قضايا المجتمع

عيد الأم ووجع السوريين في الفضاء الافتراضي

دأبت الأسرة السورية على استقبال عيد الأم بحفاوة، تمنحه مكانة خاصة بين أفراد العائلة. مكانة تدل في طياتها على عمق العاطفة التي نسجت علاقات الناس، وشكلت المجتمع، باختلاف طوائفه ولهجاته وانتماءاته، فيتوحد الجميع في جملة “كل عام وأنت بخير يا أمي”.

ساهمت الحرب التي تدور رحاها على الأرض السورية منذ ست سنوات، في تشتيت مئات آلاف الأسر السورية. بعض الأسر تفرّق أفرادها بين المحافظات، في حين تشتت بعضها الآخر في دول اللجوء، إضافة إلى العدد الهائل من الضحايا والمفقودين والمعتقلين، ما أثقل كاهل آلاف الأسر السورية.

كانت وسائل التواصل الاجتماعي، خير جامع للسوريين لإيصال معايداتهم في هذه المناسبة. تبدلت هواجس السوريين ونبضات تفاعلهم التي هي ارتداد للمأساة.

كتبت مريم سنان في صفحتها: “أمهات الشهداء والمعتقلين، أقبل أياديكم، وأقدامكم”. في حين عبّر سامح مستو “الأم وطن، والوطن أم، أمنا الحبيبة سورية، هل ستعودين بخير”.

وكتبت سلام محمد أيضًا “سورية أم، الأم تَلُم، إلا نحن، من فرط حبّنا لأمّنا تشرّدنا وقاسمتنا المنافي”.

من يتابع نشاط السوريين في صفحات التواصل الاجتماعي، يلاحظ حيوية لافتة خلال عيد الأم، ومن يتنعم بالكلمات والعبارات المستعملة، سيصل دون شك إلى دفء المجتمع السوري، وسيدرك أن الاسرة السورية، في أوضاع تشتتها الحالية، لم يعد أمامها من حبل سرّة سوى عيد الأم.

كتب محمد الحاج صالح على صفحته: “عندما كانت أمي تحتضر، كان ثلاثة من أبنائها التسعة في معتقلات حافظ الأسد، مصطفى وياسين وخالد، طلبت في اللحظات الأخيرة أن ندير فراشها بحيث تقابل صورهم المعلقة على الجدار”.

وكتبت إيناس مطر، أخت الشهيد غياث مطر لأمها تواسيها وتعايدها وتطلب من الله أن يتم الإفراج عن أخوتها المعتقلين: “أمي، يا أم المعتقل وأم الشهيد، الله يفرح قلب كل أم تغيب ابنها عنها قسريًا، والله يفرح قلبك يا أمي يا أم غياث الغالي، بسلامة أخوتي قريبًا”.

لطالما هتف شباب سورية في مظاهراتهم التي كانت ترافق تأبين الشهداء، جملة “أم الشهيد نحنا ولادك”، وهي تعبير وجداني عن ذلك الحبل السري الذي يربط السوريين بأسرهم ومجتمعهم، إنها الأمومة، آلهة الخصب في أساطيرهم.

حسين العمر وصف الصورة -أيضًا- بطريقته وقال: “أمي لديها 11 ولدًا، كل منهم في بلد من بلاد الله الواسعة، أمي تسافر إليهم جميعًا، ولكنها لا تشعر بالراحة، فكلما تلتقي واحدًا منهم تفتقد عشرة الآخرين” وأضاف: “تشبه عذابات أمي عذابات الأمهات السوريات، منهن أشد عذابًا ومنهن أخف، ولكنني على يقين من أنه لا أم سورية سعيدة”.

خلطت الحرب كثيرًا من المفهومات التي كانت، وجعلت المسمّيات تتداخل أو تتباعد عن بعضها، وكذلك القناعات، لكنها -عامة- أسست جراحًا عميقة في الجسد الاجتماعي السوري.

كتب أبو ناصر في صفحته ليعطي دلالة للحالة السورية بأبعادها المؤلمة “قبّل يد أمه وأسمعها كلامًا جميلًا في عيدها، ثم حمل بندقيته ومضى يقاتل أخيه”.

أما حمزة رستناوي فرسم تلك العاطفة على هذا النحو “في عيد الأمّ أتذكّر الأمهات اللواتي (تعطّنت) قلوبهنّ في انتظار خروج أولادهنّ من المعتقلات، أتذكّر الأمهات اللواتي شاهدنَ بأمّ عينهنّ عذابات وتعذيب أولادهنّ”.

وأضاف رستناوي “في عيد الشجرة أتذكّر آلاف الأشجار والبساتين التي جرى قطعها واحتطابها في بلدي! في عيد الاستقلال السوري أتذكّر أنّ الاستعمار الفرنسي ربّما كان أهون على أمّتنا من الاستبداد وصراعاتنا فيما بيننا، في كل عيد أتذكّر العقول المسطّحة كارهة الفرح”.

وصف كثير من السوريين شعورهم لفراق دام سنوات عن أمهاتهم، ووصفوا لحظات الصباح التي افتقدوها مع دعاء أمهاتهم، وكثير منهم -أيضًا- تذكر الأمهات اللاتي استشهدن بقصف جيش النظام للمدن والبلدات، وأيضًا الأمهات المعتقلات في سجون النظام، وبالنتيجة كانت المأساة هي الجامعة والغالبة.

كتب نايف القباعي يقول: “إلى أمي التي لا تمتلك حسابًا فيسبوكيًا ولن تقرأ ما كتبت، لن أتصل بك، لأني سأنهار وأطلق سيلًا من العبارات وسأبوح بكل ما يؤلمني، سأقول لكِ كم أشتاق الذهاب لزيارة قبر أبي، وسأقول لكِ إني أعتذر عما سببته لكِ من آلام وقلق، ومن عذاب انتظاري عندما كنت معتقلًا، وفي كل مرة كنت أقول لكِ عند عودتي -خلاص- ولا ألبث أن أعود إلى اعتقال جديد”.

وناشد ماهر عبد الرحمن شدو أمه، “يا أمي لا أريد لأمومتك أن تغرق في الذكريات أو أن ينتابك الحنين، فأنت أجمل قصة حب لا تليق بها الفجائع، وهذا الوطن لم يعد حكاية يتكئ عليها نومنا في حضنك، لم نعد نشبه طفولتنا، لقد كبرنا على حكايتك ولا أريدك أن تكبري على غيابنا”.

ساعد هذا الفضاء الافتراضي السوريين في سكب عاطفتهم الفياضة بعيد الأم على كامل دروب الوطن، وعبّرت عن صدق نبرة الأحرف المنتقاة.

دوّن طلال قسوم على صفحته مخاطبًا الأمهات: “الأم قاست ما يعجز عنه الرجال، ومازالت تطهو لصغارها، لأم نخر البرد عظامها ومازالت تدفئ أطفالها، لأم قال لها الجميع أن ابنها مات و لن يعود ومازالت تكوي قمصانه، لأم أصم أذنيها صوت القذائف، وهي تضع كفّيها على أذني وليدها كي لا يجزع،  لأم عادت من دفن زوجها، تقف وسط بيتها المهدم وتسأل مستغربة جيرانها النازحين، إلى أين أنتم ذاهبون، من سيعمر البيوت، لكم يا أمهات سورية، نحن الرجال، من بحماقاتنا أورثناكم كل هذا، نطلب منكم الغفران، لكننا لا نعدكم أن نتوقف عن حماقتنا”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق