تحقيقات وتقارير سياسية

العائلة (غير) المقدسة

عندما أشعل البوعزيزي النار في جسده، وكانت معه الشرارة الأولى للتغيير والانفجار في المنطقة العربية، بدأت بعض الأنظمة العربية تتحسس مواقعها، وتجس نبض شعوبها في ما إذا كان لهيب الشرارة سيصل إلى قصورها، وكان أول هذه الأنظمة وأقساها وأكثرها إجرامًا على الإطلاق هو النظام السوري.

بعد أن أحرق البوعزيزي نفسه، أرسلت شركتا الخليوي في سورية (سيريتل) و(MTN) رسائل قصيرة إلى المشتركين هي، “صحيح أن الشعوب تحرق نفسها من أجل حُكّامها، ولكننا نحرق أنفسنا من أجل السيد الرئيس”، في إشارة إلى التمسك بالأسد رمزًا، وإلى استحالة أن يحدث في سورية كما حدث في تونس من انتفاضة وثورة شعبية.

تحوّلت عائلة الأسد في سورية إلى عائلة مقدسة عند أتباعها، وجاء ذلك نتيجة لعمل مُمنهج؛ اشتغل فيه الأسد الأب مذ أن اغتصب السلطة، فقد بدأت تُطرح شعارات قدسية في المسيرات الاحتفالية بالبعث أو غيره، من قبيل “حيدوا نحن البعثية حيدوا، حافظ أسد بعد الله منعبدوا”، وما الشعار الذي طُرح يوم تجديد الانتخابات الرئاسية للأسد الأب يومذاك، إلا شعارًا تأليهيًا، فليست الأبدية إلا من مدلولات الألوهية أو المطلق “إلى الأبد إلى الأبد يا حافظ الأسد”. وفي بعض المزارات في الساحل السوري، ثمة صور لآل البيت من الإمام علي إلى الإمام الثاني عشر، وقد ختمت بالإمام الثالث عشر حافظ الأسد!

مع قيام الثورة السورية، تكشّفَ لنا مدى الالتصاق الكبير بين شريحة كبيرة من السوريين، وبين الأسد، فهم ينظرون إلى الأسد طوطمًا تجاوز صورته إلى وجود حقيقة كامنة فيه، تدفع عنهم كل شر وتجلب لهم كل خير، كما يُعبّر بذلك إميل دوركهايم، ولذلك واجهت الثورة السورية هذه الصعوبة والاستحالة في فك الأسدية عن أتباعها.

الأسد الأب كان من عائلة (الوحش) التي اتسمّت لاحقًا بالأسد، عن طريق جدّه، الذي رُويت قصصًا عن قوته وسطوته، ما جعله يحظى بمهابة واحترام الناس، ما دفعهم لنعته بالأسد، وهي البداية الثانية في التاريخ العلوي للتأسيس للطوطمية الأسدية، بدلًا من البداية الأولى من تأسيس تاريخ الديانة المنسوبة إلى الإمام علي الذي يُلقّب بـ “حيدرة”، وهو من أسماء الأسد، وهو الاسم الذي يحظى بالانتشار بين الشباب، كناية عن قوة الإمام علي وقدسيته:

أنا الذي سمتني أمي حيدرة … أكيلكم بالسيف كيل السندرة

قدسية هذه العائلة في ذهنية أنصارها عجيبة، فبائع الحليب في الشارع يعطيك تحليلًا عما يجري في سورية من مؤامرة، بالتحليل نفسه الذي يُقدّمه بروفسور جامعي لطلابه في جامعة تشرين، وهي لذهنية نفسها التي جعلت من المحلل، طالب إبراهيم، عندما سُئل عن إمكانية رحيل الأسد بجوابه: “غير ربك ما بشيلو”.

ولذلك؛ كثيرًا ما يُروّج أنصار الأسد -اليوم- صور جميع الزعماء الذين رحلوا، أو الذين قالوا للأسد: ارحل، وقد كتبوا أسفل الصورة مع صورة الأسد: “كلهم رحلوا إلا أنت!”

ولا ننسى أن موت الأسد الأب كان صدمة عند أنصاره ومحبيه، فما كان منهم إلا نعته: “القائد الخالد”، فالآلهة لا تموت ولا تفنى!

ما يؤكد النزعة الطوطمية القدسية، عند أنصار الأسد، نعتهم لأحد أهم مجرميه وأنصاره بلقب “النمر”، في دلالة على ما تحدّث به علماء النفس والاجتماع في رغبة أنصار الطوطم إضفاء ألقاب الحيوانات على طوطمهم، وفي هذا الصدد يقول (سبنسر)، عالم الاجتماع المعروف، في كتابه أصل العمران: “إن الطوطم ليس في الأصل سوى لقب أو كنية لأحد الأفراد، كان قد امتاز بصفات حملت القبيلة على أن تطلق عليه أسماء بعض الحيوانات تشبيهًا وتحببًا، على حد القول فلان أسد، ويرث الأبناء هذا اللقب من آبائهم، وهكذا إلى من بعدهم، ثم توالت الأيام وتعاقبت الأجيال واضمحل أثر التشبيه والخيال من هذه التسمية، وتوهّم الناس وجود نسب بينهم وبين طوطمهم فجعلوه جدّهم الأعلى ورمزهم الأسمى، ثم يتطور التكريم إلى احترام وتقديس فعبادة ثم تتحول إلى ديانة”.

إن “تخريش” هذه الذهنية الطوطمية اليوم من أولى المهمات السورية الوطنية، لرؤية وطن يجمع الجميع بدون آل الأسد، وقد حاول كثير من أبناء الطائفة العلوية العمل على هذا الأمر، ومنهم من دفع ثمن ذلك باكرًا، كالشهيد حسن الخير، والمناضل عبد العزيز الخيّر، فعائلة الأسد وجدت في هذا التماهي معها أهم مرتكزات قوتها، سواء في مرحلة الأسد الأب أو الإبن، ولذلك كان شعار: “يلعن روحك يا حافظ” يُعتبر عند أنصار الطوطم الأسدي كبيرة من الكبائر، ومسّ للذات المقدسة عند عبيد الطوطم، وليس العجب من العوام عندما تسلب هذه الطوطمية عقولهم، ولكن العجب من نخب مثقفة تزعم معارضتها للنظام، تطرح في برنامج التغيير الديمقراطي لديها بندًا يقول: “مقام الرئاسة وشخص الرئيس لا يُمسّ!”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق