدارة دونالد ترامب تجسيدها في المستقبل.

ومعلوم أن موسكو وظّفت فائض القوة الذي برز منذ بدء التدخل الروسي خريف العام 2015، من أجل فرض رؤيتها ورؤية النظام من خلفها لتسوية الأزمة. وأكمل الجيش الروسي بتدخله المباشر مهمة الكرملين بدعم نظام الرئيس بشار الأسد السياسي والدبلوماسي والاقتصادي، باستخدام حق الفيتو في مجلس الأمن، وتوفير الدعم الاقتصادي للنظام. وتسعى الدبلوماسية الروسية مدعومة بآلة حرب قوية إلى الامساك بخيوط الأزمة السورية، وفتح علاقات مع جميع المكونات الطائفية والعرقية والسياسية في البلاد.

ويبدو أن الجانب الروسي يريد مواصلة استخدام الورقة الكردية في سورية، لتوجيه رسائل للأطراف الداخلية والاقليمية والدولية. ومن نافلة القول أن أي حل في سورية، وأي ترتيب لمكافحة الإرهاب، يجب أن يأخذ في الحسبان المكون الكردي بعدما مكّن النظام ميليشيا “وحدات حماية الشعب” الكردية من السيطرة على مناطق واسعة بعد الثورة، ويضاف إلى ذلك تقدم ميليشيا “قوات سورية الديمقراطية” التي يطغى عليها المكون الكردي في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، بفضل الدعم الأميركي العسكري واللوجستي.

الظاهر أن الرسالة الأولى موجهة إلى النظام وإيران في آن واحد، وتكمن في أن مستقبل سورية يجب أن يرسم وفق رؤية موسكو، ومراعيًا مصالحها، وفي السنتين الأخيرتين لم يتوقف الروس عن تكرار رغبتهم في بناء سورية فيدرالية على أساس أنها أفضل شكل لبناء الدولة.

ومن دمشق، وفي 20 آذار/مارس الجاري، قال رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الدوما (البرلمان) الروسي، ليونيد سلوتسكي: لا يمكن تحقيق مصالحة في سورية دون إقامة مناطق حكم ذاتي للأقليات، في إشارة مبطنة إلى الأكراد السوريين الذين أقاموا فعليًا منطقة حكم ذاتي من جانب واحد في الشمالي السوري. ورسميا ترى موسكو أن المحافظة على وحدة سورية ينطلق من بنيان فيدرالي للدولة، وقبل نحو شهر عدّ وزير الخارجية، سيرغي لافروف، المسألة الكردية قضية أساسية في الحفاظ على وحدة الدولة السورية، وكشف في مقابلة مع صحيفة “إزفيستيا” أن الجانب الروسي “يبذل جهدًا لتيسير التفاهم بين النظام السوري والأكراد السوريين من أجل الحفاظ على وحدة البلاد”، حيث قامت روسيا بأربع جولات من الاتصالات العام الماضي لإقامة هذا الحوار. وشدد لافروف على “أن هناك إمكانية كبيرة للتوصل إلى اتفاقيات لوجود عدد من الأسس المشتركة في مواقف الجانبين”.

النظام في دمشق، وإن كان قد التزم الصمت، ولم يعلق على الخطوة الروسية وتصريحات المسؤولين الروس، فإن الانفتاح الزائد على الأكراد يثير حفيظته، فهو يرغب في أن يواصل اللعب بالورقة الكردية؛ لخدمة أهدافه في إثارة الفوضى والانقسام بين القوى الثائرة على حكمه، إضافة إلى توظيف الأكراد في معادلات الصراع والتقارب مع الجانب التركي، وهو ما شهدناه حتى اتفاق أضنة 1998، وعاد للظهور بعد الثورة، إضافة إلى أن أطرافًا في النظام تتخوف من الدور الروسي، وتخشى من أنه يمكن أن يفرض تسوية لا تناسبها ولا تراعي الوجود الإيراني والميليشيات التابعة له.

مستقبل التنسيق الروسي- التركي على المحك

تنذر إقامة قاعدة عسكرية روسية في عفرين، ببروز خلافات حادة مع الجانب التركي.  واستدعت الخطوة الروسية ردًا حادًا من الجانب التركي، الذي أكد على لسان نعمان قورتولموش، نائب رئيس الوزراء التركي، أن “أنقرة لن تقبل بوجود منطقة إرهاب شمالي سورية، وأن التركيبة العرقية في المنطقة ينبغي أن تبقى من دون تغيير”.

منذ بداية الثورة، عدّت أنقرة أن الموضوع السوري داخلي تركي بامتياز، نظرًا للحدود المشتركة التي تصل إلى 850 كيلومترًا، والوجود الكردي في ثلاث مناطق سورية محاذية للحدود، وتبدلت المواقف التركية من محاولة اقناع النظام بالتغيير إلى وضع خطوط حمر لتحركاته، لتصل أخيرًا إلى محاولة المشاركة مع روسيا في ترتيب الأوضاع في المناطق الشمالية والشرقية من سورية. وبقيت أنقرة مصرة على خط أحمر واحد، وهو منع بروز كيان كردي متواصل بين شرق الفرات وغربه، لما يمكن أن يثيره من قلاقل في الولايات الجنوبية والجنوبية الغربية ذات الأغلبية الكردية. وسمحت التفاهمات الروسية- التركية بعد الانقلاب الفاشل صيف العام الماضي، وطي صفحة إسقاط المقاتلة الروسية من الدفاعات التركية، بإطلاق عملية “درع الفرات” لمحاربة “تنظيم الدولة” ومنع التواصل الجغرافي للمناطق الكردية.

ربما أرادت موسكو بعث رسالة لأنقرة؛ من أجل الضغط على الفصائل المسلحة والجيش الحر، وحثهّا على التعاون معها وحضور جولات أستانا الجديدة بعدما قاطعت الجولة الأخيرة في أستانا؛ بسبب عدم التزام النظام والميليشيات الداعمة له، باتفاق وقف إطلاق النار، واستمرار التهجير المنهجي على أسس طائفية.

قد ترغب موسكو في لجم جماح تركيا، ومنعها من توسيع مناطق نفوذها بعد تقدمها في الباب ومنبج. وفي السابق استغلت موسكو الورقة الكردية للضغط على أنقرة، فقد افتتحت في العام الماضي ممثلية لأكراد سورية في موسكو، في أثناء الأزمة بين روسيا وتركيا، لكن توظيف هذه الورقة في الوقت الحالي يمكن أن يفتح الباب أمام خلافات جدية بين الطرفين، وينسف مفاوضات أستانا التي جهدت موسكو لإطلاقها برعاية مشتركة مع تركيا، كما يمكن أن يدفع الأخيرة إلى زيادة التنسيق مع إيران؛ لمنع بروز أي كيان كردي، فضلًا عن أن أي أزمة بين موسكو وأنقرة تفتح المجال أمام إدارة دونالد ترامب لإعادة الدفء إلى العلاقات مع تركيا التي توترت في أثناء حكم باراك أوباما.

لا تغيرات استراتيجية في علاقة موسكو مع الأكراد

مؤكد أن الكرملين أراد إيصال رسالة للولايات المتحدة، بأنه قادر على فتح علاقة مع الأكراد، وأن موسكو لها الكلمة الفصل في سورية حتى الآن، ولهذا فإن واشنطن يجب أن تبحث معها أي خطوة يجب القيام بها على الأرض، في ما يخص “محاربة الإرهاب”، أو إطلاق معركة الرقة مع قرب الحسم في الموصل، ومعروف أن موسكو ترغب في تنسيق الجهد مع واشنطن في ما يخص سورية، لخشيتها من الانزلاق في مستنقع أفغاني آخر، وابراز قدرتها على اجتراح الحلول الصعبة، بصفتها قوة عظمى تضاهي قوة واشنطن.

وبقراءة المشهد الاقليمي والدولي يصعب الجزم بأن موسكو تتجه نحو شراكة استراتيجية مع أكراد سورية، وأغلب الظن أنها تواصل توظيف بعض الأحزاب الكردية تكتيكيًا للضغط على الأطراف الاقليمية والدولية، من أجل التعاون؛ لفرض حل في سورية يضمن بقاءها تحت سيطرة الأسد، ملوحة بأن السيناريو الأخطر هو تقسيم سورية، بمنح الأكراد فيدرالية إن لم تستطع ضمان مصالحها في حدود سورية الحالية، وأن البديل للخطة الروسية للحل هو المحافظة على سورية المفيدة لها من دمشق إلى الساحل، ووجود موطئ قدم لها في فيدرالية كردية في سورية مقسمة إلى كيانات على أساس طائفي وعرقي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق