ترجمات

كيف باع “المرتزقة الروس” الجهاد السوري

صورة: إيفرن سيل نت evrensel.net

 

يشكِّلُ النزاع السوري المستمر منذ عام 2012، منصَّةً مثاليَّةً للمرتزقة. ولهذا بدأت الشركات العسكرية الخاصة العمل في سورية منذ عام 2013، قبل أنْ يتحوَّل النزاع إلى نزاعٍ عالمي. والآن، تهتمُّ أطراف النزاع كلُّها بخدمات الشركات العسكرية الخاصة، بما في ذلك عناصر تنظيم الدولة الإسلامية. وللوقوف على هذا الواقع، استقصت صحيفة “غازيتا. آر يو” تاريخ شركة ” MalhamaTactical”، وهي من أوائل الشركات العسكرية الخاصَّة التي قدَّمت خدماتها للجهاد الراديكالي.

أعلنت شركة Malhama Tactical (MT) نفسها للمرَّة الأولى، في أيار/ مايو عام 2016. وتحدَّث أعضاءٌ من المجموعة عن نشاطهم في شبكات التواصل الاجتماعي علنًا: أنَّهم يقاتلون إلى جانب تنظيم الدولة الإسلامية من أجل المال. ونشر أعضاء من هذه الشركة مقاطع فيديو، – نوعًا من الصفوف التعليمية، يشرحون فيها أساليب الحرب الحديثة، إذ ظهرت في الفيديوهات مجموعةٌ من المدربين تعلّم أساليب إطلاق النار وطرق التسديد من أسلحةٍ نارية، إضافةً إلى التكتيكات المتَّبعة عند القتال في مجموعاتٍ صغيرة.

كان يظهر، في جميع تسجيلات الفيديو تقريبًا، شابٌّ بملامح شرق- أوسطيَّة، أَسودَ الشعر يخفي نصف وجهه، أو يضع قناعًا من الصوف يغطي كامل الوجه- إنَّه قائد MT، أبو روفيك، الذي يسمِّي نفسه “المعلِّم”. وكان يتحدث دائمًا بلغةٍ روسيَّةٍ ممتازة، ولكن بلكنة خفيفةٍ نوعًا ما.

كان عمل المجموعة على شبكات التواصل الاجتماعي يجري علنًا، وبدون إخفاءٍ لعلاقاتهم الإجرامية. على سبيل المثال، وضعت إحدى المجموعات، في شهر تشرين الثاني، إعلانًا على صفحات   Facebook تعلن فيه: ترغب شركة MT بالتعاقد مع “معلِّمين” من ذوي الخبرة القتالية. ويقول الإعلان أنَّ العمل سيكون مع “جبهة فتح الشام”، التي كانت تدعى سابقًا “جبهة النصرة” التي عُدّت، منذ زمنٍ بعيد مظلّةً لتنظيم القاعدة.

الموت والبعث

قليلة هي المعلومات عن المعلِّم أبي روفيك. ولكنَّه يبلغ من العمر زهاء 25 عامًا. وربما يكون من أصولٍ روسية، أو من إحدى دول الاتحاد السوفياتي السابق. في كل حال، أعلنت شركة MT، في 7 شباط/ فبراير، عبر صفحات التواصل الاجتماعي التابعة لها، مقتل أبي روفيك وزوجه الحامل، في أعقاب غارةٍ جويَّةٍ روسية على مناطق في محافظة إدلب. وصمتَ حسابُه الاجتماعي على شبكة التواصل منذ الثامن من شباط/ فبراير.

بعد مقتل أبي روفيك المحتمل، لوحظ انخفاضٌ في نشاط الشركة الإعلامي. ولكنَّه عاود الصعود ابتداءً من آذار/ مارس. وتؤكد مواقع التنظيم في الشبكة العنكبوتية أنَّ الحملة ستستأنف نشاطها. وبالفعل، أنشأت شركة MT مجموعاتٍ جديدةً في الـ “فيس بوك” في 5 آذار/ مارس. أمًّا المجموعات القديمة فقد مُسحتْ أو أُغلقتْ.

كانت الشركة خلال العام الماضي تضمُّ من 6 إلى 8 أشخاص، إضافة إلى أبي روفيك نفسه. وكانوا جميعًا من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق. والمعلومات المؤكدة عن الأعضاء أقلُّ بكثير من تلك المتوافِّرة عن زعيمهم. وهناك بضعة صورٍ جماعية -فحسب- منشورة في صفحات الشركة نفسها، ويظهر في إحداها مقاتلون مسلَّحون بالرشاشات والقنابل، وفي خلفية الصورة منظر شبه استوائي.

تقول مدير المركز الأوربي لأبحاث الاستراتيجية والأمن، يفغينيا غفوزدفا: “بداية أثار اهتمامنا أنَّ هذه المحاولة كانت -عمليًا- الأولى لإنشاء شركةٍ عسكريةٍ خاصَّة تحت راية الجهاد. فما الذي ميَّزَ هذا التنظيم؟ بالطبع المسار التسويقي المتطور. أطلق التنظيم، وخلال فترةٍ زمنيَّةٍ قياسية كميةً كبيرةً من الصور على صفحات التواصل الاجتماعي والكثير من مقاطع . YouTube، وكانت الفيديوهات التي ينشرها «user friendly»- موادٌ متاحةٌ مع القليل من الإيديولوجية”. ترافق بعض أشرطة الفيديو التي أطلقتها الشركة مع أناشيد إسلامية دينية. وهذا يماثل الأسلوب الدعائي للتنظيمات الإسلامية المتطرفة. وباستثناء الإخراج الموسيقي، الذي يتطلَّب تعاونًا وثيقًا مع أعمال Al-Hayat Media Center- وهو الجناح الإعلامي لتنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي- فإنَّ المضمون الإيديولوجي للفيديوهات كان غائبًا تقريبًا.”

مثل الأميركان

بعد مضيِّ عدة أيامٍ على موت أبي روفيك المفترض، نشرت مجلة Foreign Policy مقالًا، عمَّدَ عنوانها ولادة شركة MT ” بلاك ووتر من الجهاد”. ومن المعروف أن شركة بلاك ووتر Black water- هي شركة عسكرية خاصَّة، كانت واحدةً من أكبر وأكثر الشركات شهرةً على مستوى العالم. وكانت غالبية العقود التي وقَّعتها هذه الشركة قد أُبرمت مع حكومة الولايات المتحدة الأميركية. واشتُهرَ مرتزقتها على مستوى العالم بإطلاقهم النار المأساوي على المواطنين العراقيين المدنيين عام 2007 أثناء إحدى العمليات الفاشلة. أجبرت الفضيحة المدويَّة مؤسِّس “بلاك ووتر” ومالكها، إيريك برينس على إغلاقها، ولكنَّه أعاد بناءها تحت مسمَّىً جديد- Academi.

تقول Foreign Policy عن شركة Malhama Tactical:” إنَّها جمعية لنخبة من المحاربين من جميع جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، ويتقاضون أجوراَ مرتفعة. وتدرب الشركة الجهاديين في سورية”. يؤكد كاتب المقال أنَّ الشركة عملت بالفعل مع “جبهة فتح الشام”ومع” الحزب الإسلامي التركستاني”، وكذلك مع الإسلاميين المتطرفين من منطقة تسنسيان- ايغور الصينية.

ومن جانبٍ آخر، لم تعمل هذه الشركة مع داعش أبدًا. فجبهة فتح الشام، زبون МТ الرئيسي والناشطة في محافظة إدلب، تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية”الخلافة”.

يقول الخبير بالإرهاب الدولي، الصحفي بيتر ديرغاتشوف لصحيفة “غازيتا” أنَّ المعلومات تؤكِّد أنَّ أبو روفيك كان في عام 2014، يرابط في نقاط الرباط قبالة قوات داعش. أمَّا صحفيُّو “فورين بوليسي” فيقولون أنَّهم تمكَّنوا من التواصل مع أبي روفيك بواسطة التليغرام فقط. ومن الواضح أن تسجيلات نصيَّة مع زعيم МТ، هي المصدر الوحيد لمعلوماتهم. يقول نصُّ المنشور: “ظهر تأثير هذه الشركة العسكرية الخاصة الجهادية في شمال سورية، ويمكن أن يظهر مقلِّدون لها خارج حدود الشرق الأوسط، – وحتى لو كان أبو روفيك قد قُتِلَ فعلًا، وحتى لو اختفت شركة Malhama Tactical، فإنَّها قد غيَّرتْ مجرى الحرب ضد الأسد. وإلى جانب هذا، ربَّما سيتغيَّر مستقبل مجَّمع الصناعات الحربية”.

تقول ملفَّات المنظمة الأميركية لمراقبة نشاط الجماعات “الإرهابية”، بأنَّ شركة МТ بدأت نشاطها في سورية في عام 2015، وأنَّها، على الأقلِّ، قد شاركت في معارك حلب وإدلب. ومع ذلك، يمكن عدّ الفيديو المنشور في YouTube هو الدليل الوحيد، وغير المباشر، على مشاركة مرتزقة МТ في المعارك، على الخطوط الأمامية، إذ تظهر فيه مشاهد زُعِم أنَّها معركةٌ في حلب.

الطبَّاخ الذي باع الجهاد

ومع ذلك، ينظر الخبراء الذين تحدَّثتْ إليهم “غازيتا. آر يو” بريبةٍ إلى المعلومات التي تتحدَّث عن مشاركة مجموعة أبي روفيك في القتال على الخطوط الأمامية، وأنَّ عملها لم يقتصر على تقديم الخدمات الاستشارية.

يلاحظ ديرغاتشوف أنَّ شركة МТ لم تشارك إطلاقًا في الأعمال القتالية. وعلى الرغم من ذلك، لا ينكر الخبير أنَّ أعضاءها قد عملوا في مرحلةٍ ما مع مقاتلين من الناطقين باللغة الروسية والمنضوين تحت راية “جبهة فتح الشام”. ويضيف ديرغاتشوف أنَّ أبو روفيك قد استغلَّ نموذج ” الشركة العسكرية الخاصة الإيديولوجية” لجمع التبرعات من المتعاطفين مع الحرب ضدَّ الأسد في سورية. وتقول “غفوزدفا” أنَّه: ” ظهر اسم أبو رفيق في الإعلام مع الإعلان عن الشركة العسكرية الخاصة. وقبل ذلك، لم يكن أحدٌ يسمع به على الرغم من وجوده في سورية قبل سنوات. وبالمناسبة، يعطي هذا مبررًا إضافيًَّا للتشكيك بجميع الروايات عن Malhama Tactical وعن أبي روفيك. وبالنسبة إلى أبي روفيك، فقد كان عمرهُ عند مقتله 24 عامًا، أي أنَّ عمره عندما وصل سورية عام 2013، كان 20 عامًا فحسب. ومن الواضح، أنَّه لا يمكن أن تكون له الخبرة القتالية التي يمكنها التفاخر بها.”

مصدرٌ آخر قال أنَّ أبو روفيك كان يعمل قبل ذهابه إلى سورية، طبَّاخًا في أحد مقاهي جمهورية تترستان. وبالفعل، خدم في الجيش لمدة عام ونصف العام، إنَّما في مطعم إحدى وحدات الجيش. وهناك حصل على “خبرته القتالية الوحيدة”. وقد رفض المصدر تحديد الوحدة التي خدم فيها أبو رفيق. إلا أنَّ المصدر قال بأنَّ هذه المعلومات من “عسكريين من ذوي الرتب”، لا يستطيع الإفصاح عنها.

يقول ديرغاتشوف:” كان أبو روفيك في سورية شتاء 2013/2014. ولم يكن يشارك بالمعارك هناك، بل كان منشغلًا بإدارة جمع الأموال من أنصار الجهاديين، وأدرك حينها أنَّ قد يُقتلُ في المعارك. لذا بدأ، اعتبارًا من خريف عام 2014، يعمل كـ “معلِّم”. وإدراكًا منه بأنَّه لا يمتلك خبرةً حقيقيَّة، راح يشاهد أشرطة يو تيوب، ويتعلَّم تكتيكاته. وفي هذه الأثناء، استمرَّ في تحصيل المال من المشاركين في المواقع.

ويضيف الخبير ” قرَّر أبو روفيك، صيف عام 2016، الانتقال إلى مستوىً أعلى، وبدأ بإنشاء شركةٍ عسكرية خاصة، بدعوى تدريب المقاتلين بطريقة التعاقد. وفي واقع الأمر، وتجنُبًا لتحصيل المال باسمه الشخصي، كان الهدف من إنشاء الشركة جمع الأموال تحت اسم شركة عسكرية خاصَّة تدَّعي محاربة النظام السوري، بينما يقبع هو على مسافة عشرات الكيلومترات بعيدًا عن الجبهات.”

ترى يفغينيا غفوزدفا، أنَّه حتى لو لم نصدِّق شيئًا ممَّا قيل عن أبي روفيك، فإنَّه يجب أنْ نعطي الاهتمام اللازم لمقولة” النموذج العملي” لمثل تلك الشركات الخاصَّة.

ومهما كان الأمر، تمكَّنتْ شركة MT من جمع أموالٍ كثيرة. وفي حال العكس، يتساءل المرء عن مصدر تمويل المرتزقة، طوال عامين ونصف العام، وهم على بعد بضعة كيلومترات عن الجبهات. وترى الخبيرة:” إنه وضع محيِّر أنْ يبدأ أحدٌ ما عملًا على أساسٍ تجاري تحت راية الجهاد. وبغضِّ النظر عن كل شيء، لا يجوز القول بثقة أنَّ أبو روفيك كان شخصيَّةً بارزة في التنظيم الراديكالي السريِّ، بل كان مجرَّد شخصٍ لديه خبرةٌ جيدة في تكنولوجيا الإنترنت”.

ظهور تنظيم الدولة الإسلامية الفريد، بصفته أقوى جيشٍ إسلامي متطرِّفٍ في الشرق الأوسط، يُفَسَّرُه في الغالب نشاطها الدعائيّ الهائل، إرهابها الخصوم، واجتذابها المؤيدين ليس فقط في الفضاء الفيزيائي، بل وفي الفضاء الافتراضي(الإنترنت) أيضًا باستخدام أشرطة الفيديو، الكتيِّبات الرقمية، الخطابات الصوتية الموزعة عبر المراسلين. غير أنَّ تنظيم الدولة الإسلامية، كغيره من التنظيمات الأصولية، اعتمد دائمًا على فكرة أنَّهم يعملون من أجل تحقيق الفكرة. أمَّا نظرتهم إلى النقود فتقول أنَّ المال هو رمزٌ لـ ” للعالم الغربي المتعفِّن والفاسد”، وأنَّه وسيلةٌ لا أكثر.

تقول غفوزديفا:” أفضلية النشاط العسكري- الاستشاري الذي ينمو كالفطر بعد المطر في أي منطقة نزاعٍ دولية، هي أنَّه يقلقنا بالفعل. وخاصًّةً، توجُّهه للاستثمار في الجهاد العالمي”. وتلفت الخبيرة النظر إلى أنَّه في الحال التي تصبح فيها أهمية المكوِّن الإيديولوجي من الدرجة الثانية، فإنَّ نماذج مشابهة للشركات العسكرية الخاصة قد تُستخدم من قبل أية مجموعاتٍ يمينيَّةٍ أو راديكاليةٍ متطرفة، أو عمومًا  من مجموعاتٍ ذات توجه سياسي لبناء نشاط في أيِّ بقعةٍ من العالم”. وتدلُّ التجربة المستقاة من الفيديوهات التي تبثُّها المجموعات الجهادية، أنَّها قد تكرِّرها قوىً لا علاقة لها البتة بالإسلام.”

 

اسم المقال الأصلي Как «русские наемники» продали сирийский джихад
اسم الكاتب الكسندر أتاسونتسوف
مكان النشر صحيفة غازيتا أر- يو
تاريخ النشر 12-03-2017
رابط المقال https://www.gazeta.ru/politics/2017/03/11_a_10569935.shtml#page6
اسم المترجم سمير رمان

مقالات ذات صلة

إغلاق