أبحاث ودراسات

هي الثورة.. تدعونا للمكاشفة

لم يعد سهلًا ولوج العام السابع للثورة وتوصيفه، لأن كميّات كبيرة من الطمي ترسف فوق عنقها، وتغطي وجهها محاولة أن تُبعد روحها، وأن تشوّه حقيقتها.. حين يصبح الكلام بحاجة إلى لارتفاع إلى مستواها، وليس تكرار الكلام السنوي المعجون بردّة فعل تبرز فيها الإرادوية، أو حالات الفصام، أو اليأس المعمم.

عظمة الثورة، حجم التعقيدات التي ولدت في رحمها، أو اغتصبتها، مستوى التدخلات والتداخلات الإقليمية والدولية تفرض على المنتمين إليها والمخلصين لها أن يغادروا نهج الدفاع الآلي، وإلقاء المسؤولية على الآخر: النظام المجرم، أو المجتمع الدولي وما خذل، وما فعل.. وتكريس ذهنية اليتم، وصراخ: يا وحدنا.

علينا أن نعترف بما اقترفنا، أن نبدأ بأنفسنا، وأن نكون بعض شجاعتها وإقدامها في تشريح الوقائع والمسارات، وفي نقد الذات وصولًا إلى نتائج بعيدة عن التسويغ ولغة التمرير، أو الشتائم.

لنقل -صراحة- إن الثورة فقدت كثيرًا من وهجها وتأثيرها، وجزءًا مهمًا من حواضنها الشعبية، الداخلية والعربية والعالمية، وإننا ابتعدنا بها عن جوهرها، وأصولها، ومسوغات قيامها واستمرارها، وإننا: أفرادًا وهيئات وأحزابًا وتشكيلات، لم نكن بمستوى الحد الأدنى من جدارة التعبير والتجسيد، وإن الحصيلة العامة سلبية، وإن مناخًا من الإحباط واليأس ينتشر بين كثير من المحسوبين عليها، فيتخلون عنها، أو يبتعدون بحثًا عن وسائل عيش واهتمامات خاصة، أو تحليلات ظالمة، ولغات نادمة، وشاتمة تلتقي في مصبّ تفسيرات النظام وفخاخه المنصوبة؛ بأنها السبب في كل الذي جرى، وأنها جزء من مؤامرة كونية ضد البلد، ومفرداته، وأسسه… إلخ.

في العام الماضي، وفي مناسبة مرور خمس سنوات على الثورة، عقدنا باسم الائتلاف ورشة نقاش وتقويم ونقد، دعونا إليها عددًا من الباحثين والسياسيين والناشطين، من اتجاهات مختلفة، وقدّم عدد من هؤلاء مساهمات مكتوبة، ومداخلات جريئة ومهمة، أصدرناها في كتاب، حرصنا على نشرها في كتاب، دون حذف أو تدخل.

كانت الاقتراحات كثيرة، ومهمة، تناولت جوانب ومفاصل كثيرة، وقدّمت رؤى وتصورات ونقاطًا محددة، يعتقد أصحابها أن تجسيدها يمكن أن يحقق نقلة مهمة، وأن يكون بداية تغيير في البنى والمسار، وباتجاه العودة إلى جوهر الثورة وموقعها.

لكن السؤال الكبير: أين تلك المقترحات؟ وما مصيرها؟

وهناك كثير مثلها، وأكثرها يتقاطر في مواقع وغرف وتشكيلات متعددة، دون أن تحدث التغيير المنشود، أو أن تتفعّل، وهو ما يطرح سؤالًا آخر عن الأسباب والمعيقات.

علينا الاعتراف -هنا- بأن وضع الثورة، على مستوى طغيان البارز فيها، وأقصد العمل المسلح ومآلاته ونتائجه وارتداداته، قد عرف تراجعات عامة، بل هزائم متتالية تفقأ عيون التمجيد والتسويغ، وتلقي علينا واجبَ وضرورة وأهمية المراجعة الشاملة، والتغيير الجذري.

نعم لقد أظهرت معارك حلب، هزيمتها ونتائجها، عدد العيوب الفاقعة التي لحقت بالثورة، أو أُقحمت عليها، وأهمها فعل التشتت، وواقع العَسكرة وموقعها وسحقها للسياسي والسلمي والشعبي في الثورة، والأسلمة وآثارها في استخدام الدين وتوظيفه؛ خدمة لأغراض فصائلية، أو إقليمية، أو خاصة.. وأشارت بوضوح إلى بداية انعطافة، يمكن تسميتها بكل واقعية: المرحلة الثالثة بالعودة إلى جذر الثورة، وطبيعتها السلمية، الشعبية، وأهدافها التي بلورت الحرية والكرامة والعدالة، وبوصفها ثورة لكل الشعب السوري، بألوان طيفه المختلفة، وأنها ليست “حالة سنّية” في مواجهة” هجمة شيعية” تقودها إيران، وتخترق فيها النخاع الشوكي للمجتمع السوري.

النتائج كبيرة، والمؤشرات دالّة، وأهمها العمل لبلورة تحالفات وطنية ديمقراطية، يكون الوطن الموحّد فيها هو الغاية والراية، وليست الحزبوية ومحاولة ادعاء الحقيقة وفرضها من هذا الفريق أو ذاك، ومخاطر العسكرة المفتقرة إلى المهنية، التوحد، والقيادة السياسية، والبرنامج العملي الذي يمكنه أن يستعيد القرار الوطني المفقود، وأن يمكّن الثورة من أن تكون طرفًا فاعلًا في المعادلة، ورقمًا لا يمكن تجاوزه.

كذلك أبرزت أهمية لقاء الديمقراطيين في تيار، أو تشكيل واضح البرنامج والتوجهات؛ للإسهام في عملية الانتقال إلى الطور الجديد، ولخوض العملية السياسية بفاعلية مجدية.

وأوضحت السنوات، آخذين في الحسبان -هنا- على وجه التحديد ما يمكن عدّه تواطؤَ، أو تخاذل، المجتمع الدولي، وقرار القوى الفاعلة فيه بمنع الحسم العسكري لأي جهة؛ الثورة أو النظام، ومع الميل لدى بعض تلك الجهات إلى إبقاء النزيف السوري مستمرًا بتداعياته الخطرة، المدمّرة..إلى المستوى الذي يقررون فيه التدخل ووضع ثقلهم، والمخاطر المحيقة التي تهدد ليس الوحدة الوطنية بشروخات عمودية وإثنية وغيرها فحسب، وإنما بفرض كيانات الأمر الواقع، أو مناطق النفوذ المتصارعة المتنافسة والمتعايشة؛ بحيث نصبح أمام ما يقرب من أربع كيانات شبه دويلات.

فمن الواضح أن الحل السياسي هو الخيار الوحيد، والسبيل إلى إنهاء نظام الفئوية والجريمة والاستبداد، والشروع في عملية انتقالية واضحة، مبرمجة تنقل بلادنا إلى النظام التعددي، وتقيم الدولة المدنية الديمقراطية التي تحقق المساواة بين جميع السوريين على أساس المواطنة، ووفق دستور حديث يقره الشعب، وقوانين ناظمة للحياة السياسية، ولحقوق الأفراد وواجباتهم.

الحل السياسي الذي يعرف انزياحات ودحرجات متتالية، تبتعد عن قرار جنيف واحد، وصلبه في تشكيل هيئة حاكمة انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة، هو حالة صراعية من مستوى عال، يستلزم لفرضه وانتزاع حقوق الشعب فيه إلى جهد وقدرات ووعي، وأوضاع تستدعي اليوم من جميع قوى المعارضة وهيئاتها العمل الحثيث؛ لتكون قادرة على انتزاع الهدف؛ إنهاء نظام الاستبداد وإقامة البديل.

* * *

مع ذلك، ومع كل هذا الموج الحقيقي والمزيف الذي يتداخل، ومع وصول المأساة السورية إلى الفرادة، بوصفها أكبر المآسي التي عرفتها البشرية منذ الحرب العالمية الثانية، ونتائجها الخطِرة في كل ميدان.

فالثورة العظيمة.

الثورة التي يؤمن بها ملايين السوريين.

الثورة الحلم والأمل والمخرج، لا يمكن أن تتوقف، مهما واجهت من متاعب وعراقيل؛ لأنها التعبير الأمين على طموحات ملايين السوريين، والسبيل الطبيعي لتجسيد الأمل.

ستستمر الثورة، وستنتصر، وهذا يتطلب من جميع المنتمين إليها الوفاء والتجسيد، والارتقاء إلى مستوى تضحياتها.

مقالات ذات صلة

إغلاق