أبحاث ودراسات

البحث عن الديكتاتور

“وفضلًا عن ذلك، يتلخص في تاريخ الجيش، بوضوح مذهل، كل تاريخ المجتمع المدني”

كارل ماركس، من رسالة إلى إنجلز عام 1857
بعد انفصال العرب عن الأتراك عام 1918، وجد الأتراك الحل لمشكلتهم المزمنة: مشكلة تكوين دولة حديثة، في ديكتاتورية عسكرية علمانية، بدل ديكتاتورية الخليفة والخلافة الدينية، فكانت الديكتاتورية التي أنشاها وتزعمها مصطفى كمال أتاتورك. أما العرب، والسوريون خصوصًا، فقد بدأت رحلتهم في البحث عن تكوين الدولة الحديثة، وعن الديكتاتور العلماني الخاص، متابعين شركاءهم السابقين في السلطنة العثمانية: الأخوة الأتراك.

في معركة خاضها مشروع الديكتاتور العسكري العربي، السوري الأول، سقط يوسف العظمة شهيدًا أمام غزو قوات الجنرال غورو في ميسلون عام 1920، وأتى الانتداب الفرنسي ليحوّل الاتجاه في تكوين الدولة المستقلة الحديثة إلى المعركة ضد الانتداب في سبيل الاستقلال، وخلال ذلك، ربما كان الدكتور عبد الرحمن شهبندر 1879 – 1940، هو مشروع الأتاتورك المدني لسورية آنذاك، إلى أن أتى الاستقلال عام 1946.

من بقايا الجيش العثماني وتشكيلات القوات التي أوجدها الفرنسيون (جيش الشرق) أتى مشروع الديكتاتور الأتاتورك العسكري الأول في مرحلة الاستقلال، الزعيم حسني الزعيم الذي لم يمهل دولة الاستقلال إلاَّ ثلاث سنوات، ثم انقض على السلطة، محاولًا تقديم نفسه أتاتوركًا سوريًا علمانيًا، لكن الزعيم حسني كان مندفعًا وأهوج أكثر من اللازم، على ما يبدو، ويفتقر إلى صفة أساسية من صفات الديكتاتور الأتاتورك، ألا وهي الهدوء الظاهري على الأقل، والتخطيط بعيد المدى، والدهاء وإتقان لعبة التوازنات ما بين القوى السياسية والعسكرية، مثلما ما بين النفوس البشرية، فحتى الديكتاتورية تقتضي بعض الكياسة.

سقط الديكتاتور الأتاتورك الأول سريعًا تحت سنابك ضباط صغار، وبعد خطوات تكتيكية قصيرة، تقدّم مشروع الأتاتورك الثاتي الرابض خلف الباب والكواليس، وخلف الزعيم الأتاتورك الضعيف، اللواء سامي الحنّاوي، الذي انقض على حسني الزعم، إذ تقدم العقيد أديب الشيشكلي عام 1952.

كانت لدى الشيشكلي سمات كثيرة من سمات الديكتاتور الأتاتورك القوي؛ فلديه نوع من الكاريزما، وهو ما يحتاجه كل أتاتورك، ولديه (مشروع وطني) وهو ما يحتاجه، أو يدعيه كل ديكتاتور، ويعرف العلاقة بين الحكم والجيش والسياسة، وهوما يحتاجه السياسي، لكنه كان أضعف شكيمة، وربما أكثر وطنية، من أن يرتكب مجازر كبرى لشعبه في سبيل بقائه، أو أن يكون حاسمًا في تصفية رفاقه، أو كل من يتحرك من شعبه وضباطه الصغار ضده، على الرغم من استعراض القوة المحدود في السويداء.

ببساطة؛ لم يكن الشيشكلي من الديكتاتوريين الذين هم على استعداد لتصفية شعوبهم، أو أكثرها، أو الدخول في حربٍ أهليةٍ في سبيل بقائهم. لهذا آثر الرحيل عام 1954 آملًا في فرصةٍ لم تسنح لشخصه، بل أتت عبر شخص آخر ستعرفه سورية بعدئذ.

انقلب على الشيشكلي طغمةٌ من الضباط الأتاتوركيين، مشروعات الديكتاتوريين الصغار، وكانوا أكثر من عشرين مشروع ديكتاتور صغير، ولا داعي لذكر الأسماء، فهي معروفة لدارسي تاريخ سورية، مع أنها سقطت في غيهب النسيان. لقد سقطوا جميعًا في سلةِ مهملاتِ التاريخْ، ولن يذكرهم أحد إلا بوصفهم مشروعات مجهضة وبائسة، وطغاة مضمرين، صفّاهم ديكتاتور أكبر اختاروه بأنفسهم، وبالأحرى لجؤوا إليه بعد أن عجزوا عن التسليم بأتاتوركية واحد منهم، على الأصح.

التفصيل: عندما لم يستطع أي أتاتورك، أو ضابط، أو ديكتاتور سوري صغير، سمه ما شئت، أن ينصّبَ نفسه (واحدًا إلى الأبد) كما يليق بالديكتاتور، إذ لجأت مجموعة الضباط الأتاتوركيين السوريين الصغار، الذين سيطروا على الحكم في سورية، من وراء الستار البرلماني الديمقراطي، ما بين 1654 و1958، بعد أن انقلبوا على الشيشكلي، إلى استيراد (أتاتورك جاهز) من مصر الشقيقة.

كان هذا الأتانورك المصري الكبير قد صفّى الحساب مع رفاقهِ من محمد نجيب إلى خالد محي الدين، وأنهى السياسة المدنية في بلده، وألغى الأحزاب، وبدأ مشروعه الديكتاتوري الأتاتوركي الخاص. هذا الأتاتورك الديكتاتور هو البكباشي جمال عبد الناصر، كما معروف لدى القاصي والداني.

ذَهَبَتْ طغمةُ الضباط السوريين الأتاتوركيين الصغار، وقدمتْ الطاعة والولاء في القاهرة، ودون استشارة، أو إذن حكومتها المدنية، للبكباشي الكبير جمال عبد الناصر، وعلى ضوء مشاعر ومشاعل الوحدة العربية القوية دومًا وتاريخيا لدى، وبين، (الأخوة السوريين) لأسبابٍ معروفةٍ، وسنذكر بعضها في مكان آخر، فكان أن كافأ البكباشي المحنك جمال عبد الناصر، الضباط الأتاتوركيين الذين (بايعوه) بأن قضى على إمكانية استمرارهم في حلمهم الأتاتوركي الديكتاتوري الشخصي، أو منافسته، على الأصح، فأبعدهم من الجيش، وجعل منهم (وزراء في مكاتب) بكل أبهة الوزراء المركزيين والإقليميين. فالبكباشي الكبير كان بعرف ما يجول في نفوس هؤلاء الضباط الأتاتوركيين الصغار المغرورين، وربما الساذجين الذين ظنوه ساذجًا، وهو لن يسمح لهم أن يلعبوا معه اللعبة التي لعبوها مع صديقه هو، وعميدهم؛ العقيد أديب الشيشكلي فينقلبوا عليه. وهنا استراح هؤلاء المغفور لهم جميعًا في بيوتهم، يجترّون بطولاتهم وأمجادهم الوهمية، وتلقف عبد الناصر من صديقه الشيشكلي فكرة (الحزب الواحد)، فالديكتاتورية يجب أن يكون لها (حزب واحد) مفصل على مقاس (الديكتاتور الواحد) أو الأمير الواحد، والأمير في العصر الحديث هو (الحزب) وليس الشخص الفرد، وإن كان ديكتاتورًا، كما يقول انتونيو غرامشي، ولهذا على الديكتاتور أن (يفصّل) واجهةً سياسيةً حزبيةً عصريةً، أو أن (يطوّعَ) حزبًا موجودًا، ليكون أداةً للديكتاتورية وستارًا لها. ألم يفعل ذلك ستالين وهتلر وموسوليني، ثم كمال أتاتورك؟ فلم لا يحاول ذلك أديب الشيشكلي في (حركة التحرير العربي) وعبد الناصر في (الاتحاد القومي)؟

لكن سورية قررت مع ذلك، أي: مع عبد الناصر، أن تظل تبحث عن ديكتاتورها، أو أتاتوركها الخاص، من اللون والعيار السوري، ولهذا كان طبيعيا أن يولد في صفوف الضباط السوريين جيلٌ جديدٌ من مشروعات الديكتاتوريين الأتاتوركيين الصغار خلال عهد عبد الناصر السوري، وتحت معطفه، وأن يحاولوا استئناف مسيرة (البحث عن الديكتاتور الأتاتورك) السوري الخاص، وقد ولدت هذه الطغمة فعلًا، وقامت بفعل حسبه الآخرون، أو ذوو المشاعر القومية الجياشة والنوايا الحسنة (جريمة شائنة)، بينما هو فعل عادي لطغمة، أو مؤسسة عسكرية، استئناف محاولة استيلاد وتصنيع الديكتاتور السوري الخاص، بدل استيراده، أو استعارته من الشقيقة الكبرى؛ مصر.

وهكذا قامت المجموعة التي سُميت (ضباط الانفصال) بتسفير المشير عبد الحكيم عامر، (ديكتاتور سورية النائب) على متن طائرة، عائدًا إلى القاهرة عام 1961. ثم مضوا هم كذلك إلى حال سبيلهم، فقد كانوا أهون شأنًا من أن يفعلوا شيئًا إلا إبعاد الديكتاتور الأكبر، ثم غابوا كأي مشروع أتاتورك مخفق آخر مضى، أو مر على سورية.

الجيش السوري كان أمًا لا تلد إلا توائم، بل مجموعات جراء، مجموعات من الطغاة الضباط، بالقوة، بحسب فلسفة أرسطو، مشروعات الأتاتوركيين الديكتاتوريين، وكيف لهؤلاء أن يرضوا بجريمة شائنة مثل (جريمة الانفصال) وضرب القومية والوحدة العربية؟ معاذ الله.

وهذا هو مكر الضباط الأتاتوركيين، وهو مثل مكر التاريخ عند هيجل؛ واضح وبسيط، ولكنه مفاجئ، إذ لم يعد هؤلاء وصل ما انفصل من وحدة، ولم يعيدوا الأتاتورك السابق عبد الناصر، بل كانوا أكثر إمعانًا في (الانفصال). ومن ذكريات القومية والوحدة العربية وعبد الناصر العزيزة على السوريين ابقوا على صفة (العربية) مضافة إلى الجمهورية السورية. وهكذا بقيت (الجمهورية العربية السورية) ندًا وبديلًا للجمهورية العربية المتحدة، وكفى الله المؤمنين شر القتال والوحدة، فالصفات تنوب مناب الموصوفات في اللغة العربية.

لكن (المرحلة التاريخية) كما يقولون، كانت ما تزال تبحث عن ديكتاتورها، أو عن أتاتوركها. وقد أثبت كل من جاء قبل 1963 من مشروعات الأتاتوركية الديكتاتورية أنهم ليسوا على مستوى الأتاتورك المطلوب.

وهكذا ولدت الأم سورية عام 1963 مجموعة جديدة من الضباط الديكتاتوريين الصغار الذين سرعان ما صفى بعضهم بعضًا تصفياتٍ دمويةٍ هذه المرة، خلال الفترة ما بين عامي 1963 و 1970، إلى أن أتى الديكتاتور الأتاتورك (ضابط الكل)؛ عصارة التجربة الديكتاتورية الأتاتوركية السورية، سليل طغمة الضباط؛ مشروعات الأتانوركيين السوريين، من حسني الزعيم إلى عبد الحميد السراج إلى سليم حاطوم وأمين الحافظ وصلاح جديد، وأظنكم عرفتموه: إنه الفريق الجوي الركن حافظ الأسد، الذي سرعان ما أصبح (قائد المسيرة إلى الأبد)، ورئيس الجمهورية، والأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي، والقائد العام للجيش والقوات المسلحة.

استمرت هذه المسيرة (إلى الأبد) من عام 1970 إلى عام 2000، أما الحزب، أو الغطاء السياسي، فقد كان جاهزًا هذه المرة، ومدعمًا بـ (جبهة وطنية تقدمية).

ثم أسلم الروح هذا (الأبد)، ولكن بعد أن أورث ابنه الثاني (أبدًا صغيرًا، أو يافعًا، بعد أن كان قد ابتدع طقوس عبادة ابنه الأول، فجاء بجديد في التقاليد الشرقية هو: عبادة الأخلاف بدل عبادة الأسلاف.
ظلت مشكلة حافظ الأسد أنه كان ديكتاتورًا بلا كاريزما، ولهذا بدت دكتاتوريته عنفية وعارية، وبلا إنجازات كبيرة، على الرغم من مشروعها الكبير المخفق، عكس كمال أتاتورك.

أدرك حافظ الأسد، بثافب بصره وثاقب مطامعه ومصلحته ونفسيته، أن سورية، ومنذ عام 1949، أو ربما منذ مرحلة دولة الاستقلال كانت تبحث عن ضابط أتاتورك ودكتاتور، مثلما تبحث امرأة شكسة عن رجل عنيف وشرس، أكثر مما تبحث عن حب أو (زواج شرعي)، أو تكوين (عائلة محترمة)، فندب نفسه لهذه المهمة، فهو قد جُبِلَ من الطينةِ نفسها التي جُبِلَتْ منها هذه المرأة، فحمل سوطه، وعرف أن البداية إنما تكون، وكما علم عبد الناصر؛ إبعاد كل الطغاة الأتاتوركيين الصغار المحتملين، ولكن إلى السجون والقتل هذه المرة، وليس إلى الوزارات، من سليم حاطوم إلى صلاح جديد إلى محمد عمران، إلى عبدالكريم الجندي.

أما زياد الحريري وأمين الحافظ ولؤي الأتاسي فقد صفاهم بالاشتراك مع لجنته العسكرية، وإمعانا في إجراءات (السلامة العامة) فقد قرر هذه المرة أن على هذه المرأة التي تلد مجموعات من جراء الطغاة ومشروعات الضباط الأتاتوركيين، ألا تلد إلا الجراء الوديعة، فأنشأ (الجيش العقائدي) وأنهى السياسة في الجيش، فهو (جيش عقائدي)، وقرر أن عصبية القرابة والعائلة ونظرية ابن خلدون في العصبية، مع إفساد الناس وشرائهم وتهديدهم، هي أساس الدولة. وأساس الدكتاتورية، ثم مضى في طريقه عنيفًا، لدرجة أن كثيرين سجنوا في زمنه أكثر من عشر سنوات؛ لأنهم حملوا ورقة فحسب، أو منشورًا سياسيًا مضادًا لدكتاتوريته.

أضف إلى ذلك؛ أن الحزب السياسي كان جاهزًا، بوصفه ستارًا لهذه الأتاتوركية الدكتاتورية؛ حزب البعث الذي لا يعرف المرء منذ أن تولى حافظ الأسد السلطة: هل هو حي فيرجى، أم هو ميت فينعى، كما قالت الشاعرة الخنساء عن أخيها صخر (كوما).

ومنذئذ لم نعد نسمع، إلا قليلًا، عن جيش انقلابات ومشروعات طغاة صغار، بل صار الجيش مؤسسةً أمنية، هدفها المحافظة على ديكتاتورية الحاكم، وبعد أن أدى دورًا أخيرًا مشرفًا عام 1973، انسحب في عهد ابنه ووارثه؛ ليحارب في حماة ودير الزور وجسر الشغور والبو كمال عام 2011.

 

ملاحظات:

1- في تحرك يشي بأن سورية تحاول أن تلعب دورًا أكبر من قوتها، كما سنبين بعدئذ (في فصل آخر)، أرسلت سورية جيشها خارج حدودها بعد الاستقلال مرات كثيرة، وكأنها تحاول لعب دور إقليمي، فقد ذهب الجيش السوري إلى الأردن مرتين (1957 – 1970)، والى العراق عام 1963، وإلى لبنان عام 1976 وإلى السعودية عام 1992، ضمن التحالف الدولي ضد (الشقيق) صدام حسين.

2- طوال مئة عام الماضية والعرب يحاولون تقليد النموذج الأتاتوركي التركي، وقد أخفقوا في ذلك، واليوم (2011) يقترح الأتراك على السوريين والعرب النموذج الإسلامي التركي. أعتقد أن النتيجة لن تكون أفضل، فالمجتمعات العربية الحديثة إما أن تبنى على أساس مدني علماني، ديمقراطي، أو تخرج من التاريخ. فلا أتاتوركية نفعت، ولا إسلامية تنفع. مع أن السيد رجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء التركي، يتحدث بكلام طيب عن علمانية الدولة بوصفها نظامًا سياسيًا، مع حرية العقيدة للمواطنين.

3- إن أوضاع الجيش السوري وكثرة طغم الضباط المتنافسة على الديكتاتورية هي ما جعل خالد العظم، في مذكراته، يندم ويأسف؛ لأنه تعاون مع الجيش وضباطه في السياسة. أما صبري العسلي، فقد قال لشكري القوتلي: (إن جيش حسن الخراط أكثر انتظاما من هذا الجيش السوري، وأكثر انضباطا في قيادته، فاستقل حتى اتبعك ونترك الأمر لهم، وإلا فالحالة لا تطاق) كما يروي اسعد الكوراني في مذكراته . والمعروف أن شكري القوتلي كان له رأي مشابه، وربما أشد عنفا بضباط الجيش السوري.

4- مرة سألني دبلوماسي مغربي يعمل في الجامعة العربية، بعد أن توطدت الثقة بيننا، وكنا في اشبيليا: أنتم السوريين، لماذا أصبحتم هكذا؟ بعد أن كنتم القدوة والمنارة لنا وللشعوب العربية.

5- في سياق هذا التاريخ لمشروعات الأتاتوركية الديكتاتورية، أيضا، هنا أسماء بعض الضباط مشروعات الديكتاتور الأتاتورك الذين صُفِّى بَعْضُهُمْ أيضًا اغتيالًا مثل العقداء: غسان جديد، محمد ناصر، عدنان المالكي. أضف إليهم اغتيال كل من سامي الحناوي وأديب الشيشكلي في المنفى.

6- كان حافظ الأسد يريد، حقًا، لسورية أن تقف شامخة على قدميها، ولكن شريطة أن يكون هو، وتاليًا، ولده على رأسها، وهذه طريقة في التفكير والسلوك أدت إلى ما نعيشه الآن، على فرض حسن النيّة، أي أن حافظ الأسد كان يريد (الاستقرار) لسورية ويجنبها مغامرات الضباط الأتاتوركيين التي يعرفها جيدًا.

7- في التجربة المصرية، قبل جمال عبد الناصر، وقبل كمال أتاتورك في القرن العشرين، كان محمد علي في القرن التاسع عشر محاولة الديكتاتور الأتاتورك (العربي) الأول، فقد حَلُمَ محمد علي بتجديد الخلافة العثمانية، وعندما أخفق فكر ابنه إبراهيم باشا بدولة عربية، لكن النتيجة كانت أن محمد علي قنع بحكم عائلته مصر. وهكذا صغرت أحلام محمد علي من تجديد الخلافة الإسلامية في إسطنبول، إلى القناعة بحكم عائلته مصر. ثم حاول أحمد عرابي أن يكون (أتاتورك) مصر الخاص. ويبدو أن ديكتاتور سورية الأتاتوركي تعرض لمسار مشايه؛ فحافظ الأسد البعثي كان يحلم بالوحدة العربية، وعندما حكم سورية فكر بجبهة شرقية، أو ببلاد الشام، لكنه، عندما أخفقن قنع بتوريث ابنه، أو حكم عائلته على الأصح (خديوية أخرى على نمط خديوية محمد علي). أما أتاتورك تركيا، في القرن العشرين، مصطفى كمال أتاتورك، فقد كان صارمًا في معاداة الاستبداد والوراثة وصادقًا في جمهوريته وعلمانيته، وربما لهذا نجح، حيث أخفق العرب الآخرون المقلدون له، أي لكمال أتاتورك وتجربته.

 

[1] هذا الفصل الثاني من كتاب مائة عام من العذاب : محمد كامل الخطيب : منشورات : بيروت 2011 – الصفحة 41 – 50، و هذا الفصل هو أساس ومخطط توجيهي لبحث مطول أعمل عليه منذ سنوات عن : الجيش والحكم: التجربة السورية.

مقالات ذات صلة

إغلاق