هموم ثقافية

الزمن في السينما

السينما: هي الشيء الوحيد الذي ألقى القبض على الزمن ووضعه في صندوق.

للحظةٍ تنهمر فيها الرغبة، تًشغل الحواس الخمسة لتصبح حاسةً سادسة، فيها كل غوايات الكون المنسحبة إليك. لعبة الزمن في السينما لعبة ما فوق واقعية خبيثة، فهو مخاتل يشبه الأكروبات، يتدحرج من الحلم بعد الصحو، لكنه لا ينفصل عن الإقناع بماهيته ووجوده وواقعيته ومركباته الذهنية وفلسفته.

والزمن في السينما له وجودياته المعقدة في تركيبها، تتموضع في أكثر من مكان وتجل:

  • الزمن الشكلاني
  • الزمن الفني
  • الزمن الذهني
  • الزمن الواقعي

 

  1. الزمن الشكلاني: ويتمثل في مدة الفيلم، مدة المشهد، مدة الحوار، مدة الفعل، مدة ردة الفعل، مدة الحدث، مدة المؤثر. وهي مدد تتعلق بمركبات الفيلم وتموضعاتها ومؤثراتها والتعامل مع بنائيته، من كتابة السيناريو، حتى تركيب الفيلم على طاولة المونتاج.
  2. الزمن الفني: زمن ملتبس، ما بين ضرورة التعبير السينمائي، وقيادة زمنه الواقعي. هل الفيلم يدور حول سيرة حياة، ضمن العمر الواقعي، أم في جزء من العمر الواقعي للشخصية، أم هو عمر مجتزأ من حدث تاريخي، أم أن الفيلم سيرة حدث تاريخي، قد يمتد لسنوات طويلة، وربما لقرون؟ الزمن الفني هو الزمن الذي يدير واقعية هذا الزمن، ويجعل منه زمنًا قابلًا للعرض، أمام المتلقي.

 

  1. الزمن الفني: وهو ذلك الاختصار التشويقي للحدث، وتناوله من زوايا فنية قادرة على نقله من واقع إلى فن، سواء أكان ممكنًا أم مستحيلًا، كالخيال العلمي، والأساطير، والافتراضات التاريخية للحكايات.

 

  1. الزمن الذهني: يتماهى مع الفني، بربطه المشاهد ضمن ذهنية واقعية، لكنه يتغاضى عن منطق المسافة ومنطق المكان الواقعي ذاته. وقد قدم اختراع المونتاج قيمة ابداعية للزمن الذهني، وأسهم في تنامي الإيقاع الفني للمشهدية السينمائية. الزمن الذهني؛ اتفاق “جنتلمان” بين المُشاهد ومبدع الفيلم.
  2. الزمن الواقعي: هو الزمن الذي يفترضه الفيلم، من نهار وليل، ونمو الشخصيات عمرًا وأحداثًا. ويحدد الزمن الواقعي –أحيانًا- جندر الفيلم، ما بين تاريخي أو حياتي، أو معاصر، أو فنتازيا، وما إلى ذلك من أنواع للأفلام.

تتداخل هذه المفهومات الزمنية في ما بينها، ويفرضها بناء الفيلم ونوعه والحلول الفنية الإبداعية، من كاتب وصانع الفيلم.

وللزمن فلسفة يعبر عنها كثير من مبدعي السينما، ليس بوصفه هيكلية ببعدها الثلاثي: ماض، حاضر، مستقبل، وإنما سلسلة من الزمن المنحوت من الواقع، ومن الخيال، ومن الافتراض؛ سماه تركوفسكي النحت في الزمن، إذ من المستحيل أن يتواصل المتلقي مع الأحداث والحكاية من دون الربط الزمني المنطقي، وإلا أصبح الفيلم عبارة عن لوحات صور متلاحقة.

وللتعبير الزمني قيمة فلسفية، تجعله أقرب إلى المنطق المفترض للعمل الفني، هذه ليست وظيفة صانع الفيلم بقدر ما هي قيمة مهمة لكاتب السيناريو، وجعل الزمن يوازي الأمكنة، ويصبح جزءًا مكونًا للحياة، ومسوغًا للدراما وحدوثها ومنطقها.

لا يمكن أن يكون الزمن في الحياة إلا متسلسلًا، فلا شيء يسبق شيئًا؛ الحياة تسلسل ممل، ولو كان الفن كذلك، لصار مملًا كذلك. في السينما نحن أحرار، نخلط بين الماضي والحاضر والمستقبل. نلعب بالزمن كما نرغب، نستطيع أن نعود إلى الماضي ونقفز إلى المستقبل، ويصبح الزمن بين أيدينا جزءًا من اللعبة الفنية للفيلم.

نشكله بدلالات من اللون والضوء ودقات الساعة، والعودة إلى الماضي (الخطف خلفًا “فلاش باك”).

إن الزمن بعدٌ آخر للمكان، بُعد ثالث للصورة المسطحة، وبُعد خامس للصورة المجسمة، لذلك؛ ربط الفلاسفة الزمن بالمكان تاريخيًا، وعدّوا أن لا وجود لأحدهما دون الآخر.

في السينما فُكك الزمن كما الصورة، وجُعل أقرب إلى الذهن من الواقع. صيرورة الزمن في السينما صيرورة مقترحة، قابلة للتمدد، فمن الممكن أن يكون لدينا زمن بكامل وقته الواقعي، وفي لحظة ما نقتطع منه، ونهمله أو ننتقي منه ما نريد.

مهمة صانع الفيلم ألّا يبعد المتلقي عن زمن الحدث والزمن الدرامي للفيلم برمته، ولا يخلق معه قطيعه تشتته،

وبخاصة عندما يجري التنقل بين حالات الزمن الثلاث. ومهمة أخرى، أن يسيطر على الإيقاع الخاص للزمن المقترح، فالإيقاع هو المعبر الحسي للزمن والمعبر التناغمي له، في السيطرة على الحدث وانشائه وخلق ضرورة وجوده، في جوهر الصراع الدرامي.

نحن ننتقي من الماضي (وهو زمن)، ننتقي منه زمنًا نريده ونكثفه، وقد لا يشكل من الذكريات إلا نسبة ضئيلة مما مضى.

إن كل ما ذكر يحتاج إلى أمثلة تفصيلية، تشرح الزمن الذي يُعدّ بالغ التنوع والانتقاء، من مبدع إلى آخر.

ما فعلته السينما بالزمن أنها أبقته طازجًا، نستعيده متى شئنا.

تخيل أنك صورت صغيرك يركض، سيبقى يركض في ذاك الزمن وذاك العمر، وكأن السينما خبأت الزمن بحيث يبقى حيًا ولآلاف السنين المقبلة.

مقالات ذات صلة

إغلاق