مقالات الرأي

ثورة يجب ألا تحتضر

“الحرب لا تحدد من هو صاحب الحق، وإنما تحدد من تبقى”

برتراند راسل

 

يتذكر السوريون “الخازوق” الذي أُعدم فيه معارضون سياسيون وأبطال النضال الوطني أيام الحكم العثماني لسورية، ولا تزال ساحة المرجة شاهد على تلك الإعدامات التي سجلها التاريخ.

التاريخ، الذي يحفل بالدماء وعمليات إبادة، يكتبه المنتصر ويبكيه المسحوق، فالخازوق أصبح مجرد حكاية في صفحة أو اثنتان بكتاب التاريخ المدرسي، وتحول معنى الخازوق من “أبشع أداة إعدام في التاريخ”، إلى كلمة أخرى عامية، يستخدمها الناس في الأحاديث اليومية وللتندر أحيانًا.

اليوم بعد 6 سنوات على انطلاق الثورة السورية، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا وتشابكًا على المستوى الدولي، وفي ذات الوقت، أكثر مأساوية ودموية على المستوى السوري.

حاول البعض البحث عن مقارنة مع شعوب أخرى تعرضت لما يشبه ما تعرض ويتعرض  له السوريون من إبادة، لكن هذه المقارنات، وان نجحت في إيجاد شَبَه في التدمير والقصف، كان من الصعب عليها العثور على تجربة خضعت فيها الدولة لاتحاد شاذ بين مختلف الأضداد على تدمير إرادة شعب وقمعه كما يحدث في سورية.

ويبقى التاريخ حبيس المنتصر، فلا أحد يمكنه أن يعرف كيف ومن سيكتب التاريخ، وكيف ستتحول الثورة السورية ودماءها على يده.

اليوم وبعد 6 سنوات على انطلاق الثورة السورية، ومع وجود احتلالين مباشرين من قطب دولي “روسيا”، وإقليمي “إيران”، لا تزال ممارسات نظام الأسد ذاتها في درجة القمع والتعذيب والملاحقة، كما أن تجار الحرب الذين خرجوا من عباءة النظام ما زالوا يُقاسمون السوريين لقمة عيشهم، أما المحتلين فما زالت وسائل إعلامهم على جهوزيتها في مواجهة أي تحرك دولي، أو تقرير لمنظمات إنسانية ترصد جرائم الحرب.

قبل عامين خرجت صور “سيزر” للعالم، وجالت صور الجثث التي لا تشبه الجثث، جالت بعض دول العالم في معارض تم تنظيمها لإلقاء الضوء على جرائم الحرب التي ارتكبها الأسد، وعلى معنى أن يموت البشر تحت التعذيب، ولكن… عادت القضية للنوم، وكأن ثمة من يريد موتها.

آخر تصريحات الأمم المتحدة جاءت مؤخرًا على لسان المفوض السامي لحقوق الإنسان، الذي قال “إن سورية بأسرها تحولت إلى غرفة تعذيب”، وأن النزاع الذي يدخل عامه السابع هو “الكارثة الأسوأ من صنع البشر” منذ الحرب العالمية الثانية.

والمأساة السورية تستمر، والتصريحات تستمر، والدم لا يتوقف، والتاريخ ينتظر المنتصر.

اليوم وبعد 6 سنوات على انطلاق الثورة السورية، اعتدنا كسوريين على فشل وخذلان المعارضة السياسية أو كما سماهم السوريون “ثوار الفنادق”، وألفنا النكات حول فسادهم، وهاجمناهم بالجلسات العامة والخاصة، ولكن عندما جاء الخذلان من الداخل، هرب السوري إلى نفسه، ونطق الشهادتين تحضيرًا لموته.

الداخل، أو كما أحبوا أن يسموا أنفسهم “ثوار الخنادق”، جاء الخذلان من الداخل، فعُقدت المصالحات على طول سورية وعرضها، وتمت الموافقة على تهجير السكان وتجميعهم في مدينة إدلب، تحت رحمة الاحتلال الأسدي والروسي والإيراني، وتم تسليم حلب، وحمص، ووادي بردى، وداريا والمعضمية وكناكر ومضايا والزبداني، والغوطة تسير على طريق التسليم، وانتشرت اتهامات الخيانة بين الفصائل، وخرجت إلى العلن فضائح لقادة عسكريين، وانشغل حاملو السلاح بالتطبيل لروسيا في أستانة 1 لأنها اعترفت بهم وتجاهلت المعارضة السياسية التي تكلمت باسم السوريين لسنوات، وبدأت الهيئات الشرعية تزداد وتصدر الأحكام وتغلق الجمعيات الإنسانية والصحف والمجلات، وتمنع المقالات، ولا يزال التاريخ يتفرج على ما يحدث في سورية، فكل منتصر على شبر سيكتب تاريخ هذا الشبر من الأرض.

اليوم وبعد 6 سنوات على انطلاق الثورة السورية، ذهب أوباما “الجبان” و”المتردد”، وجاء بدلًا عنه وحش من نوع آخر، أطلق العنان لسادية وعدوانية اتجاه اللاجئين، واعتبر الأسد حليفًا في الحرب على داعش، ولم يهتم كما لم يهتم سلفه، بأن فرق الإعدام هي الرد الوحيد لدى النظام والمحتلين للرد على ضحكة طفلة أو كلمة حب سورية.

تغير العالم كثيرًا في هذه السنوات الستة، فالتعصب والعنصرية يتغلغلان أكثر، وما كانت أوروبا تحاربه لعقود وتحاول تغطيته من مشاعر يمينية عنصرية أصبح في البرلمانات وعلى شاشات التلفزة، وصار مُرشحًا للرئاسة، وما وصول ترامب المتطرف بفكره المتعصب لرئاسة أمريكا إلا دليلًا على مدى الانحطاط الأخلاقي الذي وصل إليه العالم.

التاريخ يكتبه المنتصر، وكما حصل أوباما على جائزة نوبل للسلام يومًا ما، وحصل تشرشل على نوبل الآداب، ولأن الحرب لا تحدد من هو صاحب الحق، وإنما تحدد من تبقى، فإنه وفي عيد الثورة السادس، يبقى لنا أن نحاول أن لا ننسى أنها ثورة منذ اليوم الأول، وأن العالم كله تآمر على ثورتنا فحولها إلى حرب.

مقالات ذات صلة

إغلاق