تحقيقات وتقارير سياسية

في الذكرى السادسة للثورة: فلسطيني وسوري واحد

بعد أيام من انطلاق الثورة السورية العظيمة، ثورة الحرية، في السابع عشر من آذار/ مارس 2011، أطلق الفلسطينيون بملء حناجرهم شعارهم الواضح والبسيط، لكن العميق والمؤثر في معناه ودلالاته: واحد واحد واحد.. فلسطيني وسوري واحد.

وللأمانة والحقيقة، يعرف كل من لا يتساوق مع إعلام النظام، ومنظماته التي تنتحل اسم فلسطين، أن نزول الفلسطينيين إلى الشوارع، دعمًا للثورة السورية بحناجرهم ويافطاتهم القماشية أو الورقية، جاء في البداية ردًا على استعراضات ومسيرات التأييد لبشار، التي نظّمها عملاء النظام داخل المخيم منذ الأيام الأولى لانطلاق المظاهرات الشعبية المدنية السلمية في مدينة درعا، وزاد هؤلاء برفع اليافطات وصور الطاغية على مداخل المخيمات، اليرموك تحديدًا، وفي الشوارع الرئيسة، ورافقت تلك المظاهر كاميرات التلفزيون والصحافة التابعة للنظام ولحلفائه الإيرانيين وأدواتهم.

كان هذا الاستعراض “الخسيس” بمنزلة استفزاز للفلسطينيين بعددهم الأكبر، فبعد أن كانت الأحاديث المتداولة بينهم تقول بالوقوف على الحياد، صار الحياد، الذي يعني بقاءهم صامتين، يظهر المخيمات وكأنها تلتف حول النظام وتواليه وتدعمه، وترك الشارع في المخيمات لقطعان المؤيدين ومن وراءهم من رجال أمن ومسلحين يتبعون فصائل “فلسطينية” عميلة لسلطة الطاغية.

ويذكر كل من تابع الأيام الأولى للثورة في درعا، كيف ألقت الوزيرة والمستشارة الرئاسية بثينة شعبان المسؤولية عن المظاهرات على قوى “خارجية”، وأفصحت بمقصدها عن الفلسطينيين في المدينة، لتنكر على السوريين إرادتهم في الحرية ورفضهم للخراب والاستبداد الذي عم البلاد في عهد عائلة الأسد وعصاباتها المافياوية. لكن سرعان ما توقف الإعلام الرسمي عن تكرار إذاعة تصريحات شعبان، حتى لا يقع النظام في حرج وهو يدعي ومعه عملاؤه، من شاكلة أحمد جبريل، أن الفلسطينيين يقفون مع النظام “القومي المقاوم الممانع المدافع عن فلسطين، والراعي لحقوقهم والضامن لمصالحهم”.

وكما اضطر السوريون للدفاع عن أنفسهم من وحشية النظام القاتل وأدواته، كذلك اضطر الفلسطينيون لصد الهجمات من قطعان عملاء النظام المسلحين داخل المخيم، ومن هجمات قوى الأمن بفروعها المختلفة التي عملت على استباحة المخيم واعتقال الشباب واختطاف الناشطين السلميين واغتيال أعداد منهم في الأيام الأولى التي خرج فيها المخيم، وبقية المخيمات في درعا وخان الشيح واللاذقية وحماة وحندرات. ودفعوا آلاف الشهداء، ومثلهم من المعتقلين والمختطفين. وتشردت المدن السورية داخل البلاد وخارجها، كذلك دفع الفلسطينيون ثمنًا كبيرًا من مساكنهم وممتلكاتهم، واضطرت أعداد كبيرة منهم للنزوح عن المخيمات، وللهجرة إلى بلدان الجوار وإلى الدول الأوربية.

خلال احتدام المعارك، ومن جراء الوحشية الهمجية لقوات النظام، وهول التضحيات والخسائر التي لحقت بالفلسطينيين في مخيمات سورية، برزت في الوسط الفلسطيني النغمة ذاتها التي برزت في الوسط السوري “كنا عايشين ومرتاحين”، بما تحيل إليه هذه النغمة من تحميل الثورة مسؤولية الحال التراجيدي الذي وصلت إليه سورية. وكان للمرجعيات الرسمية الفلسطينية دور كبير في تعميم هذا التفكير، دون تحريك ساكن في وجه النظام لفك الحصار ووقف القصف والملاحقات والاعتقالات، وهو ما زاد من حال الإحباط بين الناس وهم يفتقدون رغيف الخبز وحليب أطفالهم، ويتعرضون للموت اليومي بالطائرات والمدافع والأسلحة المختلفة، دون أن يجدوا من مرجعياتهم سندًا لهم، إذ كان بمقدور قيادة منظمة التحرير أن تتحمل مسؤولية وطنية وإنسانية، وتطرح في المحافل العربية والدولية ضرورة حماية الفلسطينيين من المجازر الوحشية والاستهداف المبرمج لحياتهم وأمنهم وسلامتهم وممتلكاتهم، لكنها لم تفعل، حتى دور الوسيط لرفع الظلم والموت عنهم لم تقم به، وكان رسلها إلى دمشق يحابون سياسة النظام ويلقون باللوم والمسؤولية على أبناء الشعب الفلسطيني في مخيمات سورية.

والأسوأ والأكثر تهافتًا، أن تردد تلك القيادات وبعض “المثقفين” فكرة أن سورية هي أفضل بلد عربي تعامل مع الفلسطينيين، وهي فكرة صحيحة، لكن الفضل بذلك يعود للشعب السوري أولاً باستقباله الأخوي الكريم للاجئين عام 1948، ثم للرئيس شكري القوتلي الذي في عهده سنة 1956 صدر القانون الذي يعد الفلسطيني في سورية بحكم السوري في الحقوق والواجبات والتملك والعمل والوظائف. بينما في عهد حافظ أسد لم ينل الفلسطينيون سوى الأذى والملاحقة والاعتقال والقتل، وسرقة “قميص عثمان” القضية الفلسطينية، لتوظيفها في تكريس سلطة الاستبداد على سورية، علاوة على مجازر تل الزعتر والحرب على مخيمات لبنان بعد اجتياح إسرائيل سنة 1982.

في الذكرى السادسة للثورة السورية العظيمة، ومع كل الآلام والتضحيات الجسيمة التي دفعها السوريون والفلسطينيون في سورية، فالشعار الذي ردده الشباب الفلسطيني انحيازًا لثورة الحرية، ورفضًا للإذعان والإذلال، كان علامة مشرفة للفلسطينيين في علاقتهم بأبناء سورية. شعار: واحد واحد واحد.. فلسطيني وسوري واحد. وإذا كانت الأوضاع الصعبة والمريرة التي تواجه الثورة السورية والشعب السوري في هذه الأيام، ستجعل بعضهم ينظر بلا اكتراث إلى هذا الشعار، فذلك قصر نظر وجهل بمنطق التاريخ والثورات، وعجز عن فهم المحتوى الأصيل والجذري للانفجارات الشعبية الواسعة.

ما أعلنه السوريون في الأيام الأولى لثورتهم من أجل الحرية، أثبتوا أنهم جديرون به، عندما قالوا بصوت واحد مجلجل: “الموت ولا المذلة”. وهم مع دخول ثورتهم عامها السابع، لم تثنهم التضحيات الهائلة عن المضي في طريق الحرية وإسقاط الطاغية. وحال الفلسطينيين المنحازين إلى الثورة هو أيضا لم يتبدل، والمصير الواحد يجمعهم على درب النصر والحرية.

مقالات ذات صلة

إغلاق