هموم ثقافية

كل فراغ مغلق تابوت

الممثلة السورية مي سكاف، أرادت تقديم نفسها قربانًا للنمور في العاصمة الألمانية برلين، الصيف الماضي، لشطب قانون ألماني ضد نقل اللاجئين من دون تأشيرة سفر. العرض لم يوافق عليه، بعد أن أحضرت الممثلة ومجموعة من المتطوعين خمسة نمور حية إلى ساحة مسرح مكسيم غوركي. منعت السلطات الألمانية العرض، وعدّته ابتزازًا سياسيًا.

 

سأكون جثة رائعة، هكذا يقول ممدوح عدوان: إن البلاد التي أنجبت مقاتلين لنا، أنجبتنا جثثا وحشودًا، فصرنا جنائز رائعة. نحن لا نذهب إلى الموت بسبب يأسنا، نحن نذهب خوفًا من أن نفقدكم، نفقد ما تبقى من إنسانيتكم.

يقول النمر -أيضًا- على لسان ممثلة سورية: بأن السيرك قد انتهى، وبعد قليل سينهار مسرح الكولوسيوم اليوناني، أو ما يسمى بـ “المدرج الفلافي” الذي شيّد ليشهد الاحتفاء بالدم.

الكولوسيوم: يشير إلى تمثال نيرون الضخم، سينهار بعد قليل، وبعد قليل سينهي النمر وجبته من اللحم السوري الطازج.

يجب فكّ الأقفاص، هكذا أُعلن في برلين العاصمة، لكن ذلك لم يحدث، وبقيت الأقفاص حتى يوم العرض الذي لم يتم. سيُنقل المجالدون والحيوانات في ممرات مكشوفه فوق الأرض؛ أمام أعين العدسات والمتفرجين، إلى قفص زجاجي نُصب أمام مسرح مكسيم غوركي.

يدير غوركي ظهره للمنصة قائلًا: مارسوا قتلكم بعيدًا عن مدرجاتي، فكيف أكون شاعرًا وشاهدًا على الدم.

غوركي الكلمة الروسية التي تعني المرّ، المرارة التي تفجرت في حكم روسيا القيصرية.

روسيا تستأجر الآن كل نمور العالم، وتدفعهم إلى الكولوسيوم السوري، تُقطع لحمنا وترميه إلى الموت.

بين نيرون وغوركي وقفت ممثلة سورية، قالت للنمر: ها أنذا، يردّ النمر بأنه قد تلاعب بالجمهور المتعطش للفرجة، وقد عاش أسبوعًا كاملًا في قفص، سيأكل الآن جسدًا سوريًا جديدًا، جسدًا مسالمًا لا يخاف النمور، فمن عادة النمور أن تهاجم من لم يهاجمها، ومن عاداتها -أيضًا- ألا تأكل إلا من صيدها، تأكل ما تضفر به مخالبها.

لن تقتلها النمور من أجل المتعة، ستقتلها من أجل القتل فحسب، تسير إليها بكل ما فيها من أنَفة وكبرياء، وبوثبة طويلة سترديها جثة هامدة…

تقول النمور: بأنها قد رأت الخوف والدهشة، وقالت العيون الألمانية بأنه يجري استغلال هذه النمور المسكينة!

لقد باعدتم أنفسكم عنا لتكونوا أفضل منا، سنترككم وحيدين في متاهتكم. سنرحل في قطار الليل، في صدفة مقبلة، سنترك هذا البلاط الذي نسي لون الدم. إن القتل عبر القوانين عمل جبان.

وبينما كانت الأسود والمساجين والقتلة ينقلون إلى الحلبة، كان النمر وحيدًا في قفص لم يفتح، ينظر إلينا من خلال الزجاج ويقول: لقد فشلتم! اسحبوا السقالة والحجارة ونشارة الخشب وامضوا. غنوا أغنيتكم (كل فراغ مغلق هو تابوت).

أغلقوا هذا الفراغ لنصير توابيت.

اشطبوا هذا العار.

صاحت الممثلة: أنا لن أُفتَرسْ، لن أصرخ، لن أهديكم هذه المشاعر. أنا لا أستحق هذا الدور. ستظل عيوني مفتوحة عليكم، سأتعلم الاحتمال. أتعلم وأنا أودعكم بأنني لن أموت بعد. لن أخرج الآن، سأقف هنا بانتظار أن يخرج آخر نمر من جلودكم. اقطعوا ما تبقى من لحمنا. اسلخوا جلودنا، وعلقوها في صدور بيوتكم الى جانب جلد النمر.

مقالات ذات صلة

إغلاق