مقالات الرأي

حتمية زوال السلطة في دمشق

ليس الحديث عن زوال الجماعة الحاكمة في دمشق مجرد تفاؤل رغبوي، بل هو ثمرة تفكير في حياة البنية التي فقدت أكثر عناصرها، وما عادت عناصرها بقادرة على أن تقوم بالوظيفة نفسها التي كانت تقوم بها قبل انطلاقة الثورة السورية.

لقد قامت بنية النظام التي أشادها اللواء حافظ الأسد بعد انقلابه الكارثي عام 1970 على ثلاثة عناصر أساسية، وجملة من العناصر الثانوية. أما العناصر الثلاثة الأساسية والمترابطة وظيفيًا: الرئاسة والجيش والأمن. أما العناصر الثانوية التي ظلت ذات طابع شكلي جدًا فهي: حزب البعث الذي كان -دستوريًا- قائد الدولة والمجتمع، ويقود جبهة وطنية تقدمية، ثم مجلس الشعب الذي يُعين، ثم تجري عملية انتخابه القسري والمزور، وأخيرًا جملة من المؤسسات المُهيمَن عليها من العناصر الأساسية.

كانت العناصر الثلاثة الأساسية تحتكر القوة، واستخدامها خارج أي مسوغ أخلاقي وقانوني، ودون وجود أي قوة مجتمعية رادعة.

هذه العناصر الأساسية فقدت احتكارها للقوة، وصارت، هي ذاتها، موضوعًا تُمارس عليه استخدام قوة جديدة نشأت بفعل الاستخدام غبر الأخلاقي وغير القانوني لقوتها. وأمام ضعف العناصر الثلاثة هذه أسست السلطة ميليشياتها الخاصة بها، وصارت شبه مستقلة بقوتها، وغير خاضعة لسلطة الأمن والجيش المنهارتين، واستقدمت السلطة قوة أخرى ميليشياوية ودولية، رغبة في البقاء، ومن ثم؛ فقدت أكثر فأكثر احتكارها للقوة، وصارت حالًا من حالات القوة أمام حالات أخرى من القوى النقيضة. فانهارت عناصر بنيتها وصارت تفعل، ليس بوصفها جزءًا من البنية المتماسكة السابقة، وإنما عناصر بنية منهارة، وفقدت العناصر الشكلية الأخرى وظيفتها؛ لأنها ذات ارتباط وطيد من العناصر الأساسية.

بتعدد القوى الفاعلة في تحديد مستقبل سورية، سواء قوى داخلية أم خارجية، فإن استعادة البنية القديمة صار ضربًا من المستحيل، وبخاصة أن منابع القوة البشرية للسلطة من الفئات الفقيرة باتت على وشك النفاد، وأن عصبيتها من الفئات الوسطى والفئات الغنية ليست من منابع القوى المقاتلة، والاعتماد على منابع خارجية من فقراء لبنان والعراق أمر غير قابل للاستمرار في حال بقاء الصراع فترة طويلة مع تعدد القوى الفاعلة فيه.

من هنا، فإن زوال البنية المنهارة تاريخيًا أمر حتمي. فليس من شيمة التاريخ أن يُعيد الحياة إلى بنية قد انهارت، ولسنا نعرف حالة من حالات كهذه.

وإذا أضفنا إلى ما سبق الانفصال شبه المطلق بين الأغلبية السورية والسلطة العنفية الحاكمة، وما ولدته السلطة عبر عنفها من أحقاد تحتاج إلى وقت طويل لاندمالها، أدركنا استحالة بقاء البنية المنهارة، فضلًا عن ذلك؛ فإن المؤسسات التي كانت تقوم بعملها على الرغم من الهيمنة الأمنية عليها، لم تعد لديها القدرة المادية والواقعية والأخلاقية على ممارسة سلطتها المدنية، ولم يعد الشرط الاقتصادي الذي بدونه لا وجود للدول أصلًا فاعلًا في مد السلطة بأسباب الحياة.

فمع انهيار قيمة العملة السورية، وتدمير السوق الاقتصادية الواحدة، وفقدان الثروة القومية: النفط والقطن والحبوب، وتراجع الصناعات المحلية، واستمرار نهب المال العام عبر الفساد الذي لم يستفد من الدرس السوري بل ازداد وقاحة، فإن العنصر الفاعل في تزويد المؤسسات للاستمرار في عملها قد أصبح في خبر كان.

وبسبب أن البديل الوطني الديمقراطي لم يتكون بنيةً صاعدة في أحشاء البنية القديمة، وبسبب ظهور قوى ذات عقل يفكر بالغنيمة، ولا ينطوي على أي إمكان للانتصار كـ “داعش” والنصرة، فإن طبيعة الصراع -هذا- قد أخذ صيغة صراع متعد القيم. فالسلطة الحاكمة، وقد رأت في التيار الوطني الديمقراطي السلمي عدوها الأساس، وكان يتشكل من الشباب الجديد المتميز بثقافته الحديثة، استخدمت بحقه أعلى درجات العنف والإبادة الجسدية، لقادة الصف الأول والثاني، ظنًا منها أن قوى الغنيمة أقل خطرًا عليها من القوى الشعبية، فإنها حافظت على بقايا عناصر بنيتها القديمة دون بنية.

وعليه، فلا يمكن التفكير بسورية المقبلة إلا انطلاقًا من هذه الواقعة… واقعة زوال السلطة الحتمي.

مقالات ذات صلة

إغلاق