مقالات الرأي

سورية لكي تحيا

أمام اجتياح القطعان الإيرانية واتباعها المتكالبين، من لبنان ومختلف البلدان التابعة لها، وأمام تهديم البيوت على رؤوس ساكنيها بالقصف الروسي المكمل لبراميل النظام المجرم، يتساوى جميع المجرمين في الجريمة، ويتبعهم في الجرمية السكوت الدولي المتواطئ على ما حلّ في الأرض السورية، وانتهى في أبشع صوره وأفدح نتائجه، بتدمير مدينة حلب وعملية تفريغها من سكانها التاريخيين، ليشكل هذا التفريغ علامة فارقة أو دالة، على إمكانية إسقاط الوطنية السورية وتدمير قدرتها على النهوض، واستمرار تخبطها في جراحها، بين أنياب ومخالب الذئب الروسي، الذي بات يجرجر ذبيحته السورية، بين المنابر الدولية آملًا أن يتمّ وجبته، من دون أن يدفع تكلفتها للطامعين الآخرين أو بإرضائهم بحصص من فتات مائدته الدسمة، بينما كل طرف من جهته، وبالتكامل مع غيره، ينسق ويعقد الصفقات للتقاسم مع أعداء الأرض والبحر والسماء، ونحن كالمخدرين نسير خلفهم، وعدتنا تصريحات لا ينقصها الاعتداد ولا الصلابة والمهنية أمام الكاميرات، على حين أثبتت الوقائع أننا نختبئ خلف أصابعنا، ونسير أو نجرجر إلى وطنية سورية أخرى، سوف تبنى على أنقاض سايكس بيكو وكل ما مثلته لنا، من تجارب، كانت أساسًا للتهالك والخيبات المتراكمة، حتى فقدنا كل أسس بنائنا الصلبة واستبدلناها بنواة مذهبية متصلبة وحيدة، بدت للاعبين الدوليين غير قابلة للتطور، بل مرشحة إلى مزيد من التدهور والانزلاق، نحو هاوية الفشل وتقاسم النفوذ ومصالح الدول، علمًا بأنّ هذه المصالح الدولية المتضاربة والمتجاذبة والمتكاملة هي الضرورة الأساس، التي تقف في وجه إيقاف حربنا ولجم المصالح الذئبية، لإعادة بناء سورية المستقبل، وتحويل خيباتنا وهزائمنا المتكررة حافزًا وعملًا يوميًا، في سبيل بناء وطنية حضارية متقدمة وجديدة!

نعم قد نتعلم، كما تعلّم أحد القادة العسكريين الكبار، من إصرار النملة على إصال حبتها الكبيرة إلى جحرها، بعد أن تراكم فشلنا، حتى صار دالة على غياب الإرادة الحرة الموحدة للسوريين، وعلى خور عزائمهم وتقاعسهم، عن ضرورة بناء عمل مؤسسيّ ممنهج، توجهه رؤية نظرية علمية متكاملة، رغم ما عرف عن امتلاكهم طاقات مهنية وعلمية هائلة وروح شبابية متوهجة   واعدة، ولكنها وبفعل آليات عملنا المتوارث، ظلت طاقات فردية، وراحت تعبر عن نفسها وتؤكد حضورها بأشكال من التشاطر والتسابق، مما أعاق نهضتها الممكنة بالتساند مع يد الجماعة، على حين أجادت دول الغرب التي استقبلتهم استغلال طاقاتهم وتدويرها في ماكينتها الإنتاجية، من دون أي مشككة من هذا النوع الذي عندنا، وهي ما زالت تتوقع منهم، أن يجددوا بدفق دمائهم الحارة دورة إنتاجها وطاقة العمل التي مالت إلى الفتور وتحكّم الروتين والبيروقراطية فيها.

يسهل علينا أن نحمّل المسؤولية لطبيعة أنظمتنا القمعية المستبدة وهي أهل لكل نقيصة، بعد أن أجهزت على استقلال المؤسسات الوطنية وحولت العاملين فيها، إلى براغٍ في ماكينتها الأمنية، ولكن هل يعفينا هذا، من البحث الجاد عن أسباب ذاتية أخرى، قد تكمن في فساد معايير الشفافية الاجتماعية والسياسية وغياب روح المسؤولية، في أسرنا ومدارسنا وجامعاتنا، التي ظلت تكرّر إنتاج أنماطنا الاجتماعية بالوتيرة نفسها، من دون تربية عميقة لوجدانهم الجمعي العام -إن لم يكن بالضد منه- ثمّ أورثتنا كل أمراضها، على الرغم من تباين اصطفافاتنا السياسية والاجتماعية، فظهرت أمراضنا المزمنة حتى في مؤسسات المعارضة التي يفترض، أنها بنت بديلًا، يتمتع بالكفاية والقدرة وروح التشارك والشعور بالمسؤولية العالية، والحرص على مؤسسات حديثة، تتمثل الأهداف الوطنية، بينما أثبتت أنها، لا تقل استهتارًا ولا ضعف مسؤولية وفوضى وفسادًا، لعدم وجود ضوابط أخلاقية ومعايير كفاية وجهاز مراقبة ومحاسبة، يدقق في أعمالها ويتابع نتائجها وأخلاقية القيّمين عليها!

وإذا كان النجاح ضرورتنا الوحيدة، للنهوض الوطني الديمقراطي، فإنّ هذه الضرورة، لا تقوم إلا على مشروع وطني جامع وشامل، يبنى على التشارك التام والمسؤولية والمرجعية الواحدة والنظر إلى كل السوريين أفرادًا وجماعات إثنية ودينية، بوصفهم أطرًا (كادرات) وطنية بناءة، ترتبط أهميتها وتميزها بما تمتلكه من إمكانيات وقدرات وما تبذله من جهد وتضحيات في سبيل ذلك، إذ لم يعد مقبولًا، أن يصنف العالم المتحضر الفرد المواطن، بوصفه رأس المال الوطني الأثمن والأهم، ويظل عندنا أداة ابتزاز أخلاقي وسياسي وثقافي، وأن نربط تميزه وارتقاءه، بمقدار ما يقدمه من خدمات  لهذه الجهة الفاسدة أو تلك!

يفترض بالسوريين المعنيين ببناء الهوية المستقبلية الجامعة اليوم، أن يتوحّدوا خلف مشروعهم  الجديد، بعد أن أيقظتهم سكاكين الطغاة والمحتلين، وفرغت مدنهم من سكانها، وهم بنية استقرارها وتوازنها وقوة صمودها، في وجه التغيير الديمغرافي والخضوع السياسي لصالح مشروع فارسي، أداته نظام لم يعد يخجل من إعلان تابعيته الكاملة لإيران، ولا من دفع ثمن هذه التابعية من حقوق السوريين وثرواتهم وممتلكاتهم، وعلى حساب أمنهم واستقرارهم وظروف عيشهم، حتى جردهم من كل عوامل صمودهم المادية والمعنوية والنفسية، فباتت طاقاتهم المهنية والعلمية موزعة بين دول تتنازعهم، وتستثمرهم رؤوسَ أموال في ماكيناتها الإنتاجية، وأوراق ابتزاز في بازارها الدبلوماسي والسياسي، وتجعل منهم مادة للمقايضة الرابحة!

لقد بات واضحًا أنّ الردّ السوري الممكن والوحيد لمن تبقّى من هيئات رسمية، تمثل السوريين، يكمن في وضع سورية المستقبل، بوصفها مشروعًا وطنيًا شاملًا وجامعًا، يتشارك فيه كلّ السوريين عربًا وكردًا وآشوريين وتركمان وغيرهم، وأن يتفاعلوا جميعًا في سبيل إنجاحه؛ لأن في نجاحه نجاح لإعادة تموضعنا في الهوية السورية الجامعة، من دون أن يخذلنا اليأس، ويذلنا الإحباط المتكرر، بل يجب أن ننطلق من مقولة، لم يفت الوقت بعد، وأن تصل متأخرًا خير من ألا تصل!

إنّ كلّ تباطؤ وتلكؤ في هذا التوجه، نحو إنجاز هذا المشروع الذي كان غيابه سببًا من الأسباب الرئيسة، التي أنهكت قوانا وأضعفت نتائجها إذ لا وطنية حقيقية بلا مشروع وطني علمي ممنهج، وذلك؛ لأن غيابه وتمييعه أو احتكاره من فئة تدّعيه دون غيرها، لا يصبّ إلا في خانة الأعداء الداخليين والخارجيين، ولا يقود إلا إلى مزيد من فشل السوريين في معركة التحدي الشرس التي يواجهونها، وقد تحولهم إلى غجر هذا العصر، ومنبوذيه الجوالين في مختلف الأصقاع والبلدان بلا ملامح ولا هوية ولا انتماء.

مقالات ذات صلة

إغلاق