أبحاث ودراسات

في الذكرى السادسة للثورة السورية… ومآلاتها

هل ما حصل عثرة في مسيرة أم نتيجة محتومة؟ هل نسلم للأمر الواقع؟

هل هذا ما كان يطمح إليه السوريون؟!، هل نسلم بنظريات ميتافيزيقية ماورائية لنسوغ ما آلت إليه الأمور؟!، أم إن انحرافنا عن المنهج الإلهي هو سبب الخراب، كما يدعي أصحاب النظرية الثيوقراطية؟!، أم إننا مستهدفون حقًا بعقول كلية التشكيل والمقدرة لدول تآمرت علينا؟!

تساؤلات كثيرة في البال بعد هذا الخراب العظيم!

1 – ثورة لجميع السوريين:

عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية، ونظام استبدادي شهواني للحكم، أفسد المجتمع وأفقره بمنهجية، ورياح تغيير هبّت في المحيط، كانت الشرارة في انطلاق جموع متأهبة لثورة آذار/ مارس 2011، تنبأ بحدوثه مفكرون مغيبون من تاريخ نقل لنا نقلًا مصقولًا مشوَّهًا اختير بعناية، بغية قطع خيوط الذاكرة بالماضي المتنور بخفوت، التقدمي السطحي، وربطها على صخرة “نكسة” 8 آذار/ مارس عام 1963، الذي تولى به البعث السوري الحكم مستفيدًا من تجربة قرينه العراقي. هي ثورة سلمية رفعت شعارات وطنية من شعب أحس بلا وطنية سلطته، وعدم ايمانها به، فخربت ونهبت وساست البلد بحسب مصالحها الفئوية الضيقة.

الشعب السوري ما بينذل… الشعب السوري واحد…

شعارات حملت رغبة شعبية ببزل القيح في أثناء المجتمع وقاعه، وإنهاء التوترات القبلية والطائفية والمناطقية ماقبل المجتمعية التي اصطنعتها السلطة، وغذتها بهدوء لتنهش المجتمع وتثبت أركان حكمها.

أربك النظام فاستدعى حرسه القديم محضرًا معه مصنفات وخطط التنكيل المجهزة لمواجهة هذه اللحظة، واستحضر تجاربه القديمة في القمع الداخلي (1979) فضلًا عن تجربته بالقمع الخارجي، في إثر تدخله بلبنان (1976) إبان الحرب الأهلية اللبنانية، وتعامل مع الثورة بعقيدة (الأسد أو لا أحد)، ففتح الباب لمجموعات الموت وعناصر بشرية من القرون الوسطى، تمتهن القتل والإذلال.

لم يكن هو الوحيد المرتبك، بل العالم الذي أخذ يراقب عن كثب سلمية الثورة ومدنيتها، وصلف السلطة وتعاملها، فعكست الانتفاضة في أشهرها الأولى وعيًا ثوريًا ملائمًا مثلث حال التنوع والتعدد في المجتمع السوري، ما أدى بالدول الى الاعتراف بأحقية الثورة وعدم شرعية السلطة (آب/ أغسطس 2011. اعتراف الولايات المتحدة الأميركية بعدم شرعية السلطة).

بعيدًا عن الباحثين، عن شيطنة الثورة، مرة بعسكرتها، ومرة بطائفيتها، ومرة بعدم جهوزية المجتمع، ومرة من مثقفين متثاقلين غرقوا في النقد قبل أن تتكشف نزعتهم الطائفية، أو في جموع من أرادو أن يبرر تخاذله عن الالتحاق، فالقول بأن عسكرة الثورة خيار اختاره الشعب أشبه بعلك، يردده المذكورون آنفًا لطمس الحقيقة.

بعد التفنن في أساليب العنف والقمع، التي مارستها السلطة، ورغبة منها في استدراج الثورة إلى حقل تجارب ناجحة فيه، أسهمت بشكل أو بأخر في تسهيل التسلح وإطلاق العنان لتجاره، بدأت فكرة حماية المظاهرات عند الشباب المدني المتحمس أواخر (2011) بعدما تبين أن معادلة (وردة – رصاصة) مازالت مستمرة ولا أمل بتوقفها. اقتصر ذلك بداية على تكتيك تأخير وصول قوات الموت الى مظاهرات سلمية، ثم تطورت بعد موجة الانشقاقات الحادة في الجيش السوري لضباط وعناصر انسلخوا عن عقيدة قتل الشعب لممارسة دورهم الرسمي بحماية الشعب وممتلكاته، من اتحاد الضباط الأحرار إلى المجالس العسكرية والثورية؛ ثم المجلس الأعلى لقيادة الثورة بقيادة ضباط منشقين.

أصبحت الحال أكثر تنظيمًا ومأسسة، فانتشرت المجالس العسكرية المرتبطة ببعضها ببعض من دير الزور إلى درعا، وشكلت مخفرًا لانشقاق العناصر الوطنية والتحاقهم بصفوف حاميي الشعب وليس قاتليه.

2 – تعاظم الأيديولوجيا وابتعادها عن الواقع:

بعد أن سيطر الجيش الحر على أكثر من 60 بالمئة من مساحة البلاد، بدأت الأيديولوجيا الإسلامية تغزو المشروع الثوري وتنهشه وتتعاظم على حسابه بشكل حالم لايمت للواقع بصلة بفعل عوامل شتى:

أولًا: ظاهرة الشيوخ، وتحولهم من مبخرين للسلطة إلى منظرين للثورة، فاعتمدوا على مريديهم في الداخل لقيادة كتائب إسلامية معتمدين على دغدغة عواطف العامة الراغبين في الخلاص ومحاولة قولبة أفكارهم لتتطابق مع ما يريده الشيخ، ملقين التهم على الجيش الحر، وشنوا حملة تشويه بأنه مشروع علماني يضع الوطنية (الوثنية كما سموها) في أولوياته، بينما هم على صراط مستقيم، وأن الانحراف عن هذا الصراط سيسبب مزيدًا من الهلاك.

ثانيًا: الدعم الهائل المقدم للكتائب الإسلامية مقارنة مع الدعم المقدم للجيش الحر.

ثالثًا: بعث الأسد بوصفه أحد أهم منظري التطرف، والعامل على إذكائه، باغتصابه للسلطة وسياسة التهميش والإقصاء، فلم يكن من زرع البذرة في قاع المجتمع فحسب، وإنما المتحكم -أيضًا- بالرياح التي تهب عليها، ويوجهها حسبما يريد (تجربة العراق 2003) علاوة على إطلاقه سراح المتشديين من سجن صيدنايا على اختلاف مذاهبهم ومناهجهم، ممن لم يكن السجن قادرًا على وقف إطلاق أحكام التكفير والترجي والخروج بعضهم بين بعض.

رابعًا: تغييب الصوت المدني السلمي، واستهداف الناشطين المدنيين أو غيابهم مبكرًا بفعل قمع السلطة.

3 – التدويل

في المسافة بين تعنت السلطة ورغبتها باستمرار القتل حتى أخر معارض وبين شعب تواق للحرية، خائف من الجريمة والمجزرة والتصفية دولت القضية.

– بين لا انتمائية السلطة واستجلابها ميليشيات متطرفة، ترتكب الفضائع “إرهاب الدولة” وبين نشوء منظمات إرهابية “تنظيم داعش 2014 وجبهة النصرة فرع القاعدة في بلاد الشام” دوّلت القضية.

– بين موقع سورية الجيو سياسي الاستراتيجي، وبين اختلاف وتجاذب المصالح حولها وعليها دولت القضية.

– بين السلطة وحفظها أمن اسرائيل لأربعة عقود، وضبابية البديل، وخاصة الإسلامي دولت القضية.

– بين تعاظم الأيديولوجيا الإسلامية وبين خفوت الصوت الثوري الوطني دولت القضية.

في هذه المسافات تغلغلت الدول بالأعماق، وخرج السوريون في بلدهم خارج المعادلة، وأصبح الشعب السوري حقلًا لتجارب استراتيجيات وتكتيكات دول، من الانكفاء الأميركي إلى الرغبة الروسية للعودة قوة دولية فاعلة، ومرمطة الدول العربية للثورة لتربي شعوبها بالشعب السوري وإسقاط مفهوم الربيع العربي، مرورًا بتركيا البراغماتية وأمن حدودها وخطر صاحب البندقية المأجورة (ppk) هناك، وانتهاءً بإيران وتصدير ثورتها وممارسة سياستها التوسعية التخريبية، وتسللها على جدران المجتمعات الهشة.

4 – ماذا حققنا؟!

“بين الواقع والقيمة رغبة تغييرية ومشروع ثوري، يمر بنكسات وتراجعات وانحناءات بقدر ما يواكب المشروع الثوري الواقع والعقلانية، ويبتعد عن الأوهام، بقدر ما يكتب له النجاح، وبقدر ما تتعاظم الايديولوجيا على حساب المشروع الثوري، بقدر ما يصبح معلقًا في الهواء مبتور الجذور ينتظره الفشل آخر الطريق” كما قال ياسين الحافظ.

– فقد سقطت الثيوقراطية الدينية، التي لاتختلف عن الثيوقراطية البعثية إلا بالشكل دون المضمون، وانحسر خط سيرها البياني من فتح روما إلى إقامة إمارات هنا وهناك، ومن تكفير الحاكم إلى الترحم على مشايخ حرموا الخروج عنه والاشادة بنظرته الثاقبة، ومن شيطنة الديمقراطية والحرية إلى التوقيع في مؤتمرات دولية على اعتماد سورية دولة مدنية تعددية ديمقراطية؟!! كل تلك الانحسارات أصابتهم بخلل داخلي صّعب عليهم مهمة اقناع عناصرهم المشبعة بالأوهام التي ما لبثت أن تحطمت على صخرة الواقع.

– كما سقطت ديماغوجية المقاومة والممانعة، وكُشِفَ زيفها وتزويرها لحكم الشعب والاستيلاء على السلطة بإسم الثورة العربية وتحرير فلسطين.

– وكشف العفن الموجود في المجتمع السوري، وحجم الانقسامات، التي تطفو على الساحة عند أي تحريض.

إن ما طمح إليه الثوار السوريون هو بناء دولتهم المدنية الديمقراطية التعددية، ولكن ما آلت إليه الأمور خارج نطاق إرادتهم ورغبتهم، فأصبح الحل في بلادهم مرهونًا بالتوافقات الدولية التي لم تتضح بعد. وما المؤتمرات المنعقدة على أصوات أزيز الرصاص إلا تقطيع للوقت، فكل طرف مازال في جعبته مزيد، وكلً باحث عن الحصة الأكبر. وإذا ما سلمنا بأن الحل سيفرض من الخارج لكن هذا لا يعني، أن نمتثل للأمر الواقع امتثالًا كليًا، أو على الأقل أن نُحسّن شروطنا فيه، فلا بد من أن ننظم داخلنا حسب حاجتنا وفي حدود متطلباتنا، لا في حدود ومتطلبات الخارج، وأن يطغى الصوت الوطني على الصوت المارق الذي استجر الماضي بسبب فشل حاضره؛ وأن تحدّث المعارضة السياسية نفسها بحجم حداثة وعدالة القضية التي تمثلها.

مقالات ذات صلة

إغلاق