أدب وفنون

التجربة المُرَّة”.. انقلاب 8 آذار/ مارس 1963

كتاب “التجربة المُرَّة” للدكتور منيف الرزَّاز، يتناول فترة الصراع بين القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي و”اللجنة العسكرية”، والأحداث التي جرت من 8 آذار/ مارس 1963 إلى 23 شباط/ فبراير 1966. وقَّع الرزاز مقدمة الكتاب عام 1966 وقد أهداه: إلى الشهداء. وضحايا التعذيب، من أبناء الأمة العربية، الذين ضحوا في سبيل هدف مازال على الأمة العربية تحقيقه. لماذا هذا الكتاب الآن بعد مضي نصف قرن تقريبًا منذ تأليفه؟ الكتاب توثيق لتجربة مرة لا زلنا نعيش في أتونها، وهو تجربة شخصية صادقة لصاحبه، من موقع المسؤولية، بوصفه أمينًا عامًا لحزب البعث، ولإمساك الكاتب بعددٍ من المفاصل في بنية النظام والدولة اللذين شيدهما حزب البعث منذ انقلاب الثامن من آذار/ مارس 1963 وحركتي 23 شباط/ فبراير 1966 وتشرين الثاني/ نوفمبر 1970، وواقع سورية الوطن والشعب بعد توريث عام 2000 وحتى الآن. يرى الدكتور الرزاز: “كانت حركة 23 شباط 1966 نتيجة طبيعة لكل أخطاء الحزب السابقة. والثور الأبيض أُكلَ يوم 8 آذار، يوم رضي الحزب بأن يحالف حركة عسكرية غير تابعة له تنظيميًا، ولا عقائديًا، من دون أن يضع أي شرط لهذا التحالف، بل تجاوز مرحلة التحالف إلى مرحة الدمج، مسلمًا إياها الحزب دون أن يستلم بالمقابل شيئًا، أو يعرف أين يقف هو من هذه الحركة، وأين تقف منه” ص 192، علمًا أن جميع الضباط الذين كانوا في القيادة القطرية مع الفريق أمين الحافظ وضمهم صلاح جديد إلى حلفه، انتهوا إما إلى السجن وإما إلى اللجوء السياسي! ونفذوا عملية 23 شباط بالهجوم على القصر الجمهوري تم سجن أكثرهم بعدئذ. إن “التنظيم العسكري لم يقبل لنفسه أن يُنظم في الحزب قبل (الثورة)، ولم يقبل أن يضع نفسه تحت قيادة الحزب بعد (الثورة)، وكان حريصًا أن يملك الحزب كما ملك (الثورة) التي صنعها باسم الحزب” ص 96، علمًا أن عدد أعضاء حزب البعث عشية انقلاب 8 آذار/ مارس لم يتعدَ 400 عضوًا، ولم يكن له علمٌ بحركة 28 آذار/ مارس 1962، وكذلك لم يكن له علمٌ رسمي بحركة 8 آذار/ مارس 1963. “كانت الحركة عسكرية محض، هيأ لها ونفذها عسكريون متحالفون، بينهم بعثيون وناصريون وضباط قوميون غير ملتزمين بتنظيم” ص 90. وإذا كانت حركة 23 شباط/ فبراير 1966 حركة القيادة القطرية العسكرية في مواجهة القيادة القومية المدنية، فقد جاءت حركة تشرين الثاني/ نوفمبر 1970 في مواجهة القيادتين، وطوَّبت الحزب والوطن والمجتمع والشعب باسم وكيلها الحصري. الحقيقة التي بدأت تتضح بالتدريج هي “أن هناك حزبين بعثيين في هذا القطر، حزب بعثي عسكري وحزب بعث. وأن القوة الحقيقية الحاسمة هي حزب البعث العسكري” ص 95، ويقرأ الدكتور مستقبل الحكم بعد 23 شباط/ فبراير، قائلًا: “كنا نقدر أن حكمًا عسكريًا صرفًا سوف يقوم، يستعمل اسم الحزب واجهة وستارًا، كنا نقدر أن الروح الانفصالية سوف تسود، كنا نقدر أن كل معنى من معاني الحرية سيُنحَر، وكنا نقدر –أيضًا- أن التناقضات بين هؤلاء العسكريين الذين جمع بينهم تحالف مشبوه، سوف تتعمق وتزداد. ولكن المدى الذي وصل إليه كل هذا، كان أبعد من تقديراتنا جميعًا” ص 199. فهل ضحى النظام بحزب البعث في دستور 2012، والمادة الثامنة التي كانت تتصدر دستور1973، وتنصُّ: أن حزب البعث قائد للدولة والمجتمع، حفاظًا على استمرار النظام والسلطة؟ لم يتابع الأمين العام قراءته لما بعد 23 شباط، وكيف استمرَّ الصراع العسكري المدني، والعسكري- العسكري الذي فرَّغ الجيش السوري من أطره (كادراته) وكفاياته المهنية؛ ما قدم سورية والجيش السوري على طبق لهزيمة 5 حزيران/ يونيو 1967 أمام إسرائيل، ونعفي المرحوم الأمين العام، صاحب التجربة المرة، من قراءة العقود الثلاثة لحركة تشرين 1970، ولما يجري الآن في سورية منذ 15 آذار/ مارس 2011، بتكليف الجيش بمواجهة الشعب والثورة.

وحول رفع حركة 23 شباط الشعارات الطنانة، يقول الرزاز: “الشعار ليس فكرًا، ولا هو تعويض عن الفكر، فهو عنوان، لا أكثر ولا أقل. ولكن حاجتهم إلى الفكر قليلة ما داموا يملكون المدفع والدبابة وأجهزة المخابرات” ص 242. ويفند الكاتب مزاعم الحركة بادعاء اليسار: “ليس في العالم كله يسار قائم على حكم عسكري، وليس في الدنيا بأسرها يسار حقيقي يستحق هذا الاسم، يلغي دور جماهير الشعب الكادحة، ويحلُّ محلها فئةً متسلطة من الضباط، تجعل نفسها بديلًا عن جماهير الشعب. في أي يسار حقيقي مصدر السلطة والقوة يجب أن تكون الجماهير، لا الدبابات والبندقية وأقبية المخابرات” ص 229.

قدم الكاتب تجربته المرة، أمينًا عامًا لحزب البعث، وإن كانت قصيرة، لكنه لم يقدم قراءة نقدية معمقة لهذه التجربة، وعلى الرغم من ذلك؛ يرى أن “العمل في صفوف الجيش كالعمل في صفوف الشعب، واجب حتمي من واجبات اليسار. كذلك لا يمكن للجيش أن يكون قطاعًا محترفًا منفصلًا عن التيارات التي يخوضها الشعب” ص303. وأكد في خاتمة الكتاب “حين تمنع الدكتاتوريات عن الشعب كل وسائل التنظيم وكل إمكانيات التعبير يصبح الانقلاب العسكري أداة التعبير الوحيد في يد السخط الشعبي” 304. ربما علينا أن نختلق الأعذار للرزاز، فعصره ليس عصر الشعوب وحاجتها إلى الانتفاضة والثورة، لذا؛ لم يرَ بديلًا من الدكتاتوريات إلا الانقلابات العسكرية لتأتي بدكتاتور جديد.

قراءة هذه التجربة المرة التي كتبها الدكتور منيف الرزاز مفيدة اليوم، كقراءة كتاب أوكار الهزيمة، للأستاذ هاني فكيكي، وإن لم تصل إلى القراءة النقدية التي قدمها ياسين الحافظ في كتابه الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة. إضافة إلى ذلك؛ غيب الرزاز الحديث عن المؤتمر القومي السادس والقومي السابع، والمؤتمر القومي الثامن لحزب البعث اليساري الذي اعتُمد مجلسًا أول لحزب العمال الثوري العربي، وقد جاء ردًا على عسكرة الثامن من آذار/ مارس 1963، ورفضًا لهيمنة العسكر على البلاد والعباد، وكان أولَ حزب عربي ينشق عن حزب في السلطة.

من الصفحات المشرقة في الكتاب “الدولة ليست هي الشعب إلا إذا كانت الدولة تمثل القوة التقدمية الضاربة من الشعب، لا فئة متسلطة على الجيش وعلى الشعب معًا، سلاحها وقوتها تنبع من جهازها البيروقراطي البوليسي القائم على اضطهاد جماهير الشعب الكادحة والاستبداد بها” ص 228.

 

الكتاب: التجربة المُرَّة – دار غندور نيسان 1967، ص 309، الكاتب: الدكتور منيف الرزَّاز الأمين العام لحزب البعث 1965- 23 شباط/ فبراير 1966.

مقالات ذات صلة

إغلاق