أدب وفنون

بشار الأسد ينقلب على نفسه!

لا أجد داعيًا، البتة، للتحدث عن الأسباب التي أدت بالسوريين إلى إعلان ثورتهم، فهي أكثر من أن تحصى. بل إنه لم يبق أحد، حتى هؤلاء الموالون للنظام، إلا ويعرف كل شيء عن أوجه الظلم الذي لحق بالسوريين، ويكاد ألا ينجو منه أحد. إذ إنه حتى المقربون من النظام؛ حتى بطانته، ما كان لأحد منهم أن يحظى بما يمنح له، إلا من خلال قبوله أن يكون بيدقًا فحسب، لعبة فحسب، أداة فحسب، بوقًا فحسب، عبدًا مأمورًا فحسب، مهما علت مرتبته المصطنعة، أي: إنه يوافق سلفًا على إعدام شخصيته وتسليم زمامها لأجهزة أمن النظام التي لا أحد فوق دائرة مراقبتها، ولا رسالة لها إلا ديمومة حكم الأسد، واستمرارية كرسي الأسد.

بهذا المعنى، فمن يسمى رئيس حكومة، أو من يسمى نائب رئيس، أو مستشارًا، أو رئيس” مجلس شعب”، أو وزيرًا، أو محافظًا، أو حتى مديرة دائرة، أو رئيس مخفر، أو شرطيًا، حظوات هؤلاء مرهونة بدرجة تفانيهم، في خدمة هذه الرسالة.

لقد تقزم لقاء هذه القاعدة كل هدف كان يُزعم من إعلام النظام ومنظريه، بأنه من أولويات هذا الحزب. وما كل ذلك- في حقيقته- سوى وسائل من أجل الهدف نفسه. هدف الاحتفاظ بكرسي الرئاسة للأسد، وإن دوّت الشعارات في اتجاهات البلاد الأربعة. منذ افتتاحيات الإذاعة والتلفزيون والاجتماع الصباحي في المدارس، وليس انتهاء بساعات العمل في المؤسسات الرسمية. فضلًا عن الحياة العادية للمواطن؛ في الشارع. أو المقهى، بل حتى في بيته وغرفة نومه؛ إذ كان مطلوبًا منه الكذب على زوجته، وأطفاله، يحدثهم عن عظمة إنجازات الأسد، والولاء له.

وإذا كان هناك من استطاع أن يفلح في ما يسمى “غسيل دماغ”؛ كي يعيش حال إعلان الولاء للرئيس، “المفدى”، و”الأب القائد”، فإن هناك من لم يتمكن من ذلك، وبات يعيش صراعًا داخليًا. يعيش حالة فصام بين ما هو مبطن لديه مؤسس على خلاصة قناعاته، وتجربته، وما هو ظاهر، لابد من المجاهرة به، زورًا، وزيفًا، من أشكال الطاعة الببغاوية التي كرستها ثقافة أشد المراحل قهرًا بالنسبة إلى المواطن.

إن حال الفصام النفسي التي عاشها سواد السوريين، كانت تُحوّل ذواتهم إلى ثنائية من التناقض؛ نتيجة عدم عيشهم حياتهم الطبيعية، إذ إن التلفظ بعبارة ما سهوًا، قد تعرض أحدهم للتغييب النهائي، من دون أن يتمكن أحد ما ذكر اسمه، أو السؤال عن مصيره. كل هذا حول المواطن العادي، غير المنتفع بأعطيات وهبات النظام. وغير الوالغ في مستنقع الفساد إلا أن يعيش حالتين، متناقضتين، متصارعتين، تحيلانه في أعماقه إلى: كبسة زر وديناميت، متعايشين في نفسه، ما يجعله أشبه بالروبوت الذي ينتظر لحظة الانفجار الداخلي.

لقد كان المواطن السوري مهيأ كي ينخرط في الثورة. الثورة التي أرى أن القاتل والضحية كانا ينتظرانها. الثورة التي لا تدل خريطة تموقع الموالاة والمعارضة على نهائيتها. لأنها في الحقيقة مجرد خريطة واحدة. وثمة من يقف مع النظام حتى اللحظة، وهو غير مؤمن به. إلا أن سبب عدم انخراطه ضمن الثورة يعود إلى ديمومة المهادنة بين نقيضي ذاته: الديناميت وكبسة الزر. نتيجة معادلاته الشخصية، على ضوء واقعه، ومنافعه، وعدم التخلص من سطوة شبح-الكابوس- الذي يعيش في داخله.

على هذا النحو، فإن نظام الأسد الذي تأسس مجسدًا أعلى أشكال الدولة الأمنية، وأشدها إرهابًا، وسوءًا، وقذارة. لم يتأسس إلا ضمن مناخ آزره على ذلك، وهو: مبادئ حزب البعث. التي سنشير إلى علاقتها بوصفها فضاء-لظهور الطفرة الأسدية لطخة عار على الجبين السوري- هذا النظام ولد، ومعه نواسف وجوده التي لم تكن تؤجل إلا عبر مزيد من ممارسة الاستبداد، والجور، كي يكون ثمن ذلك تلك القرابين السورية التي تقدم على النطع. وفق سلم بياني مرتبط بهذا الظهور الممسوخ في سورية لتوأمي: البعث/ الأسد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق