تحقيقات وتقارير سياسية

“خيارات” الحرب المحدودة… شباب سورية وبناء الهوية

غيّرت السنوات الست الماضية حال البلاد في جميع مناحيها، وكان الأبرز استنزافها الطاقات السورية الشابة في القتال أو الاعتقال أو الهجرة.

لم تعط سنوات الحرب خيارات كثيرة للسوريين، بل دفعت الشباب خصوصًا، وهم الشريحة التي تشكل نحو ثلثي عدد السكان، خارج نطاق الأحلام التي بنوها لمستقبلهم، وأسهمت أوضاع انهيار الاقتصاد، والأوضاع الأمنية كذلك، في تحجيم مسارات حياتهم وتقييدها، وبينما لا توجد إحصاءات دقيقة لأعداد من تبقوا في البلاد مقاتلين، إلا أن عدد القتلى والمعتقلين من الشباب تجاوز النصف مليون.

انخرط قسم من الشباب السوري في مناطق سيطرة النظام في ميليشيا “الدفاع الوطني” التي شكّلها النظام في مناطق الساحل بداية، فيما ترك قسم آخر البلاد ليتجنب الزجّ به في الجبهات، خاصة بعد الأعداد الكبيرة من القتلى، بيد أن عددًا لا يستهان به فرّ من جيش النظام، ولا سيما بعد قرارات الاحتفاظ بالدورات العسكرية وعدم تسريحها.

حوّل النظام سورية إلى مستعمرات لميليشيات إيران، لدرجة دفعت رئيس النظام للقول يومًا إن الوطن للذين يدافعون عنه، وهو ما كان غطاء لهذه الميليشيا للعبث بالبلاد والتملك في الأحياء التي تم تهجير أهلها بدعم من “شبيحة” النظام وزعاماتها المالية، وباتت عقارات كثيرة، ولا سيما في مناطق ريف دمشق ملكًا للإيرانيين؛ حتى دون أن يعاينوا تلك العقارات، وهو ما حدث في مدينة داريا خصوصًا، بحسب ناشطين.

لم تكن أزمة الشباب السوري في حدّتها بعد الثورة، أكبر مما كانت عليه قبلها، فتلك الطاقة لم تكن تجد لها مكانًا في دولة القمع على مختلف الصعد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وهو ما برز في الشعار الذي رفعه الشباب المتظاهرون “الموت ولا المذلة” مقابل شعار النظام “الأسد أو نحرق البلد”.

“أُفشلت” الثورة المدنية نتيجة قمع النظام وعسكرته المجتمع وتطييفه، مع دخول العنصر الإقليمي والدولي بما حمله من مصالح اقتصادية وإيديولوجيات كانت دخيلة على المطالب التي خرج من أجلها وعمل بها الشباب خصوصًا، وشعر قسم منهم بعدها بنوع من الإحباط، لكن مازال القسم الأكبر من الشباب يجترح أساليب مقاومة تتلاءم مع التطورات، فروح الثورة مازالت في نفوس الشعب الذي قدم تضحيات لم يقدمها شعب آخر.

إن أهم ما في التطورات -في المستوى الاستراتيجي- هو البناء على التجارب التي حملتها السنوات الست الماضية، فقد شكّلت آلامًا لن تقود إلا إلى وقف نزيف طاقة الشباب وترميم ذاتها، سواء من اللاجئين، أو من بقي في البلاد، وأهم ما أنجزته الثورة هو بداية بناء هوية حقيقية لسورية وإن كانت دامية، فهي بذلك تحمل عمقها وتجذرها، وتختلف وتتناقض مع تلك الهوية المزيفة التي ابتدعها النظام، الذي فشل في الدفاع عنها أمام واقع  عرّى مفرداتها، فهو لن يستطيع على أي حال البقاء لحظة واحدة في الحكم دون دعائم خارجية، في حين تنسج دماء الشهداء والمعتقلين والمهجرين والثائرين هوية ذاتية وطنية بجميع المعايير الأخلاقية والإنسانية، تعيد صورة المشهد الأول للثورة “واحد واحد واحد الشعب السوري واحد”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق