قضايا المجتمع

الإقصاء… الخراب الحقيقي في سورية

تسبب الجحيم السوري بالأذى لجميع السوريين، على اختلاف درجاته. الخراب الأكبر ليس في الحجر والموت اليومي، وهما كارثتان مُروعتان بلا شك. الخراب الحقيقي ما حلّ في عقول بعض السوريين، ولا أستثني النخبة منهم، وتحديدًا، كتاب المقالات. زرت منذ أيام صديقة تجمعني بها علاقة صداقة منذ ربع قرن. فاجأتني بعد أن قدمت لي قهوة العزاء (النشاط الاجتماعي الوحيد في سورية هو التعزية)، بقولها، وبصراحة مُباغتة جعلت فنجان القهوة يتراقص في يدي: أنت إما أن تكوني عميلة للنظام السوري، أو مُعارضة لم يأت دورك بعد في المُحاسبة والانتقام. وللوهلة الأولى اعتقدت أنها تمزح، لكن نظرتها الحازمة والجدية إلي جعلتني أجيب مبهورة من الدهشة: أنا، أأنا من تقصدين بكلامك، أنا صديقتك منذ ربع قرن! تابعَت باليقين والبرود ذاته: أنت تكتبين مقالات جريئة جدًا” ولا أحد يؤذيك! هذا يعني أنك حاصلة على الضوء الأخضر من النظام، وأنك عميلة له؟ فلما قاطعتها مضطرة، ورويت لها مستشهدة بتواريخ ووقائع بأنني تعرضت مرارًا” للاستدعاء من الاستخبارات، وسألوني، وحققوا معي في مقالات انتقدت فيها النظام، وبعض ألوان طيف المعارضة المتشددة وغير الوطنية.

أخبرتها أنني مُنعت مرتين من السفر، إلى البحرين ولبنان، وأنني حين مُنعت من السفر إلى البحرين، تلقيت قُصاصة ورق من الضابط عند الحدود السورية اللبنانية، يبلغني فيها بضرورة مراجعة فرع المخابرات 224 في كفرسوسة. ولأني قرأت رغبة في الإصغاء لدى صديقتي، استطردت، وتابعت: اتصلت بإحدى المُستشارات المهمات في القصر الجمهوري، وهي سيدة مسيحية (وكانت تجمعني بها مودة وصداقة قديمة جدًا)، واعتقدت أنها ستساعدني، فقالت لي بجفاء : “ليش عم تطولي لسانك” !عبارة تعني بأنني تجاوزت الخطوط الحمر في الكتابة، وحين شرحت لها موقفي بأنني ممنوعة من السفر إلى البحرين، ومطلوب مني مراجعة فرع مخابرات كفر سوسة في دمشق، ورجوتها أن تساعدني، ردت بالبرود نفسه : تعالي تعالي إلى دمشق، وسوف أرسل معك أحد عناصر مكتبي”، الواقع وسط شارع البورجوازيين (أبو رمانة). عدت منكسرة القلب إلى اللاذقية، واتصلت بوزيرة الثقافة البحرينية (مي آل خليفة وشرحت لها الموقف)، وكانت السيدة الوزيرة قد رتبت لي عدة لقاءات مع طلاب الجامعة الذين يقدمون أطروحة التخرج عن بعض رواياتي، وحجزت لي مقابلتين تلفزيونيتين في تلفزيون البحرين، وفي قلعة البحرين الشهيرة. وبلغ بي العناد والرفض أن قررت، مهما كانت النتائج، ألا أسافر إلى دمشق وألا أراجع فرع استخبارات كفر سوسة، نصحني أحد الأصدقاء أن أتصل بمكتب السيدة (من الطائفة السنية الكريمة)، وكانت لسنوات وزيرة للثقافة، ونشّطت حركة الترجمة إلى درجة كبيرة، حينما كانت وزيرة ثقافة، وهي حاليًا مستشارة في القصر الجمهوري، فقلت لصديقي: لكنني لا أعرفها شخصيًا”! لم أتحمس للفكرة. تعودنا في سورية أن المسؤولين لا يخدمون المواطن، لكنني لم أجد خيارًا آخر سوى الاتصال بها في مكتبها، بعد أن أعطاني الصديق رقم مكتبها، وتعجبت أنها استمعت لي بكل احترام وتقدير وقالت لي: لن أسمح أن تأتي إلى دمشق، وسأحلّ المشكلة خلال يومين، كانت صديقتي تنصت إلي مبهورة، وسألتني: وماذا بعد؟ قلت لها بأن السيدة الراقية المثقفة الكريمة رفعت منع السفر، ولم يمض أسبوع حتى كنت في البحرين.

حين كتبت على صفحتي على الـ “فيس بوك”: شكرًا للسيدة الفلانية التي رفعت منع السفر، وحمتني من السفر الشاق والخطِر إلى دمشق، ومن الرعب النفسي الذي يقارب الذعر من مراجعة فرع الاستخبارات في كفرسوسة، جاءتني عشرات الرسائل الشاتمة والحاقدة، بأنني “شبيحة” للنظام!! وبأنني أشكر على العلن سيدة تعمل في القصر الجمهوري مستشارة. ولم أرد بكلمة، بل تأملت الضلال الفكري والوجداني الذي وصل إليه الشعب السوري، رغمًا عنه، ربما، بل إن أحدهم (وهو من المثقفين، ويكتب مقالًا أسبوعيًا في إحدى الجرائد)، لم يجد حرجًا ولا خجلًا في أن يكتب على صفحته على الـ “فيس بوك” بأنها ساعدتني؛ لأنني مسيحية، وهي من الطائفة السنية، وهي بذلك تكسبني بوصفي أقلية؛ لأنها تعمل لصالح النظام الذي يروج للدفاع عن الأقليات. ووجدت نفسها صديقتي في وضع حرج، فقالت لي: إذًا حسابك مع النظام لم يأت بعد! مقالاتك الجريئة جدًا يستحيل أن تمر بلا عقاب.

لا يمكنني أن أصف شعور الخسارة والخزي، وأنا أستمع لرأي صديقة عمري، تلك الإنسانة التي تشاركنا خلال أكثر من ربع قرن الحلو والمر، وكل منا تُسر للأخرى بأسرارها وأفكارها، أي وضع وحشي جعلها تشك بي وبأمثالي، وترفض أن تصدق أن ثمة كتابًا أحرارًا لا ولاء لهم إلا للحقيقة، ولا يمثلهم نظام أوغل في استعمال القوة مع شعبه، وروع الناس بمعتقلاته وبالموت تحت التعذيب لشبان في عمر الورد، وبأن المعارضة تطالب بالتضحية إلى آخر قطرة من الدم السوري؛ من أجل الوصول إلى الحكم، وليس حبًا بالشعب السوري.

أنا التي اخترت أن أكون ذاتي، وشاهدة عصر على آلام شعبي. أنا التي أؤمن أن الكلمة شرف (كما يقول ألبير كامو)، أجد نفسي مُتهمة من جميع الأطراف ومن أعز الصديقات (ممن نسميهنّ صديقات العمر). ما ذنبي إن كنت مُعتدلة بمعنى أنني لست مع نظام -كهذا- مُستبد، ولست مع معارضة غير وطنية. ما ذنبي إن كنت كالطفل الشجاع الوحيد الذي تجرأ، وقال حين مر موكب الإمبراطور (الذي امتدح الجميع ثيابه) إنه عار. أي خزي وعار أن يجبروك أن يكون تصنيفك في سورية: إما “شبيحًا” مواليًا للنظام، أو مُعارضًا شرسًا تدعو للتضحية بآخر قطرة من الدم السوري.

كيف سيُمثلني معارض ظل أكثر من أربعين عامًا في مناصب حساسة في سورية، من مستشار سياسي للرئيس الأب، إلى وزير، إلى مناصب أخرى، وكان حين يفتتح مهرجانًا لا نعرف إن كان يمدح الله أم الرئيس! كيف يمكن أن يُمثلني، أو أصدق أن شخصًا كهذا صار مُعارضًا! يا لهؤلاء المعارضين، ولا حاجة لذكر الأسماء، فالشعب السوري ليس مُغفلًا. ما يؤلم حقًا أن يفقد السوريون ثقتهم بعضهم ببعض، وأن تصبح الصديقة موضع شك وجاسوسة، وأن تسود الطائفية وكره الآخر ورفضه، وأن يصير التصنيف الوحيد: هل أنت “شبيح” مع النظام أم معارض. وإن قلت أنا إنسان سوري، وأحب وطني، فإن الطرفين يرفضانك ويتهمانك بالتذبذب.

صديقتي اعذريني. أنا سورية أتألم حتى نخاع العظم. وأحلم أن يأتي يوم قريب يشعر كل سوري بأننا إخوة وشركاء في سورية، وأن المحبة وحدها تبني. والكره يدمر ولا يترك أثرًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق