مقالات الرأي

الحرية والكرامة بين المخالب

نفّذ حزب البعث انقلابًا عام 1963 وسماه ثورة، ولم يكن ذلك من دون مسوّغات عميقة، على رأسها الخلافات حول المسألة الزراعية وتنمية الريف التي كان النزاع حولها قد احتدم في عقد الخمسينات بين طبقات المجتمع المختلفة. وكما في كل حال انقلابية أو ثورية، يتغير الواقع وتبقى الشعارات والمصالح؛ ما يفضي إلى حدوث افتراق لا ينفك يتزايد حتى تنقطع الروابط بين الواقع وتلك الشعارات لسبب ما، داخلي أو خارجي، عندئذٍ، يصبح من المحال استعادة الحال السابقة أو تسويغها، ولا بد من تجاوزها إلى أفق تاريخي جديد، إن أردنا العبور إلى المستقبل بأقل الخسائر.

وحين انتفض كثير من السوريين، ونزلوا إلى الشارع عام 2011؛ للتعبير عن رفضهم استمرار الحال، عُدّ ذلك ثورةً بحق؛ لأنها حطّمت حاجز الخوف، وحاولت القطع مع الماضي الاستبدادي، وليس لإسلاميتها أو لأي أمرٍ آخر. في هذه الأثناء، كان ثمة خياران لولوج المستقبل؛ الاستجابة للمطالب الشعبية من الممسكين بالسلطة، والبدء بإحداث تغيير جذري وتدريجي ومضبوط، أو التصدي للمتظاهرين وإنكار ضرورة التغيير ومستحقاته، ما يفتح باب التطرف من أوسع أبوابه. بعد 6 سنوات، اتّضح أنّ الخيار الثاني، الذي جرى اعتماده، كان أكثر من كارثي، وقاد إلى مختلف أشكال التدخلات الإقليمية والدولية. ومع أنه لم يكن الخيار السلبي الوحيد، فقد كان مسؤولًا، بدرجةٍ أساسية، عن إطلاق سيل التداعيات اللاحقة.

في الجوهر، كنّا أمام استحقاق التغيير إذن، هذه هي الحقيقة التي لا يستطيع أحد إنكارها، إلاّ إذا كان من دُعاة الأبدية! التغيير هو الأمر الإيجابي، وربما الوحيد الذي مازال بوسعنا العمل عليه، بعيدًا عن تأكيد المؤكد والحديث عن ثورة صارت في العناية المشددة، أو في طور الكمون أقله، في الوقت الذي استُغلّ فيه اسمها من أفرادٍ وجماعات؛ لتحقيق مآرب لا علاقة لها بما قامت الثورة من أجله في الأساس.

لا تغيِّر المسمياتُ والتوصيفات حقائقَ الواقع، ويبقى أمر الثورة مرهونًا بمدى التحولات المقبلة، وقدرة السوريين الطامحين على المساهمة في التغيير وبلورة مطالب الحرية والكرامة بتكتيكات سياسية صائبة، بعيدًا عن المهاترات والمزايدات من أي نوع، ولا شك في أن الاستبداد القائم هو الخاسر في نهاية المطاف، إن توافر البديل الأفضل، وذلك، بعد أن يجري التصويب والاستفادة من الدروس السابقة فحسب.

فالمطالب المحقة لا تكفي للانتصار، وتحتاج إلى تحديد الأهداف في كل مرحلة، فضلًا عن وجود قيادة وطنية فاعلة، ليست موجودة للأسف، وهذا أحد أهم أسباب استمرار القديم، وكيف يكون الأمر بغير ذلك؟ وعوضًا من أن نحصي خسائرنا ومكتسباتنا خلال 6 سنوات، يلوذ بعضنا بالشعارات الثورجية من جديد، وكأنّه لا تكفينا خمسة عقود من الانحناء تحت مظلة الأوهام والشعارات من النمط الآخر!

ما حدث منذ نهاية 2011 لا يمكن تسويغه، وهو أسوأ السبل التي كان من الممكن سلوكها، فمن “دعم” الثورة هي تلك الجهات التي لم يكن من مصلحتها قبول شعارات الحرية والكرامة، لا بل أنّ ذلك الدعم ارتبط تحديدًا بالثورة المضادة التي أطاحت الآمال الكبار التي اكتسحت مشاعر كثير من السوريين في البدايات. أسهم هذا “الدعم” في حدوث تحولات كارثية، لا يمكن البناء عليها في الطريق إلى المستقبل. نورد، على سبيل المثال، عمليات التحريض والفرز الطائفيين، بالتوازي مع رفع رايات التأسلم وتفريخ الإرهابيين واستيرادهم، وهذا ما شجّعه الطرف المذهبي الإقليمي الآخر، الجاهز والطامح لتعميق هيمنته شرق المتوسط. أفضى اعتماد هذا الخيار إلى حدوث تداعياتٍ متزايدة السوء، وهذا يكفي بحد ذاته ليدير العالم ظهره على القضية برمتها، ولا يرى فيها غير جيوشٍ مذهبية تتقاتل على الأرض السورية.

عدم تحديد ما يريده المرء من “الثورة” معناه تكريس مخاوف الآخرين، ودفعهم إلى رفضها، وإخفاء نيات “إخوانية” ومشتقاتها أضحت مكشوفة ومبتسرة. وإنّ أي كلام ملتبس بهذا الخصوص، أو الحديث عن الثورة شاعريًا لا يساعد في شيء، إنما يعزف على أوتار المأساة السورية المستمرة فصولًا؛ إنها الطريقة ذاتها التي حكمتنا بها “ثورة” البعث منذ خمسين عامًا ونيف، ولا عاقل يود تكرار ذلك، أو توريث خنوعه الجديد لأبنائه وأحفاده!

لم تكن الحال السورية تحتمل تحالف العسكرة والأسلمة، صارت هذه من الحقائق أيضًا، ويجب الاعتراف بخطئها، وأنّ الجهات التي شجّعت على ذلك تعدُّ شريكةً في محنة السوريين، وقد أسهمت، بقصد أو بدون قصد، في إحداث شرخٍ اجتماعيٍّ متعدد المستويات؛ طائفي وطبقي وقومي؛ ما عمّق حدّة انقسام المجتمع السوري، المنهك أصلًا بعقود من الاستبداد. كما أنّ من أراد ويريد دعم ثورة ودولة إسلاميتين في الواقع السوري الحساس لا يمكنه رفض مقولة الحرب الأهلية، فهي عندئذٍ حقيقة واقعة، ومن دعم، بالقول أو الفعل، المصنفين عالميًا إرهابيين لا يحق له الحديث عن أن العالم “خذلنا”، هكذا وبكل بساطة، هذا علاوةً على تحول المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة إلى غيتوات بلون طائفي واحد!

ومع إنّ الوقت أصبح متأخِّرًا للحديث عن الخيارات الأخرى، التي كانت مطروحة في البدايات، فلا ضير في التذكير بها؛ من أجل استخلاص العبر التاريخية، على سبيل المثال، الإضرابات المدنية ودورها الناجع في فرض المطالب، وبما تعنيه من تأييد وتضامنٍ شعبيين أيضًا، لكن ذلك ليس من مصلحة المستبدين الجدد بالتأكيد.

مع ذلك، من المؤكّد أنّ التغيير قد أصبح حقيقة كبرى، ولو أنه في طور الكمون، مثل الثورة ذاتها، وأنّ التحولات الاجتماعية مستمرة في كل أرجاء سورية، ولو أنّها بطيئة ومخاتلة ودموية، بيد أنّ كثير من العوائق مازالت حاضرة قبل انبثاق المجتمع المدني السوري المتشكل ببطء، وأهمها الترتيبات والتوافقات الدولية.

في كل الأحوال، لا بدّ من الاعتراف بحقائق الواقع، في الوقت الذي نتمسك فيه بكل تغيير ممكن في الاتجاه المطلوب، عوضًا عن الدوران في متاهة “الحنق الثوري” والتكرار الممل لعبارات جوفاء دفعت معظم السوريين لليأس مرةً أخرى.

مقالات ذات صلة

إغلاق