تحقيقات وتقارير سياسية

الباحث تركماني يتأمل في “مقدمات ربيع الثورات العربية ومآلاته”

صدر أوائل شباط/ فبراير الماضي، عن دار (نون) للنشر في غازي عنتاب، كتاب جديد للمختص بالتاريخ المعاصر، والباحث في مركز (حرمون) للدراسات المعاصرة، الدكتور عبد الله تركماني عنوانه (مقدمات ربيع الثورات العربية ومآلاته)، وحاول تركماني من خلاله تسليط الضوء على مواطن الضعف والقصور في اللبنة الأولى للمجتمعات العربية، التي نشبت فيها الثورات، واصفًا مآلها بالحتمي، بعد عقود من تهميش الإنسان العربي.

إنها “نهاية رهانات أخيرة لجيل من أتباع العروبة، لم تنجز النهضة المنشودة، عبر الأنموذج العسكريتاري الانقلابي، وما رافقه من جرائم بحقّ المجتمع، وتحكيم أقلية بأكثرية، وعسكرة، وسجون، وقدسية فرد، وتركيب عصبيات ما قبل وطنية”.

واعتبر تركماني أن الأسباب الكامنة وراء نشوب الثورات لا تزال قائمة، مؤكّدًا “أن الشعوب تُراكم الخبرات وتستفيد من تجاربها خلال الثورة، وطالما أن الحريّات لا تزال مغيّبة، وأنظمة الاستبداد قائمة، فمن الطبيعي جدًا أن تثور الشعوب مرة أخرى، في إطار ما يمكن تسميته سيرورة ربيع الثورات العربية سيرورة تاريخية طبيعية، فالشعوب العربية قاست الاستبداد لعقود طويلة، ولن تستطيع الخلاص منه بسهولة، ورغم أن الثورات العربية أُجهضت وغُدر بها في العديد من الدول، إلا أنها ستعاود الكرّة من جديد مستفيدةً من خبرات التجارب الماضية”.

ولفت إلى سلسلة الأسباب التي أسهمت في تجذّر الفساد في الدول العربية، لدرجة تجعل التغيير شاقًا، فالوضع “في العالم العربي ينطوي على عدد من المعوّقات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، التي تحول دون النهوض الحضاري، وأبرزها تضخّم دور سلطة الدولة، وغياب الدور الأساسي لمؤسسات المجتمع المدني، وتتعرض لضغوط وقيود تعوق حركتها في تطوير الممارسة الديمقراطية، وضعف الالتزام باحترام القانون في أغلب المجتمعات العربية، والافتقار إلى سيادة القانون وإلى تساوي المواطنين كلهم حكامًا ومحكومين أمامه”.

“إن أوّل العقبات التي تتسبّب في تفكّك مجتمعاتنا وغياب المواطن/ الفرد عن الفعل في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعن تهميش دوره إنما تعود إلى طبيعة الأنظمة السائدة في العالم العربي، إذ لا تزال هذه الأنظمة تُضمر نظرة معادية لقيم الحداثة ومقولاتها التي في رحابها يتكون الفرد الحرّ، ما أدى إلى انهيار متوالٍ لبنى الدولة العربية لحساب البنى ما قبل الوطنية، القبلية والعشائرية والطائفية والمذهبية، التي بدأت تعمل حثيثًا لغير صالح الانتماء العام، بل لانبعاث الانتماء الجزئي الخاص وهيمنته على مقومات الدولة”، مشدّدًا على أن “الشباب سيستخلصون العبر والدروس، من أجل تجارب أخرى في المستقبل، وبناء الدولة الوطنية الحديثة”.

وعدّ الكاتب أن أي تغيير سياسي أصيل لا بدّ وأن يستند إلى مجتمع مدنيّ حيّ، والعالم العربي تأخّر في معرفة وإدراك هذه الأهمية للمجتمع المدني الذي يعدّ الأساس في أي تغيير، فلا يمكن إحراز أي تقدّم وتغيير دون الاستناد إلى المجتمع المدني مفترضًا “مرحلة ربيع الثورات العربية حتمية في مصير الشعوب التي استفاقت؛ فالشعب اكتشف ذاته، وأكدّ حضوره بقوة على مسرح التاريخ ليأخذ مصيره بيده بعد أن بدا له أن قضية الحرية هي إحدى أهم قضاياه المؤجّلة، فهو الأقل تمتعًا بالحرية”، واستشهد على ذلك بقوله: “بينما انتهى العالم الغربي من صوغ وبلورة المجتمع المدني وإشراكه في كل مفاصل الحياة، بدأ الحديث عنه في منطقتنا العربية”. مركّزًا على أن “الثورات أفسحت المجال للخوض في تجارب مدنية، والشباب سيستخلصون العبر والدروس من أجل تجارب أخرى في المستقبل، تساعدهم على بناء الدولة الوطنية الحديثة التي ينشدون”.

واستعرض تركماني في كتابه الأطوار التي مرّت بها الثورات في كل من تونس وليبيا وسورية، واعتبر أن التجربة التونسية جديرة بالمتابعة والاستفادة، مفنّدًا الأسباب المباشرة في النجاح النسبي الذي حقّقته، وأولاها أن الجيش التونسي غير مُسيّس وهو مكسب من مكاسب البورقيبية، والنظام التونسي السابق وضع حجر الأساس للدولة الحديثة، وهو ما يمكن ملاحظته في الأنماط الاجتماعية السائدة، والحريات العامة، والانفتاح على العصر، الذي يتجلّى بمجتمع مدني، يحفظ الحقوق، ويعترف بالمرأة، بوصفها كيانًا فاعلًا في المجتمع، أما العامل الأهم في تحقيق الثورة التونسية نجاحًا نسبيًا فهو نضج التيار الإسلامي، وهي تجربة جديرة بالاهتمام؛ إذ تشكّلت (الكتلة التاريخية) من تيار إسلامي معتدل وتيار علماني معتدل، ولذلك؛ “تظلّ التجربة التونسية، على هناتها، رائدة في ظل محيط عربي مضطرب، وانسداد أفق ثورات عربية عجزت عن تصريف أزماتها سلميًا، وتحوّلها إلى مسارات عنيفة، فالتجربة التي خاضها الشعب التونسي تشكّل لحظة تاريخية فارقة في صناعة ثقافة انتخابية، بمعايير عالمية، تستند إلى الشفافية وقواعد قانونية عادلة وهيئات مشرفة ذات استقلالية، تمنح الفرصة للجميع وعلى قدر المساواة، من أجل المساهمة في بناء المستقبل الديمقراطي لتونس، بعيدًا عن منطق الإلغاء، أو روح الإقصاء والتشفّي، إنها تجربة تستحقّ المتابعة، بوصفها درسًا فعليًا، يُثبت قدرة الشعوب العربية على حل المشكل السياسي، ضمن إطار من التعايش الوطني، والحوار السياسي الراقي بعيدًا عن العنف والفوضى”.

تطرّق الكاتب إلى أهمية النهضة الشبابية التي بيدها زمام التغيير وضرورة استفادتها من التكنولوجيا الحديثة، قائلًا:  “إن من أوكد الواجبات على العرب، السعي إلى تقوية أنفسهم بتنمية ذاتية، مبنية على  فتوحات مجتمع المعرفة، وعلى القدرات التكنولوجية والتشبّث بفضائل العمل، وشجاعة تحمّل المسؤوليات، وتعزيز كرامة الإنسان العربي، وتحرير إرادته، وإشراكه في تدبير الشأن العام، واتخاذ القرارات الكبرى. العرب في أمس الحاجة إلى هيئة حكماء أكثر ممّا هم في حاجة إلى إطار سياسي افتضح عجزه، هيئة للتفكير والتأمل للاهتداء إلى أقوم المسالك، وأضبط المساعي، وأسلم المقاربات، للخروج من ديجور التأخر، إلى أنوار التقدّم بخطى واثقة، مع الاعتناء الشديد بقيمة الزمن وجدوى العمل غير المتواكل”.

“إن الأساس هو أن نتغير وأن ننتقل من درجة الطائفة والعشيرة والقبيلة إلى درجة الدولة المعاصرة، وأن نحتكم إلى الناس، وأن نعدهم مصدر كل السلطات، وأن نقدّر المواطنة المتساوية، وأن نعطيها معانيها الحقيقية وأن نجعلها اقتسامًا للسلطة، واقتسامًا لخيرات البلاد، واقتسامًا للفرص، واقتسامًا للكلمة في الحوار، وأن نجتهد من أجل أن نفعل أكثر، وأن نتكلم أقل، وأن ننخرط في ثقافات هذا العصر، وأن يكون هذا الانخراط بالإضافات المعرفية والجمالية، وأيضًا بالوعي النقدي والضّدي، وأن نؤمن فعلًا بأنه لا أحد منا يمكن أن يحتكر الحقيقة، وعليه فإن الأساس هو الحوار، وجوهر كل حوار إنما يتمثل بالاختلاف، الاختلاف الذي يهدف إلى تحقيق التلاقي عند نقطة ما في الأفق الواسع”.

اختتم الكاتب بتأكيده أن مسيرة ربيع الثورات العربية مسيرة بدأت ولم تنته بعد، وفي السنوات المقبلة سنشاهد ثورات أخرى تندلع؛ بغية تحقيق الأهداف الرئيسة التي انطلقت منها الثورات الأولى وهي الحرية والعدالة والكرامة.

“لقد تعثّر ربيع الثورات العربية لأسباب عديدة من أهمها أن الاستبداد في دول الربيع العربي أنشأ هياكل على شاكلته، أصبحت عقبة عطّلت أو أفسدت عملية التحول الديمقراطي، وهذه الهياكل لم يكن دورها مقصورًا على عرقلة التحوّل المنشود فحسب، وإنما عمدت إلى تشكيل واستدعاء قوى وهياكل أخرى مسلّحة، للحيلولة دون إتمام ذلك التحوّل (سورية أنموذجًا)، ومن خلال تلك القوى والهياكل انتقلت البلدان إلى مرحلة الفوضى والاقتتال الأهلي أو إلى استعادة الاستبداد القديم لمواقعه تحت لافتات ومسميات أخرى”.

الربيع العربي عند الدكتور تركماني ليس قوسًا فُتح وسيُغلق فحسب، فما جرى بركان سياسي، وهو تعبير عن تحوّل تاريخي في مسار الدول العربية لا رجعة فيه، قد يتوقّف هذا المسار، وقد يتعثّر، وقد لا يزهر ربيعه الآن، وقد يُخرج أسوأ ما في مجتمعاتنا المريضة من عنف، وانقسام، وكراهية، وسلطوية، وتطرف، وإرهاب، لكن مسار التغيير سيمضي في طريقة لاجتثاث القديم وإحلال الجديد”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق