قضايا المجتمع

ألغاز “الحكومة” تحاصر المواطن السوري

أصدر النظام السوري -منذ سنوات- قانون البدل النقدي من “خدمة العلم” للسوري المغترب، ويبلغ سقفه 8000 دولار أميركي، وإذا أخذتُ الأسطر الثلاثة الأولى بمنزلة المشهد الأول في حياة السوري؛ فإن المشهد الثاني الذي يليها مباشرة هو الآتي: عدة رجال من الشرطة أو الأمن يُلقون القبض على مواطن سوري، والتاجر الذي يتعامل معه. المواطن التعيس يحمل مئة دولار يريد تحويلها إلى العملة السورية، أو بالعكس يحمل مئة دولار اشتراها من تاجر العملة (الذي يعمل سرًا” لحساب شلة من كبار المسؤولين الذين لا يطالهم القانون).

ثمة قرار عجيب صدر أيضًا؛ على كل موطن سوري يريد السفر إلى لبنان أن يكون بحوزته ألف دولار! الوضع أشبه بمسرح اللامعقول. فمن أين للمواطن السوري أن يحصل على الدولار! وإن افترضنا أنه يملك مالًا” (في الواقع هو بالكاد يملك ثمن رغيف الخبز لأولاده، ويعتمد على بعض المعونات من الجمعيات الخيرية)، وإن ملك المال وقصد بنوك “الدولة” فلن تبيعه دولارًا واحدًا، وكذلك المصارف الخاصة. لا يبقى أمامه سوى تجار العملة، وهم معروفون واحدًا فواحدًا (أتحدث عن مدينتي اللاذقية)، وكل مواطن فيها يعرف التجار الذين يتعاملون بتجارة العملة، ومعظمهم أصحاب دكاكين لبيع ألعاب الأطفال أو الألبسة، وقد أنشؤوا طابقًا فوق المحل؛ مجهزًا بكاميرات مُراقبة وعدادات المال، وهؤلاء يربحون بالدولار الواحد بين 7 إلى 10 ليرات سورية.

ومن حين لآخر يشهد سكان اللاذقية تمثيلية ملّوها، وحفظوها عن ظهر قلب، وهي ترجّل عدة عناصر من الأمن وقيامهم بمداهمة محل لتاجر العملة والقبض عليه وإهانته وجرجرته أمام الحشد الصامت.

المشهد الثالث الذي حفظه السوريون عن ظهر قلب، هو أن أحد تجار العملة اختارته “الجهات الوصائية” كبش فداء، يقضي عدة أشهر في السجن، ثم يخرج ليعاود تجارة العملة من جديد، كأن شيئا لم يكن، إلى أن يحين موعد حلقة جديدة من “التمثيلية” في شارع آخر، ويكون كبش الفداء تاجر عملة آخر وهلم جرا. والسؤال البديهي، ولا يجرؤ أحد على طرحه أمام مسؤول في “الدولة”: من أين سيحصل المواطن السوري على الدولار، سواء لدفع بدل الجندية عن ابنه، أم ليسافر إلى لبنان، أو أي دولة أخرى!! ولماذا لا يؤمن المصرف المركزي العملة الصعبة للمواطن؛ خاصة لمن يريد السفر منهم؟ في ما مضى كان بإمكان المواطن السوري أن يقصد البنك المركزي السوري أو أحد فروعه ويبرز بطاقة الطائرة، ويحصل على 2000 دولار بالسعر النظامي. حتى في قسم جوازات السفر لشبان لهم وضع معين حين يحتاجون إلى تجديد جواز سفرهم، أو معاملات أخرى، فإن القانون يلزمهم أن يدفعوا بالدولار. وقد دُهشت منذ أسبوعين حين كنت في قسم الجوازات أن ثمة لافتة كبيرة مكتوب عليها تعليمات وتوصيات والعديد من هذه التوصيات تتطلب أن يدفع المواطن بالدولار؟ مشهد الحياة في سورية يشبه مسرحية الإمبراطور العاري، حيث لم يجرؤ أحد من الحشد الذي يتفرج على موكب الإمبراطور العاري أن يجهر بأعلى صوته: الإمبراطور عاريًا، سوى طفل صغير لم يعرف الخوف بعد، بينما ملايين الرعايا أو القطيع كانوا يتغزلون بلباس الإمبراطور. هكذا تريد الدولة السورية من الشعب أن يتغزل بفسادها وقوانينها غير المنطقية وغير المعقولة، و”الدولة” تبتسم بشماته بشعبها الصامت؛ بسبب الخوف وليس بسبب الاحترام. وتكون معادلة العيش في سورية هي الكل يكذب على الكل وتستمر الحياة. لا يمكن التحدث عن لغز الدولار إلا وتبرز ظاهرة “التعفيش” التي صارت فاقعة ولا يُمكن التغاضي عنها، ويا لبراعة اللغة العربية ومجاراتها للأحداث، وأظن أن كلمة “تعفيش” ستدخل قريبًا المعجم اللغوي العربي، وهي السرقة أمام عيون الجميع ومن غير محاسبة، ولا أتحدث هنا عن ظاهرة (سبق أن تناولها كثير من كتاب المقالات وصورتها العديد من الفضائيات)، وهي سرقة البيوت خاصة في كسب وصلنفة وحلب وحمص وغيرها من المدن والقرى.

أخذ “التعفيش” أبعادًا أخرى، فقد انتقل إلى زوجات المسؤولين الكبار، بحيث تدخل زوجة مسؤول كبير، إلى محل صياغة، و”تهبش” من ذهبه ما يعادل ثمانية ملايين ليرة سورية دون أن تدفع قرشًا، ودون أن يجرؤ أحد على مساءلتها، لا بل بارك الأصدقاء لصاحب المحل بأنه محظوظ لأن السيدة لم تأخذ أكثر مما أخذت.

كم من قصص تشابه قصة الرجل المُحاسب في منتصف العمر، وقد اضطر أن ينزح من إدلب إلى اللاذقية وأرسل وراءه أحد التجار، ويملك منتجعًا سياحيًا في القرداحة، وطلب منه تنظيم العمل والعمال في المنشأة، وبعد ثلاثة أشهر من السفر اليومي من اللاذقية إلى القرداحة، كانت أجرة المحاسب صفعات من “شبيحة” التاجر. ورد المحاسب بـ “وصلت الرسالة”؛ إذ ثمة رسالة صامتة تصل من “الدولة” إلى الشعب، منها رسالة الدولار، أي لغز الدولار حيث تُسجن إذا تعاملت به وتُطالب بأن تدفع الآلاف من الدولارات في حالات معينة، ومنها ظاهرة “التعفيش” أي أن تستبيح ملك المواطن وحقه عصابة حقيقية مُقنعه بمناصب خُلبية تنهب الناس ولا أحد يجرؤ على الشكوى من مبدأ: ولمن أشكو حالي. ولا يخفى على سكان اللاذقية الحفلات بالغة البذخ التي تُقام في منتجع روتانا، خاصة، إذ تتباهى نساء المسؤولين (لصوص الشعب) بأن الخياطة قبضت ثمن تفصيل الفستان مليون ليرة، فما بالك بسعر القماش والأحجار الكريمة التي ترصعه، ولا يخجلن من وضع صورهن على الفيس في الوقت نفسه الذي يقلن، وهن يتثاءبن (الله يرحمه) على صورة شاب تحول إلى ورقة نعي (الشهيد البطل) أو مجزرة لأطفال (كمجزرة الحولة) التي وضعت إحداهن صورتها في فستان، قالت إنه طبق الأصل عن فستنان الليدي ديانا حين رقصت مع المغني ترافولتا، ملاصقة لصورة أطفال الحولة الأموات في مجزرة .

مرة قصدت أحد معارفي لأبارك له تحرره من الخطف بعد أن دفعت أسرته خمسين مليون ليرة سورية للخاطفين المعروفين (على سن ورمح كما يُقال)، وبعد دفع المبلغ خرج حيًا بعد عشرة أيام من الخطف قضاها في الحمام، وحين قصدت بيته وبقيت نحو ساعة برفقته ورفقة زوجته (وكلاهما في بداية الثلاثينيات من العمر) لم يتفوها بكلمة واحدة! بل كانت أجوبتهما عن كل أسئلتي: (يكثر خير الله). هل نحن شعب لا يعرف أن يقول سوى: يكثر خير الله!! أو الله يجيرنا من الأعظم! هل نحن شعب: الحيط الحيط ويا رب السترة! هل سيبقى كثير من السوريين قابعين في المنطقة الرمادية لا يجرؤون على الكلام، خوفًا على أولادهم من السجن والاعتقال.

حتى الكلام، الكلام فحسب، يُعدّ انتهاكًا وتجاوزًا للخطوط الحمر التي تعني في سورية تحديدًا خطوط الدم. هل يُعقل أنه بعد حادثة تفجير إرهابية في دمشق أو حلب يذهب ضحيتها مئات المدنيين الأبرياء، نجد الإخبارية السورية تبث برنامجًا عن عظمة هتلر ولينين وستالين!! وتعد سفاحًا مثل ستالين، قتل أكثر من مليوني مواطن روسي، بطلًا وباني روسيا العظيمة، وبأنه حولها من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي! دون أن تشير الإخبارية السورية إلى كونه قاتل للملايين! وهل هذا وقت مثل هذا البرنامج فيما الدم السوري المسفوح في شوارع حلب ودمشق ودير الزور وسلمى لا يزال ساخنًا، وأشلاء الجثث مترامية، وبعضها علق بأغصان الشجر!! هل هذه تغطية للأحداث الطازجة الدموية في الإخبارية السورية بأن يفبركوا برنامجًا عن أكبر سفاحين في التاريخ هتلر وستالين، أو أن يتحفونا بموسيقا كلاسيكية لا يفقهون شيئًا منها. بالكاد يطربون لصياح علي الديك. الخطوط الحمر في سورية هي خطوط الدم. ومن يكتب بصدق يكتب بحبر دمه الأحمر بلون دم الشهداء وأطفال المجازر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق