تحقيقات وتقارير سياسية

حلم السوريين المخطوف وأمل تبعثه الذكريات

يبدو الحديث عن بدايات الثورة السورية، مع دخولها عامها السابع، بعيدًا عن الواقعية في ظل قساوة المشهد الحالي للسوريين، لكن الذكريات الأولى لانتفاضة السوريين في وجه الظلم تغدو دفاعًا مستمرًا عن الحياة، على الرغم من وجوه الموت التي تحيط بنا في كل مكان.

(سومر. و) شاب ثلاثيني، تراءت له المظاهرات المليونية في اللاذقية، مع سقوط جدار الخوف الذي بناه النظام في عقل السوريين، لكن حلمه لم يدم طويلًا حين واجه شباب قريته في مظاهرته الأخيرة ضد النظام.

قال:” انتهز لاعقو أحذية النظام من مسؤولي محافظة اللاذقية، الفرصة لإثبات ولائهم، فجمع مدير زراعة اللاذقية، بتنسيق مع شبيحة اللاذقية، متعاقدو الأحراش الزراعية لقمع المتظاهرين بالعصي، وبدلًا من أن نواجه بعناصر النظام الأمنية واجهنا أقرباءنا وجيراننا”.

لعبُ النظام على استثمار المدنيين من العلويين في مواجهة المظاهرات، كان سببًا كافيًا للمتحمسين للتظاهر مثل سومر، للانسحاب من التظاهر، وبقي في ذاكرته مشهد علاجه في بيت زميله الجامعي في حي الصليبة، حين أصيب في إحدى التظاهرات. وأضاف سومر: “كانت أول مرة أدخل إلى بيت من بيوت الصليبة، كان الذهاب إلى المستشفى خطرًا، لما شهدته من حالات تصفية للمصابين، اعتنى بي أهل زميلي ثلاثة أيام؛ حتى تحسنت حالتي”.

استمرت مظاهرات مدينة اللاذقية إلى أن أُجهضت باستجلاب عناصر الفرقة الرابعة، رسالةً من النظام مفادها أن التظاهر ضد الأسد في “عرينه” أمر لن يجري التهاون فيه.

يعرف الجبلاويون صورة واحدة في مدينتهم، تفصل كورنيشهم البحري إلى شمالي وجنوبي، هي صورة لوجهي الأسدين الأب والأبن معًا، أما وجه الأب فنحو الشمال؛ حيث تسكن أغلبية من الطائفة العلوية، وتنشط المشروعات العمرانية والمقاهي وشاليهات ضباط سرايا الدفاع القديمة، التي استولى عليها باقي آل الأسد بعد طرد رفعت الأسد من سورية، وأما وجه الأسد الابن فنحو الجنوب حيث تسكن أغلبية من الطائفة السنية، ومكان الميناء والمدينة القديمة.

بعد قمع التظاهرات السلمية في جبلة، لجأ شباب المدينة إلى مقارعة النظام بأساليب مبتكرة. يتذكر محمد. س، إحدى قصص السوريين الطريفة التي جرت في شارع كورنيش جبلة، وقال لـ (جيرون): “بعد عجزنا عن التظاهر، صرنا نستفز قوات أمن النظام، بربط علب الكولا الفارغة بذيول القطط ونترك الهررة تركض ليلًا لنسمع بعد دقائق رصاص جنود النظام يدوي في كل جبلة”.

خرجت أول تظاهرة لأبناء جبلة من جامع السلطان إبراهيم، تضامنًا مع أهل درعا المنتفضين ضد النظام، وعلى الرغم من أنها لم تكن كبيرة، لكن مئات العلويين من جبلة وريفها احتشدوا لقمعها، وتدخلت قوات حفظ النظام لمنع المؤيدين من الوصول إلى المتظاهرين، وعُدت “ساحة شباط” منذ ذلك الوقت حدًا فاصلًا بين المؤيدين والمعارضين للنظام.

بدأ التحريض ضد المتظاهرين السلميين، وجرت مقاطعة تجار مدينة جبلة، نتيجة لذلك؛ اضطر أعيان المدينة الصغيرة إلى طلب وساطة أعضاء مجلس الشعب لتهدئة النفوس، لكن عقوبة النظام الأمني جاءت بعد أشهر قليلة بافتتاح “بازار” لتجار علويين في منطقة “رأس العين” البعيدة نسبيًا عن مركز المدينة بديلًا عن “البازار” القديم لتجار السنة. وقال ياسين، وهو تاجر ألبسة: “المقاطعة الاقتصادية للتجار، جرت بتدبير النظام وتركت أبلغ الأثر في الحراك الشعبي في جبلة وصرنا معزولين ضمن محيطنا؛ بسبب التحريض ضدنا”.

وإمعانًا في تعميق الشرخ بين السوريين، عمد النظام إلى تنصيب تمثال لجندي هزيل أصفر اللون، بندقيته موجهة إلى السماء في ساحة شباط التي غُيّر اسمها إلى ساحة “الشهداء”.

جرت محاولة سابقة لنصب تمثال جندي أخر قرب المجمع الحكومي، المحاذي للمدينة القديمة حيث نشطت “التظاهرات الطيارة” ضد النظام، ولكن التمثال لم يبق لأكثر من ساعات بسبب احتجاج أهالي المدينة، فالتمثال حمل بندقية موجهة صوبهم؛ لذا سُحب على عجل قبل تفاقم الأمر ورمي به داخل المجمع الحكومي طي النسيان.

تبدو مدينتا جبلة واللاذقية في بداية السنة السابعة للثورة، وكأنهما تعيشان عزلة عن باقي المدن السورية فالهدوء المفروض بقوة القبضة الأمنية منع الأهالي من استعادة ذكرى الثورة كما حدث في أغلب المدن المحررة من قبضة النظام، ولكن الجراح التي حفرت عميقًا في أبنائها نتيجة القتل والاعتقالات والتشريد، لا زالت هي المحرك الكامن لانتفاضتهم مجددًا، معتمدين في ذلك على توحد قوى المعارضة والأمل في مجتمع جديد، لا يبدو فيه أصحاب الأرض وكأنهم ضيوف غير مرغوب بهم، هذا المجتمع الذي ستسوده العدالة والديمقراطية ولو بعد حين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق