أبحاث ودراسات

أثقال وسائل التواصل الاجتماعي

تلقي وسائل التواصل الاجتماعي أثقالًا كثيرة على كواهلنا، في غفلة منا. فهذه الوسائل، وخاصة الـ “فيس بوك”، أوسعها انتشارها (1.8 مليار إنسان لديه حساب في الـ “فيس بوك”)، تقلب حياتنا ومفهوماتنا دون أن ندري.

من قبلُ كانت قنوات الأخبار ومصادرها محدودة ومحكومة من الحكومة، وكان صوغها محصورًا بيد صحافيين في وسائل إعلام لها خط مرسوم وأخبار متجانسة، تتفق مع نهج بعينة؛ فلا يصل إلى المواطن كثير من الأخبار المخالفة أو المتضاربة، يومئذ كان المواطن في موقع المتلقي، ولا يتفاعل كثيرًا مع الأخبار، وإن كان معظم الناس يميلون إلى تصديقها أو أخذها كما وردت.

الـ “فيس بوك”، ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، والشبكة العنكبوتية، قلبت المعادلة، ووضعت على كاهل كل فرد منا أعباءً إضافيةً، ومهماتٍ صعبةً. فقد باتت مصادر الأخبار والمعلومات تتدفق في كل لحظة، وبات الأصدقاء والمعارف، وبقية الناس العاديين ينتجونها ويروجونها، وبات كل فرد -بنفسه- واحدًا من هؤلاء المنتجين والمروجين، وأصبحت أنساق الأخبار متناقضة متعارضة، يختلط الصادق بينها بالملفق أو التافه. وكانت قنوات التلفزيون الفضائية قد بدأت هذا الانقلاب، قبل سنوات قليلة، ولكن وسائل التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية قد زادت من قوة التغيير مرات ومرات.

واليوم صار المتلقي السلبي متلقيًا تفاعليًا إيجابيًا وفاعلًا. فهو من ينتج ويرسل ويبدي رأيه يوميًا، في مدًى يقصر أو يطول، بحسب الأشخاص، ويمتد ساعات كل يوم لدى كثيرين، وقد وضع الهاتف المحمول الصغير، إضافة إلى الحاسوب والشبكة العنكبوتية، العالم بين يدي كل فرد عادي، وجعل منه شاهدًا آنيًا على ما يجري في الحياة من حوادث صغرى وكبرى، وتظاهرات وانقلابات وأعمال إرهابية؛ إذ بات كل فرد يشهد حدثًا قادرًا على توثيقه بتلك الأداة الصغيرة في يده -دائمًا- هاتفه المحمول؛ ما يجعل مهمة إخفاء الحوادث، أو تزوير حقيقتها، كما كان في السابق، أصعب بكثير.

ولكن مهمة الفرد تصبح -اليوم- أصعب؛ لأن عليه أن يفرز الغث من السمين، والصادق من الكاذب والملفق مما يصله إلى وسائل تلقّيه، وهذه المهمة ليست بالسهلة؛ إذ تحتاج إلى ألاّ يكون لدى الفرد حكم ثابت لا يتزعزع، كقالب قديم واحد، يقيس كل شيء على أساسه، فهذا سيوقعه في حَيص بَيص، ومعظمنا لديه مثل هذه القوالب، ويحتاج -أيضًا- إلى دربة وتدريب، ويجري التدريب هنا من خلال العمل، فكل فرد يدرب نفسه بنفسه من خلال ممارسة التلقي والتقييم الآنية التي يقوم بها، فيصدّق ويهتم، أو يكذّب ويهمل.

من جانب آخر؛ تسهم وسائل التواصل بتغيير كثير من مفهوماتنا وعاداتنا وقيمنا في غفلة منا، فهي تشغلنا، ونتذكرها على نحو دائم. لقد أصبح الموبايل أحد أعضاء الإنسان، لا يستطيع التحرك من دونه، وإن فقده يصبح جهازًا قُطِعَ عنه التيار الكهربائي.  وتَشغلُ “بالنا” ليل نهار بما تحمله من مواد، ويصبح الأفراد اليوم أكثر انفتاحًا وشفافية، إذ ينشر الناس بسهولة كثيرًا من جوانب حياتهم الخاصة والشخصية،  ورواية الأحلام والتعبير عن المشاعر، والحديث عن كثير من المناسبات؛ حتى الخاصة منها، لمتلقٍ عام غير محدد، فيخبر الآخرين أنه مريض، وينشر صورته وهو في المستشفى، أو أنه مسافر، أو مع من أمضى أمسيته البارحة، ويقرن خبره بصورة من المكان، أو يخبرك عن عمله الجديد، أو مظاهر شاهدها، أو نكتة سمعها، أو ينقل إليك خاطرة أو صورة، وبعضهم يعتذر إلى الآخرين من غيابه مدة أسبوع عن الـ “فيس بوك” المزدحم، وكأنه يقول لأصدقائه: “ألم تلاحظوا غيابي؟”، أما بعضهم الآخر، فيحوّل صفحته إلى منشور سياسي أو ديني، أو تحريض طائفي، وفوق هذا ينتشر عبر هذا الفضاء كثير من الخرافات والفيديوهات والصور المركبة. ولكن لم يكن الناس -من قبلُ- مترابطين متفاعلين على هذا النحو قط، وعلاوة على ذلك؛ فوسائل التواصل ملائمة لممارسة الكتابة والنشر، وقد كانت الكتابة والنشر يشكلان رهبة بالنسبة لكثيرين، أو كانوا محرومين منها في السابق؛ بسبب اتجاهاتهم الفكرية والسياسية، والأهم أن وسائل التواصل أصبحت -في الوقت نفسه- منصة حرة لممارسة المواهب واكتشافها.

يوفر هذا الوضع الجديد كمًا هائلًا من المعلومات، ويرفع على نحو واسع غير مسبوق منسوب معرفة كل فرد وقدرته على المحاكمة والتقييم، ويبلور “الأنا والذات الفردية” في مواجهة القناعات الجمعية المقدسة. هذا الوضع الجديد الذي لم يمض عليه سوى عقد واحد، سيضع جميع المعتقدات القديمة الثابتة في عقولنا أمام تحدي التغييرات الكبيرة، أو حتى مخاطر الاقتلاع، إذ يزيد هذا الوضع ثقة الفرد بنفسه، وينمي نزعة الإبداع الجديدة لديه على حساب نزعة الاتباع القديمة الراسخة، ويصبح خداع الفرد أصعب، لم أقل غير ممكنة، ولكن أصعب؛ ما يجعل أساليب خداع المواطن وممارسة الكذب عليه أكثر تعقيدًا وبراعة. فمع نمو معرفة الفرد وقدراته على المحاكمة والتمييز، تسعى قوى السيطرة ومراكزها إلى أن تنمي قدراتها، هي الأخرى، وتطور أساليبها، بل وتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى شبكة عنكبوتية تربط أفراد الأرض -بجهاتها الأربع- بهذه المراكز، وتضخ لها بأساليب ذكية ما تريد من المعرفة والمعلومات التي توجهها الوجهة الملائمة لخدمة مصالحها، بينما كانت مراكز التحكم في الماضي لا تصل إلا إلى النخب التي تذهب إلى الجامعات أو لمن يقرأ الصحف والكتب، وكانوا يشكلون نسبة قليلة من عدد أفراد المجتمع، ولكن كانت تلك القلّة تتحكم بالجماعات والمجتمعات أيضًا. إنه صراع متصاعد، ولكن قدرة الفرد تنمو جمعيًّا، وهذا يحدث في التاريخ للمرة الثانية، بعد انتشار التعليم خلال القرن العشرين، وخاصة في نصفه الثاني،  وبنتيجة  الصراع ستتقلص قدرة المراكز على التحكم؛ بسبب الوعي الجمعي المتصاعد، وفي جميع الأحوال، يحقق هذا تقدمًا للبشرية غير مسبوق، ولكنه لا ينهي التفاوت والاستغلال والاستبداد، وإنما يقلّصها ويسير خطوات باتجاه اضمحلالها.

هذا الوضع الجديد الذي لم يمض عليه سوى عقد واحد، سيضع جميع المعتقدات الدينية الثابتة على مستوى الكرة الأرضية، سواء الأديان السماوية أو الأديان الروحية، مثل أديان الشعوب الهندية وأديان الشعوب الصفر وأديان اليابان، أو غيرها، في مواجهة تحد يتوقع أن تخسر رهانها فيه، ما لم تتحوّر وتتبدل وتغير من جوهرها وشكلها.  الدين المسيحي في أوروبا واجه شيئًا من هذا التحدي مع حلول العصر الصناعي وعصر الأنوار، وأجرى تبدلات كثيرة، ولكنه اليوم يواجه التحدي نفسه بحدة أقل، على الرغم من تحولاته السابقة. أديان اليابان وثقافتها تكيفت مع العصر الجديد، منذ ثورة الميجي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أما الصينيون فقد أجبرتهم الثورة الصينية على فعل ذلك بتكاليف كبيرة، ولكنها حضّرتهم للدخول في المجتمع الحديث منافسين على الموقع الأول في العالم اليوم، وما مازالت الهند تتأرجح بين التحديث والارتهان للماضي. وحدهم المسلمون لم يبنوا تجربة واسعة بعد، ولا يبدون استعدادًا لذلك، على الرغم من أن عددًا من قصص النجاح برزت، مثل ماليزيا وتركيا، ولكن ثمة ردات فعل معادية لأي تحديث، مازالت قوية جدًا، ويبدو أن جذور المجتمعات المسلمة مازالت مغروزة بقوة في أرض الماضي، بغض النظر عن أسباب ذلك، ولكن هذا هو الواقع، وهي مازالت بحاجة إلى قوى كبيرة؛ كي تستطيع السير مع تيار العصر، ونعتقد أن مجمل وسائل العصر الحديثة ستدخل المجتمعات كافة، رغمًا عن الحالمين بإبقائها بعيدة عنهم.

مقالات ذات صلة

إغلاق