تحقيقات وتقارير سياسية

ست سنوات تآمر على الثورة

يعلم السوري أن الأفق الذي فتحته ثورته صائر إلى طريقه نحو العام السابع بانحسار الآمال لمؤازرته في إسقاط حكم الطاغية، بل يعلم أن الشعارات الكبرى التي حملها وقاتل من أجلها قد أفضت إلى نقائض مخزية، بفضل التخاذل الكبير الذي منيت به  من ثوار “وحركات تحرر” وأحزاب سياسية وفصائل وتنظيمات، هدير شعاراتها ومهرجاناتها وفائض أدبها، أُحيل إلى حضيض واضمحلال، برهنت عليه امتحانات ثورة السوريين ومحنتهم الكبرى، وفضحت جملة الممارسات اللا أخلاقية واللا إنسانية التي أفرزتها نقائض الثورة في تحالفاتها وغزلها وتوددها لسفاح دمشق؛ الحلف المعادي لثورة السوري.

أكدت  حقيقة الممارسات -تلك- الوحدة الجماعية مع خندق الفاشية المتسع لمارينز الإمبريالية ولطائرات العدو وقذائفه، ولميليشيات مرتزقة، مع تناغم دولي وإقليمي يحاول طمس هذه الوحشية عامًا بعد عام، على حساب دمار الإنسان السوري ومقدراته وحواضره، كذلك لم يجر التعتيم على وحشية جرائمه وفظاعتها؛ إلا لفرض مزيد من القهر غير المسبوق في التاريخ الحديث، على شعب يزداد تمسكًا بحريته وكرامته أكثر من أي وقت مضى؛ عبّرت عنها الإرادة القوية للسوريين بالتصدي لغطرسة الفاشية المتحالفة مع “قوة عظمى” وعصابات مستوردة تخدم مزاعم “الاتحاد لمواجهة الإرهاب” تُستثمر لتعزيز امتيازات الطاغية من خليط خندقة وحلفه.

كان واضحًا منذ البداية، أن طموح الثورة السورية في الحرية والكرامة والديمقراطية، وخلق قيادة سياسية شعبية من أنموذج جديد لا علاقة له بإيديولوجيا الاستبداد والفساد والعجز، لذلك كله؛ ظهر الاستعصاء القوي لعربتها المتقدمة، من قتال النظام مباشرة، إلى مقارعة فرقه وميلشياته ومرتزقته، إلى التصدي للخذلان والتآمر عليها، خلقت في معمعان المواجهة مساحة مبعثرة “لقيادة جديدة”، أدمنت الحسابات الضيقة والهوس بالأضواء والاستهلاك القاتل لأجندات أربكت وزعزعت طاقتها وزرعت اليأس في النفوس، بالتوازي مع جرائم فزاعة “داعش” وأخواتها المرتزقة من ضاحية بيروت، إلى فرق بغداد الطائفية والأوزبكية والشيشانية والإيرانية لإدخال كل ما يلزم؛ لتنفير الشعب السوري وتثبيط عزائمه مقدماتٍ ضروريةً لإضعاف الثورة؛ وصولًا إلى إخماد لهيبها.

وإذا كانت المؤامرات والأحلاف المختلفة قد أثّرت نسبيًا في معنويات الثورة، فهي تدخل في سياق تجذيرها وإطالة عمرها، إضافة لتكاليفها الباهظة، أمر لا تعقيد فيه من جهة أن الأسد الطاغية لا مكان له في مستقبل السوريين بسقوط أبديته المتوارثة، ومن جهة أخرى، يخلق التجذير الحاصل ثقافة وعزيمة ستبقى ملازمة للأجيال المقبلة، مهما بلغ التآمر من ذرى، فهو في انكشافاته وفضائحه عزز الإيمان بالإرادة التي واجه بها السوريون أعتى القوى في القرن الحادي والعشرين، قياسًا على إمكانياتهم والأوضاع المحيطة بهم.

يكفي أن تسأل أي واحد منهم ليسرد لك قائمة المتخاذلين والمتآمرين عليه وعلى ثورته، لا شعارات ولا بروباغندا تستغفله.

لذلك؛ من الصعوبة، في ظل ارتدادات الدم وتوحش الطاغية، تمرير ما يخالف الطموحات والآمال الكثيرة، ليس أولها خلع الطاغية فحسب، كتعبير عن تضحياته، بل في بناء وطن ومواطن استطاع كسر القيود التي تكبله ولن يعيد يديه إلى القيد، مهما نال ثورته من أشواك ومؤامرات.

تدخل الثورة السورية عامها السابع، بكثير من الأثقال والألآم، تدخل، وقد برهنت على أن إرادتها قادرة على المواجهة والمقارعة التي حاصرت كل شيء متصل بالممانعة أو بالأيديولوجيا ومثّلت دورًا رائدًا في تعرية و”نفض كل الأحزاب والقوى الثورية” لتعيد للبوصلة ألقها وعنوانها البادئ؛ بتحرر الإنسان المثقل بالدماء والدموع. لن تكون الثورة السورية حدثًا عارضًا، أو خطأ تاريخيًا، أو إثمًا يجب التكفير عنه، ومهما ذهب “رفاق خندق الممانعة” إلى تجميل صورة الفاشي والحضّ على القتال في جانبه، فإن الأفق المنشود لا يقاس بالاحتفاء بمرور ستة أعوام على اندلاع شرارة الثورة فحسب، وإنما  في أنها غيرت من وعي السوريين والعرب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق