تحقيقات وتقارير سياسية

الثورة السورية وثورات الربيع العربي

في الذكرى السادسة للثورة السورية تجدر مقارنتها ببقية ثورات الربيع العربي، من حيث البداية والنهاية. كانت البداية في تونس يوم 17 كانون الاول/ ديسمبر 2010، بتظاهرة محدودة للتضامن مع مواطن (البوعزيزي) أضرم النار في جسده؛ احتجاجًا على الإهانة والعسف، واتسعت التظاهرات بعد موته، فتحولت إلى ثورة شعبية عمّت المدن كافة، مطالبة بإسقاط النظام. في14 كانون الثاني/ يناير 2011 اضطر الديكتاتور زين العابدين بن علي للهرب خارج البلد، وسقط نظامه، وفرض الشارع إرادته وسط ترحيب عالمي.

حفّزت التجربة الشارع المصري، فتحرك في 25 كانون الثاني/ يناير مطالبًا بسقوط فرعونه أيضًا. واستقطب الحراك ملايين الشباب، وتحوّل ميدان التحرير في القاهرة إلى قاعدة ارتكازية للحراك المدني الثوري.

بهرت الثورة الرأي العام العالمي، وكسبت تعاطفه وأرغمت الرئيس حسني مبارك على التنحي في 11 شباط/ فبراير، ثم أُعتقل وأحيل للمحاكمة مع أركان نظامه ونجليه: جمال وعلاء.

انتصار الثورة المصرية أخرج التجربة التونسية من وضعية الاستثناء إلى (القاعدة) أي قابليتها للتكرار ضد الطواغيت، فانتقلت العدوى الى اليمن في يوم تنحي مبارك 11 شباط/ فبراير، لأن سقوط طاغية مصر في ثلاثة أسابيع أغرى اليمنيين بتكرار المحاولة لإسقاط طواغيتهم. ومع أن اليمن غابة سلاح ومجتمع تتقاسمه القبائل تغلبت “الحكمة اليمانية” واحتكم الجميع للسلمية والاعتصام على الطريقة المصرية والتونسية، وتدخلت دول الخليج الشقيقة بمباركة دولية، وأرغمت الرئيس صالح على تسليم سلطته لنائبه في 23 تشرين الثاني/ نوفمبر، ولكنه عاد وتحالف مع الحوثيين وإيران للانقلاب على السلطة الشرعية في صنعاء في 21 أيلول/ سبتمبر 2014 وأغرقوا البلاد في حمام دم واحتراب أهلي وقبلي مستمر حتى اليوم بعد ست سنوات.

أما ليبيا الواقعة بين تونس ومصر، وتشترك معهما في كثير من الخصائص، فقد انتقلت عدوى الثورة اليها بعد تنحي مبارك (17 شباط/ فبراير) بستة أيام فقط، وتحدى شعبها طاغوته المتأله معمر القذافي.  وعلى الرغم من أنه تنبه إلى الاعصار، واستعد له بعد سقوط جاريه الأيمن والأيسر، بيد أن “الحذر لا يمنع القدر”، فاندلعت الثورة في أوضاع صعبة، وقوّضت سلطة وهيبة القذافي بإسناد من مجلس الأمن الدولي في 19 آذار/ مارس. تدخلت عدة دول غربية بطيرانها الحربي لدعم الثوار وتدمير قوات القذافي. وخلال شهور قليلة سقط النظام وقتل الطاغوت في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2011.

اجتاح الربيع العربي أربع بلدان قبل أن يقرع أبواب سورية، على الرغم من أنها بالمقاييس الموضوعية، أكثر منها قابلية للانفجار؛ بسبب ارتفاع منسوب القمع فيها إلى أقصاه، وانعدام الحريات، وتفشي الفساد، وطول عمر نظامها الشمولي. فتونس ومصر واليمن على الرغم من استبداد أنظمتها تعدّ “فردوسًا” للحريات مقارنة بسورية، ويبقى نظام القذافي الأقرب إلى نظام الأسد، ومع ذلك ثارت الشعوب الأربعة، ونجحت في غضون أسابيع بإسقاط اثنين من حكامه، وإضعاف الآخرين.

تأخر سورية عن الانضمام إلى الربيع العربي، أغرى طاغوتها بالتبجح، فزعم أن أوضاعها لا تحتاج لثورة! ولكن الواقع كان يخبئ له مفاجأة أخرى. فانفجرت الثورة في منتصف آذار/ مارس زلزالًا مدمرًا، تتعذر السيطرة عليه. فالنظام استخدم أقصى ما يحوزه من أسلحة قتل وأساليب إرهاب لإخمادها، ولكن البطش أعطى نتائج عكسية، وزودها بالطاقة للتجذر والاستمرار. استنجد النظام بحلفائه واحدًا بعد آخر: “حزب الله” اللبناني، الحشد الشيعي العراقي، الحرس الثوري والباسيج الايرانيين، مرتزقة افغان وباكستان، وعندما أفلس هؤلاء وأوشك على السقوط، تدخلت روسيا في أواخر 2015 بكل جبروتها العسكري، واستعملت أحدث أسلحتها بأقصى طاقة عنف ممكنة، ولكنها بعد سنة ونصف من المحاولات المحمومة لإخماد الثورة وإرغام المعارضة على الرضوخ لشروط الأسد، استخلص الكرملين حتمية التغيير السياسي الجذري سبيلًا للسلام والاستقرار، وبدأ يبحث عن مخرج له بأقل الخسائر!

باتت الثورة السورية حقيقة جيوسياسية إقليمية ودولية تتسلح بشرعية شعبية واسعة، وشرعية دولية كرستها الأمم المتحدة بقرارات عديدة صدرت عن الجمعية العامة ومجلس الأمن، وهي متجهة إلى نصر يؤدي إلى تغييرات عميقة في النظامين: الإقليمي والدولي، وهي نتيجة فائقة الأهمية، تؤهلها للتميز والتفوق على ثورات الربيع العربي الأربع الأخرى في ضوء النتائج والحقائق التالية:

الثورة التونسية انتهت إلى نصف ثورة، أو نصف نجاح، نتيجة مساومة بين قوة المعارضة الرئيسة (حركة النهضة) والدولة العميقة، ممثلة بالنخب البورجوازية والبيروقراطية التي مثلهما الرئيس الباجي قايد السبسي، الابن البار للنظام البورقيبي القديم، وشكل حزب (نداء تونس)، جمع فيه أنصار القديم.

وبعد ستة أعوام يعترف الجميع بالعجز عن تحقيق أي نجاح اقتصادي واجتماعي، بينما تؤكد منظمات المجتمع المدني أن الشرطة ما زالت تمارس التعذيب كما كانت قبل الثورة، وتتحمل حركة النهضة المسؤولية عن فشل الثورة؛ لأنها تنازلت عن السلطة طوعًا مقابل أن تبقى شريكًا ثانيًا بعد أن فهمت رسائل الثورة المضادة الآتية من الخارج، وخاصة من القاهرة!

الثورة المصرية انتهت فشلًا ذريعًا. وهي نتيجة تراجيدية؛ لأن التقدميين العرب عدّوا -دائمًا- القوى الاجتماعية المصرية (الطبقة العاملة، الاحزاب، الحركات الطلابية، النسائية، المجتمع المدني، المثقفون) الأكثر تبلورًا وأهلية للثورة على الصعيد العربي، ولكن هذه القوى أيدت الحركة العسكرية لتصفية الثورة عام 2013، وخانت النخب التقدمية واليسارية والليبرالية وبعض الاسلامية مبادئها، وباركت عودة العسكر للحكم وقيام نظام أشد استبدادًا من نظام مبارك. والتعبير الرمزي لهذه النهاية الفاجعة تبرئة القضاة مبارك ونجليه من الجرائم التي اقترفوها خلال الثورة وقبلها.

الثورة الليبية انتهت حربًا أهلية بين قبائل تحترب بالوكالة عن دول وأنظمة معادية بطبيعتها للربيع العربي ومؤيدة للاستبداد، على الرغم من أن تجانس الشعب الليبي، مثله مثل الشعبين: التونسي والمصري، يلغي مسوغات الاحتراب الذي أكل الأخضر واليابس، ويهدد بتقسيم ليبيا، وأبرز أبطاله الجنرال خليفة حفتر حليف السيسي وبوتين.

الثورة اليمنية فشلت كذلك، وتحولت حربًا قبلية وأهلية تغذيها قوى خارجية، ومن الخطأ تحديد هذه النهاية بانقلاب الحوثيين والرئيس السابق الذي خلعته الثورة علي صالح، على الشرعية في أيلول/ سبتمبر 2014، لأن انتكاسة الثورة حدثت عندما قبلت قواها السياسية حلًا وسطًا مع النظام القديم، ومنحته الحصانة بموجب المبادرة الخليجية في أواخر 2011.

ثورات الربيع العربي الأربع انتهت بين فشل كامل، أو نصف فشل، بينما الثورة السورية تتجذر وتتشبث بأهدافها وتشق طريقها إلى النصر، على الرغم من أن التحديات الخارجية التي واجهتها أقوى وأصعب ما واجهته الثورات الأخرى مجتمعة.. وهذه ميزة جوهرية تسمح بإعادة تركيب وترتيب ثورات الربيع العربي الخمس، وتضع الثورة التي جاءت أخيرة في المقدمة!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق