أبحاث ودراسات

وجه سورية القبيح وطور الثورة الهابط

نص المحاضرة التي ألقاها د. جلال نوفل بعنوان “وجه سورية القبيح وطور الثورة الهابط”، ضمن احتفالية شبكة (جيرون) الإعلامية، في الذكرى السنوية السادسة للثورة السورية، في مقر مركز حرمون للدراسات المعاصرة في مدينة غازي عنتاب التركية، في 16 آذار/ مارس 2017.

* * *

كتبنا كثيرًا عن وجه الثورة “الثوري” لسورية المنتفضة ضد استبداد السفاح الأسد، وطور الثورة الصاعد للانعتاق من حضيض تدهور التنمية، وفساد الحكم والأخلاق العامة، إلى إقامة دولة الحرية والكرامة والعدالة.

ذلك الطور الصاعد كان زمن التظاهرات والتنسيقيات التي أظهرت جيلًا شابًا، كان خيرة قوى الثورة، يسعى لتحطيم الأصنام، وصوغ عقل سوري جديد ونخبة سياسية جديدة.

في ذلك الطور شهدنا كيف أن وحدة المنتفضين تهز عرش الطغاة، وكان التبلور السياسي لقيادة ثورية موحدة للانتفاضة شرط انتصارها الذي بدا وشيكًا في 2012. وهو ما أدركه النظام وحال دونه بالقمع الشرس لنبض الثورة وعقلها (ناشطي التظاهرات والتنسيقيات)، اعتقالًا وقتلًا وتشريدًا. فنزفت سورية والثورة خيرة دمائها وعقولها وأحلامها؛ ليتصدر المشهد شخصيات وحثالات مدنية وعسكرية، فرضت نفسها على السوريين مُقلّدة الأسد في استبداده ونهبه في المناطق التي أخرج منها.

بالاهتزاز السياسي للنظام، تقلّص إلى الجهاز القمعي الموجود داخله، ليتحول هذا الجهاز تدرّجًا إلى كيان أشبه بالميليشيا منه بالجيش، من حيث التركيب والروح القتالية. لقد تقلص النظام تقلصًا أساسيًا إلى فصيل مركزي متلاحم عمومًا، يُقاتل في صراعٍ يتزايد مرارة وشراسة؛ للمحافظة على البقاء الجماعي. إنه يتحول بطريقة تجعله يقاوم الإخفاقات السياسية والعسكرية، وغير مبالٍ بالضغوط وغير قادر على التفاوض في ارتهان كامل لعساكر روسيا وملالي إيران والقوى المتصدرة لمسرح السياسة المعارضة، إما ارتهنت للخارج وأجنداته (أصدقاء سورية)، أو استبدت في المناطق التي حررت من النظام (بقوتها المسلحة بسلاح ممول من أعداء الثورة والديمقراطية الخليجيين والأميركيين) فصارت تُحارب قوى الثورة باسم الإسلام، أو غيره ، حتى أنها كانت تحارب رمزيات الثورة بحرق علم الثورة، فدخلنا طور الثورة الهابط بقيادات سياسية نرى مهازلها وارتهاناتها، وهبوط سقوفها مع كل موسم تفاوضي، لتقويض قليل مما تبقى من الثورة.

الدخول في هذا الطور لم يكن بفعل التوحش الأسدي الإيراني ووجه عملة الأسد الثاني “التوحش الداعشي” فحسب، ولا يقتصر على خذلان من أوهمونا أنهم حلفاؤنا، وعدم تسليحنا بالسلاح النوعي لمواجهة كل ذلك التوحش؛ فللعناصر الداخلية في جسد الثورة دورها في تفسّخنا وهبوطنا وتفسخ المجتمع في سورية.

صرنا نعيش في عوالم متوازية، كل طرف يُقصي الآخر، ويقاطعه، ويقابله في المعركة وحسب؛ فمفهوم كل طرف للماضي، والحاضر والمستقبل يقع على النقيض تمامًا من مفهوم الطرف الآخر. تنزع دوائر المعارضة إلى التركيز على المظالم التي ارتكبها نظام سيطرت عليه طغمة، ويعدون أن مضطهديهم الحاليين هم غالبًا قوات الأمن العلويين؛ ويحتفون بثقافة أعادوا اكتشافها من التضامن والتلاحم الاجتماعي، لا من حكمة التاريخ وعقلاء قومهم وأمهات الكتب؛ ويتطلعون إلى اليوم الذي تنهار فيه الهيكلية الحالية للسلطة، بينما جمهور واسع من العلويين وغيرهم قلق من أنهم سيتعرضون لعملية استئصال جماعي؛ إذ سعى النظام، عمدًا، وبعض خصومه، أن تشعر شريحة واسعة من الطائفة العلوية بأن لا خيار لديها سوى أن تَقتل أو تُقتل. لأن القبح مرعب يتجنب كثيرون النظر الطويل في تفاصيله.

اعتدنا أن يظهر حسن الأمور ضدها. لم نعد نلمح حسنًا يظهر القبح في وجه بلدنا: فقبح بشار لا يحجبه قبح داعش، ولا يحجب قبح المفاوضين باسم السوريين قبح العسكرة وارتهاناتها.

ما أهدف إليه ليس طقس الاحتفاء بالذكرى السنوية للثورة، بل لإسهام في نقد ما أوصلنا للطور الهابط علنا نجمع ما تبقى من قوى الثورة على برنامج ورؤية ثوريين، يخرجنا من طورنا الهابط إلى طور صاعد باتجاه الدولة السورية الديمقراطية الحديثة.

عُزي بعض تدهور الثورة السورية إلى أسلمتها وعسكرتها، وعلى هذين المحورين سأسلط بعض الضوء.

أسلمة الاستبداد

أخشى أن تعدّ مشاركة الإسلاميين هي لعنة الأسلمة، فمشاركة السوريين بمرجعياتهم المختلفة حق يجب صونه، ورأينا كثير من المساهمات الإسلامية في طور الثورة الصاعد يندرج في السياق العام للثورة ويحمل أهدافها، أما الاستبداد والصراع على النفوذ فهو اللعنة التي رافقت إدارة المناطق المحررة، ومنعت ممارسة ما سعت إليه الثورة في المناطق التي (معظم فصائل المسلحين الثائرين على السلطة إسلامية، وكلها تتقاتل لا على الإسلام والأسلمة بل على السلطة وما يطلبه ممولوها ومغانمها)، فقاتلت النصرة نور الدين الزنكي، وقاتل جيش الإسلام النصرة وفيلق الرحمن والنظام على أبواب ديارهم، وجرى قتل كثير من عقلاء المشايخ، وتكفير كثيرين من المشهود بصلاح دينهم وسيرتهم، على يد فصائل إسلامية ومكاتبها الأمنية، لدرجة حار فيها بعض المقاتلين من منهم شهيد؛ فهجر بعضهم ساحات القتال ونزاعات الفصائل إلى أوروبا، أو إلى تركيا.

هو صراع على الاستبداد والغنائم، استطاعت فيه زبالة الحركات الإسلامية “أبو عمر الشيشاني، أبو بكر البغدادي، الجولاني، زهران علوش…” الانتصار على عقلاء مسلمي سورية ومواطنيها المسلمين؛ ليهدروا دماءنا وعقولنا بسلاح لا عقل له ولا دين، يرسم به شذاذ الآفاق وزعران المناطق حدود الكفر والإيمان.

لم يكن إخراج سفاحي الحركات الجهادية المتطرفة من سجون الأسد؛ استجابة لضغوط الثورة، بل هجومًا على الثورة بأبطال الثورة المضادة الذين كانوا قد نفّذوا “بروفة” الإمارات في عصيان سجن صيدنايا، وارتكبوا كل الحماقات والجرائم باسم حكم الشرع والشريعة على من خاصمهم أو كان يخالفهم الرأي، وعلى رأسهم العقلاني نزار الرستناوي، ليعمموا جرائمهم واستبدادهم حيثما استطاعوا تأمير عصاباتهم على الناس.

لن نفصل في (داعش) كثيرًا؛ فهي قد أعلنت -منذ البدء- أنها مضادة للثورة، ومعنية بالسلطة على المناطق التي تغنمها لا بمحاربة النظام، وإن أحصينا ضحاياها، سنجد أن غالبيتهم العظمى مواطنين مسلمين سنة وثوارًا، ومعظم معاركها مع فصائل المقاومة ضد السلطة، فكانت مشروع الاستبداد الصارخ الذي فر منه من استطاع من المسلمين مثل فرارهم من السلطة.

عسكرة الثورة أم التمويل المسلح:

أما بالنسبة إلى عسكرة، فأود بداية تفريق تسلح الثورة، وهو مآل محتمل وكامن في مسار أي ثورة أصيلة فربما يحتاج مواجهة عنف الحاكمين ممارسة عنف المحكومين لحسم لحظات صراع حرجة– عن عسكرتها فهذه تعني في أحد وجوهها إقحام السلاح على الثورة قبل نضوج شروط تسلح الثورة وخارج لحظات الحسم؛ ما قد يؤدي إلى هيمنة العسكر فيها، فاستبدادهم على الثائرين.

في بداية الثورة كان الإصرار على السلمية، وكانت أولى محاولات عسكرتها من النظام في درعا، حين رمى السلاح للمتظاهرين ورفض هؤلاء أخذه. وفي أماكن كثيرة “منها دوما التي تحسب أعراسها معركة”، كانت تُرفع لافتات رفض التسلح، حتى بعد مجازر الأسد المغرية بالانتقام بالسلاح.

لكن حجم التوحش والاستفزاز المسلح وغياب القيادة السياسية المنظمة دفع بعض الثائرين وأبناء المناطق الثائرة لحمل سلاح اشتروه بمالهم لحماية أعراضهم أو مظاهراتهم، ومهما كانت مبررات حمل السلاح فقد كانوا يراعون حرمة أهلهم فلا يشرّعونه في وجوههم. أما في طور الهبوط، فصار حملة السلاح موظفون يُطبّقون أوامر من يزودهم به. ولأن مصدر السلاح مضاد للثورة والديمقراطية في سورية (الخليج وأميركا)، كانت كارثة التسلح التي تؤكد أن التكنولوجيا ليست محايدة، بل حاملة برنامج وعقل موردها. وصارت عبارة فوضى السلاح تعمية لواقع تنظيمه المعادي للثورة من قوى استبداد محلية وخارجية.

أما عدّ انشقاق العسكريين أسهم في انحرافها إلى حرب، فهذا تجاهل لحق العسكريين بالانضمام إلى الثورة. فمن حيث المبدأ انشقاق العسكريين هو احتجاج سياسي في المؤسسة العسكرية، أي في جهاز القمع الأهم للسلطة وخطورته من خطورة دور الجيش الأسدي بصفته حاميًا وجوده. وبالنظر إلى طبيعة التدخل الأمني في ضبط مفاصل الجيش، ربما كانت الانشقاقات الكتلية غير ممكنة، فما بالك باصطفاف الجيش مع الثورة.

المشكلة في انشقاقهم -أيضًا- غياب العقل المنظم للثورة “قيادتها السياسية”؛ ما عطل استثمار طاقات الأطر (الكادرات) العسكرية المدربة في رسم استراتيجيات وتكتيكات ميدانية للثوار، تنهك السلطة وتخفف خسائر الثورة. وكانت النتيجة خضوعهم لأمراء السلاح وآمريه/مموليه، ثم تحييدهم بالجملة أو المفرق.

من تحييد الجيش عن مواجهة الشعب إلى تحييد الجيش عن الشعب

الجيش الحر ازداد في الحجم والقوة والشعبية، وصار النقطة المحورية في النضال ضد نظام الأسد، وقد حصل هذا التطور على حساب الحركة الجماهيرية. حيث تراجعت أو قُمعت المشاركة الجماهيرية، وتُرك الصراع للجيش الحر. لقد اختفت الحركة الجماهيرية إلى حد كبير، وما تبقى منها أصبح ملحقا بالجيش السوري الحر. هذه خطوة كبيرة إلى الوراء وتطور رجعي.

مشكلة العسكرة في استبدادها، وتحولها من وسيلة للدفاع عن المتظاهرين إلى وسيلة لإخضاع وقمع الناس ونهبهم، وتشكيل اقتصاد عنف وحرب، يسوده نهابون، ووسطاء مع تجار النظام؛ لجلب مواد وبيعها بأسعار خيالية تدفع الناس للانخراط في جيوش، لا تحميهم من دمار الطائرات الأسدية ولا تؤمّن لهم الأمان والكرامة، بل توجّه بنادقها إلى صدور المحتجين عليها في مناطق يُفترض أنها محررة.

غياب القيادة السياسية للثورة حرمنا من إدارة طور الثورة الصاعد؛ للتعجيل بسقوط نظام الأسد، فهل يسهم البدء بتشكيل قيادة ثورية للسوريين، المنهكين والمترقبين لما سيحل بهم، في تعجيل النهوض بطورنا الهابط، والوقوف لاستكمال ما بدأته ثورة الحرية والكرامة والعدالة، بدءًا بتحديد مهماتنا الراهنة الآن: وقف إطلاق النار، والعودة منظمين إلى ساحات العمل؛ من أجل التخلص من سلطة الأسد، وكل سلطات الاستبداد، والبدء بالانتقال إلى الدولة الديمقراطية.

مقالات ذات صلة

إغلاق