أدب وفنون

ضاحية واحدة مدن كثيرة

ما إن أخرج وأمشي قليلًا، حتى اكتشف نهر السين العريض، البطيء، أرى على ضفته الأخرى متحف أورساي، إذن؛ خلفي اللوفر والكوميدي فرانسيز، وفي الأفق برج إيفل. باريس المكتبات والمقهى والحديقة والفنون والخبز والمتاحف والمعجزات الهندسية، كلها منبسطة أمام عيني وفي متناول يدي، وأتذكر “مشاريع” حسن نصر الله، وخيمه وإصبعه المتوعد، وطموحات الجنرال المتقاعد، وجماهير “الممانعة” كلها… هذه فكرة أرميها في مياه السين مع الحسرات وأمضي“. (ص40).

بهذه الروح التواقة إلى الجمال والحرية يصحبنا يوسف بزي في كتابه الجديد “ضاحية واحدة مدن كثيرة” الصادر عن دار الريس أواخر 2016، يصحبنا معه في جولاته بين سبع عشرة مدينة، تبدأ ببيروت حيث يعيش، وبها تنتهي، بعد أن تنتقل إلى باريس، الاسكندرية، روما، غزة، لوديف الفرنسية، الجزائر، برلين، لايبزيغ، القاهرة، غوا، ديار بكر، بغداد، اسطنبول، أربيل، لوبيليانا. وهي المدن التي زارها بهويته الصحفية ليغطي الأحداث الساخنة فيها، أو بوصفه شاعر ضيف على المهرجانات الثقافية في فترة زمنية تمتد بين 1995و2014.

بهويته الصحافية يصل غزة المحاصرة عبر معبر رفح عام 2009، بعد يومين على إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، ويصف مشهد دخوله إليها: “لم أنتقل من نقطة حدودية إلى أخرى، أو من بلد إلى آخر، لكني قفزت من قارة إلى أخرى، كل ما يفصل أفريقيا ويميزها عن آسيا، أو لنقل يرسم الحد بين بلاد النيل وبلاد الشام، يظهر في هذا الشريط الحدودي الضئيل عند نقطة رفح” (ص83) هنا تتلاشى الصحراء، يختفي الغبار، وتبدأ أرض الزيتون والتين والهواء الرطب والفضاء المحتشد بكل شيء.

يرسم يوسف صورة حية لهذا الفضاء بتركيبته السكانية من “الغزاويين” سكان المدينة الأصليين، و”اللاجئين” ممن تشردوا عام 1948، و”العائدين” بعد اتفاقية أوسلو، ويفاجئه اصرار المجتمع المنكوب على اتقان العمل، والحرص على مظاهر الوفرة والنظافة واقتناء التكنولوجيا الحديثة. يصف طبيعة الصراع بين فتح وحماس، ويجمع شهادات الناس التي تكرر عبارة: “حماس خربت بيوتنا واليهود ما عندهم رحمة”. يزور أشهر مستشفيات العالم حينذاك “دار الشفاء” ملاذ من كان يدهمهم الموت المجاني. يحدثنا أن الأنفاق المحفورة بين رفح الفلسطينية ورفح المصرية، ليست وليدة الحصار بل تعود إلى عام 1967، ولم تتوقف عن العمل منذ أربعة عقود، ويتقاسم النفوذ عليها اليوم الاستخبارات المصرية ومليشيا حماس.

على الرغم من صعوبة وصول الإعلاميين إلى مصر الثورة، فقد تدبر يوسف أمره لزيارة القاهرة ثلاث مرات في الأعوام 2012، 2013، 2014، ليكون شاهدًا على عمق تحولات ميدان التحرير، من ساحة التظاهرات المليونية لإسقاط نظام مبارك، ولدفن الأيديولوجيات بما فيها الإسلام السياسي، بقيادة الشباب، إلى مكان تحدث فيه جرائم التحرش واغتصاب النساء، وإلى مسيرة “الشارع لنا” التي نظمتها الهيئات النسوية، وفيها هتفت المحتجات: “صوت المرأة مش عورة، صوت المرأة ثورة”، وصولًا إلى إقصاء الشباب الثائر عن المشهد السياسي، وانتخاب السيسي وعودة الدولة بكامل سلطتها وجبروتها.

عينا الشاعر تقتفي أثر الثقافة في كل مدينة يجول فيها، يتبع تاريخ المكان، جماليات التخطيط وطرز العمارة، الحدائق والمتاحف والمعارض والمكتبات والمقاهي، فالثقافة على حد تعبيره هي: “الانتظام اليومي لمعنى العيش وتذوق الحياة وتهذيبها والتمتع بها جسمًا وعقلًا” (47ص). وبقدر ما نجده مبهورًا ومفتونًا بفضاء المدن الأوربية الذي يرى فيه إمارات انتصار الإنسان وسطوة العقل وتمجيد الفرد، بقدر ما يبدو ساخطًا على فضاءات مدينته والمدن العربية، حين يتأمل خرائبها، ويقرأ علامات سيطرة الغيب وانسحاق البشر تحت ركام الأيديولوجيات المستبدة والحروب.

“أهلا بك في ألمانيا… بلد الأفكار”. تلك اللافتة هي أول ما قرأته فور خروجي من المطار، وما إن وصلتُ إلى الجسر أول الطريق إلى برلين، حتى قرأت “العلم من أجل حياة أفضل” لوحة إعلانية لشركة باير صانعة الأسبرين العجائبي” (181ص). أما في عاصمة المليون شهيد فهذه بعض مشاهدات الكاتب وانطباعاته: “في بيت تقليدي عربي-إسلامي مزدان بصور الرئيس بو تفليقة وأعلام الجزائر، يتجمع رجال تجاوزت أعمارهم السبعين عاما، حول طاولات النرد والورق والداما، ويمضون وقتهم باللعب وشرب الشاي. قال لي رفيقي: هؤلاء هم المجاهدون، وهذا واحد من أنديتهم”، “لم يغادر الشهداء المدينة، ولم يذهبوا إلى موتهم أو إلى التاريخ، إنهم يعيشون كأطياف ضبابية تسيطر على الفضاء العام” (ص163).

المقارنات التي لا يكف البزي عن عقدها بين طوريّن من الثقافة: ثقافة المدينة والانفتاح والازدهار، وثقافة الريف والعقائد الشمولية والجمود، تنتج مفارقة التشابه بين العواصم العربية التي تبدو جميعها وكأنها ضاحية واحدة، يكسو ملامحها الإهمال والعصاب، وهي المفارقة التي تصوغ عنوان الكتاب، وتطبعه بنكهته الخاصة وروحه الساخرة.

بصيرة يوسف مذهلة في التقاطها صور القتل المتعمد لحق الاختلاف ومظاهره، وتهجين حياة المدينة بأنماط بدائية في الفضاء العربي، وهي تنبع من أعماقه التي خبرت الطوريّن من الثقافة، مذ أن نزل مقاتلًا إلى بيروت أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، وأسهم بخرابها، إلى أن غلبته “باريس العرب” وأنسنته، وجهزته للعيش فيها وتذوق حلاوتها، ويوسف لا يخفي نواقصه، ولا عيوب البيئة التي ينحدر منها، يعترف بخطاياه أمام الآخرين، تاركًا لهم أن يكتشفوا مكامن نبله بانحيازه الدائم إلى قيم الحرية، ودفاعه الصادق عن حق التمتع بالحياة.

في تجواله لا يكتفي المؤلف بتسجيل مشاهداته وانطباعاته حول ما يراه، بل نجده مهجوسًا بسبر ذاكرة النخب، واستطلاع آراء الناس العاديين، وعلى صفحات الكتاب نلتقي كثيرًا من رموز الثقافة العالمية، ونستمع إلى صوت كثير من المواطنين. نلتقي مثلا الشاعر ستيفانو سيزاري الذي يعتقد أن المتوسطية ليست محوًا للقوميات، بل هي مدخل لتحريرها: “بها أستعيد خصوصية جزيرة كورسيكا التي طمستها المركزية الفرنسية، أستعيد لغتي التي غمرتها لغة موليير” (ص146). ونسمع صاحب المقهى في بلدة لوديف يقول: “قهوتي إيطالية جيراني جزائريون، أقربائي إسبان، طبيبي لبناني… هذا هو عالمنا، وإلا فلن تتفتح الثقافة، ولن يكون هناك فن، ولا تجديد للحياة” (ص147).

ومحطات يوسف البزي ليست مقالات وتقارير فحسب، كتبها صحافي تستهويه متعة التجوال في المدن الغريبة، هي نصوص شاعر مرفقة بالصور التوضيحية، تحتفي بالمكان، وترصد تحولاته بلغة أنيقة وسرد رشيق وتأملات متأنية، تفتح أبواب المعرفة والدهشة، وهي تقارب التاريخ والجغرافيا وطقوس العيش والاحتفاء بالمبدعين في أنماط متباينة من الثقافات، ومناطق كثيرة من العالم. إنها إضافة حقيقية إلى ما يُعرف بـ “أدب الرحلات”.

 

8/3/2017

مقالات ذات صلة

إغلاق