تحقيقات وتقارير سياسية

بعد ست عجاف… شكرًا “داعش” وضحت خيوط المؤامرة

“داعش” الشمّاعة التي علق الجميع قاذوراتهم عليها، بل هي التي كشفت حقيقة الجميع، فإرهاب التنظيم أوضَحَ إرهابَ الآخرين، وعرّاهم وفضحهم أمام الجميع، ولا سيما أمام السوريين.

ست عجاف مرّت على السوريين وكأنها الدهر، ست عجاف جعلتنا -السوريين- نرى نظرية المؤامرة حقيقة مُعاشة بتفاصيلها الدقيقة المؤلمة المريرة، إذ أثبت تسلسلُ الأحداث صدق بشار وهو كذوب، فما يجري في سورية مؤامرة حيكت خيوطها بخبث ومكر شديدين. أثبت تسلسل الأحداث أنها فعلًا مؤامرة على الشعب السوري والوطن السوري والعيش المشترك، والمستقبل الذي تطلعت إليه الثورة.

كانت ثورة ياسمين، هتف أبناؤها للحرية مطالبين بكرامتهم المهدورة، وبحقوقهم المسلوبة، لم تكن بعد “داعش” مولودة، ولم يكن فكرها مقبولًا.

غاظتهم سلميتها، وأخافتهم عواقبها، فنجاحها سيجعل من سورية قاطرة لتغيير الخارطة السياسية للمنطقة نحو فضاءات من الحرية، فبدأت خيوط المؤامرة تُحاك بعناية في الداخل والخارج، فليس مقبولًا أن تنجح ثورة الياسمين، وليس مسموحًا خروج حكومات تُمثل شعوبها.

سُمِح للنظام قمع الثورة بدموية، فدفعَ المتظاهرين دفعًا لحمل السلاح، وكان سلاحًا وطنيًا صرفًا بعيدًا عن الأيديولوجيات والارتباطات، كان سلاح ثورة لحماية الثورة. وفتح الأسد أبواب سجونه ليودِّع زوارًا، ويستقبل آخرين، أطلق سراح المتشددين، وزج بالمتظاهرين السلميين الوطنيين. فهيّأ بقمعه الأرضية لظهور “داعش”، وزرع البذور لإطلاق سراح المتشددين، وفتح، هو والآخر، الحدود ليتخلصوا من إرهابيي بلادهم؛ كي يحرقوهم في سورية، ويحرقوا ثورة سورية.

وُلد تنظيم “داعش” في نسخته السوريّة وِلادة طبيعية من رحم مؤامرتهم، وتلقّى رعاية داخلية وإقليميّة ودوليّة حتى شبّ وبات ولدًا بارًا بمشروعهم.

تركه الجميع يترعرع، وينمو سرطانيًا على حساب القوى الوطنيّة السورية، فالتهم الثورة، وغدا مغناطيسًا للشباب الثائر الذي أدار العالم ظهره له إدارة مقصودة مُبرمجة لما هو آت.

تعددت مراحل دعم التنظيم؛ إذ سُمح له -لاحقًا- بقضم مناطق الثوار منطقة تلو أخرى، واستحوذ على آبار النفط التي أمنت له موارد مالية ضخمة، مكنته من حشد الأنصار، وتمويل العمليات.

بدأت خيوط المؤامرة تتكشف أوائل 2014، حيث تخلى الجميع عن الثوار، وتركوهم يخوضون حربًا ضروسًا غير متكافئة مع أقوى تنظيم إرهابي.

في المقابل تلقت ميليشيا “وحدات حماية الشعب” الكرديّة دعمًا من النظام، روسيا، الولايات المتحدة، فبدا واضحًا أنّ القوى العظمى تدفع الخريطة الجغرافية للقسمة على ثلاث قوى (داعش، النظام، الأكراد) لا مكان فيها للوطنيين.

مكّن الروس والنظام ميليشيا “وحدات الحماية” الكردية من السيطرة على تل رفعت وكفرنايا ودير جمال، وكثير من بلدات وقرى الريف الشمالي. ومكن طيرانُ التحالف الميليشيات نفسها من السيطرة على الشمال السوري، ابتداءً من القامشلي ورأس العين إلى تل أبيض ومنبج.

وبدا التناغم العسكري الأميركي- الروسي واضح المعالم، منسجمًا مع التناغم السياسي للطرفين القائم على الشدّ والجذب، وأعادنا هذا الانسجام إلى اتفاق الكيماوي الذي سمح للأسد الاستمرار بارتكاب جرائمه بغير السلاح الكيماوي، لكنّه أصر على استخدامه.

وبعد أن أدّى التنظيم مهمته بتمزيق الثورة، وتسويغ دخول من هبّ ودبّ من قوًى دولية لسورية صدر قرار إنهائه.

ساعد الروس النظام ضد “داعش”، وساعدت الولايات المتحدة الأكراد ضده، في الوقت الذي وقف فيه الجميع متفرجًا على الثوار وهم يحاربون التنظيم منذ بداية عام 2014؛ وحتى تاريخه.

وفي مدينة منبج انكشفت المؤامرة بوضوح، مؤامرة كان التنظيم فيها الأداة لمؤامرة قذرة، أدخلت البلاد في حروب مدمرة. في منبج أزيلت الأقنعة، وبدأ اللعب مكشوفًا، فقوات المارينز الأميركية بمعداتها وآلياتها الثقيلة في منبج، وبجوارهم الروس بمعداتهم وآلاتهم، وقُرى كاملة غرب منبج تُسلّم للنظام، ووفود ورتب عسكرية سورية تزور منبج بحماية أميركية روسية فترتفع الأعلام السورية الروسية الكردية الأميركية إلى جانب بعضها، مشهد يوضح حجم المؤامرة.

ولمّا ينتهِ السيناريو بعد، فما زالت هناك مدنٌ عربية تحتاج إلى تدمير وتهجير أهلها لسلب العرب “السنة” صفة الأكثرية، والهدف ضرب سورية وطنًا مثاليًا للعيش المشترك، فلطالما كانت الأكثرية السنية الحامي للمشروع الوطني وللأقليات. فكان لزامًا ضرب الحامي لتحقيق مشروع التشظي.

أوجدوا “داعش”، دعموه بالمال والرجال بأساليب شيطانية، وسمحوا بتمدده على حساب الثورة حتى سمِن وكبر، ليستخدموه لاحقًا أداةً لدعم نظام الاستبداد وتكريسه، وسحق الثورة، وتقسيم البلاد. ولكن هيهات أن يتحقق مشروعهم، فالثورة فكرة عشّعشت في عقول السوريين وقلوبهم. قد تتغير وسائل التنفيذ لكنّ الفكرة لا تموت؛ لأنها مشروع شعب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق