كلمة جيرون

إننا نزحف بعناد نحو الحرية

من البدهي، بعد هذا المنعطف التاريخي- الملحمي، وبعد كل هذه الجرائم -غير المسبوقة- التي ارتُكبت بحق سورية وشعبها، أن تحدث زلزلة، ليس في حياة وبنية وروح هذا الشعب، بل في تفكيره ومنهجه الإبداعي والجمالي. فقد أُطلق الرصاص الحي على المبدعين أيضًا، وقُتل منهم ومن أحبتهم كثير من الأبرياء، واعتُقلوا ودُمرت بيوتهم، وتشردوا داخل بلادهم وخارجها، ومارس عليهم النظام الأمني أنواعًا شتى من الاضطهاد والعسف، كي يكونوا شهود زور على ما يحدث، وأن يقفوا مع الجلاد ضد الضحية، لكن الأغلبية منهم فضلت الوقوف مع الحقيقة، والاحتكام إلى ضميرها الحي، وآثرت الصمود، أو النزوح والتشرد على الخضوع والصمت. وهذا أمر طبيعي، فالمآسي الوطنية الكبرى لا يمكن أن تكون عابرة! إنها تهز عقل ووجدان الشعب، وفي طليعته عقل ووجدان المبدع والفنان.

والملفت أن أغلبية المبدعين السوريين لم يقعوا فريسة للتشاؤم والعزلة، بعد هذه الصدمة المرعبة، على الرغم من إدراكهم العميق أن الثورة قد سُرقت منهم، وأن الثورة المضادة بقيادة الاستبدادين، السياسي والديني، تمكنت من تفتيت وحدتهم الوطنية، وتحويل ثورتهم السلمية التي قامت من أجل الحرية والكرامة، وبناء دولة القانون والمواطنة، إلى حرب طاحنة، وفوضى عارمة، محلية وإقليمية، تحمل أجندات دينية ومذهبية غريبة عنهم، ودخيلة عليهم عمومًا.

تفاجأ السوريون بدمهم، مثلما فوجئ النظام الهمجي بعزيمتهم. وهم في الجوهر مسالمون منفتحون ووسطيون، يعيشون حالة من التنوع والتسامح والتعايش، منذ قرون! ومع ذلك؛ لم يجدوا سندًا -عربيًا أو دوليًا- يساعدهم في تحقيق أحلامهم، أو يخفف من مأساتهم، أو يُوقف -في الأقل- قتلهم وتشردهم! بل تُركوا يواجهون مصيرهم بمفردهم! مع انسداد غريب لأفق الحلّ!

لكن سرعان ما وجدت الثورة التي بدأها أطفال درعا وباعة سوق الحميدية وفقراء دوما والغوطتين والمخيمات الفلسطينية، والمدن السورية دون استثناء، صداها المدوي والعميق في أصوات أولئك المبدعين السوريين؛ كتابًا وفنانين ومثقفين وناشطين. ذلك الصوت الذي بقي في الماضي، وفي الحاضر، خافتًا ومخنوقًا لأكثر من نصف قرن، بات الآن يجلجل فوق منابر الثقافة في أوروبا وأميركا، وداخل مخيمات اللجوء في تركيا ولبنان والأردن، وحتى داخل سورية، مثبتًا أصالة السوريين وحبهم للحياة والحرية؛ صوت واحد يصرخ بفم واحد: “حرية“؛ مستنكرًا الحرب وجرائم الحرب التي يرتكبها النظام وأعوانه، بحق شعبه ووطنه.

ومن بين تلك الأصوات أصوات جديدة شابة، في مجال الرواية والقصة والشعر والمسرح والتشكيل، تمكنت من إثبات حضورها الأدبي، واقتحام وجدان الشعوب التي سارعت إلى الاحتفاء بها وترجمة أعمالها. فمن كان يعتمد -بداية الثورة- على صور الهاتف المحمول البسيطة، لكشف الحقيقة ومناصرتها، تحولت تلك صوره -اليوم- إلى عشرات من الأفلام الوثائقية، ونالت الجوائز العالمية، وعُرضت عبر المحطات والقنوات الفضائية.

وإذا كان المتظاهرون -بداية الثورة- قد اعتمدوا على الأهازيج والشعر الشعبي، والغناء والألحان التراثية، والموسيقا والرقص الجماعي، وطقوس الجنازات “الصوفية” والدوران في ساحات الاعتصام بالتوابيت المرفوعة فوق الرؤوس، معبرة عن نبض مشاعرهم، وطابع ثورتهم الشعبية الفقيرة، فهم اليوم يكتبون أدبًا إنسانيًا رفيعًا، يمتلك حساسية جديدة، ويصورون بشاعة أكبر جريمة في التاريخ، ليتمكنوا من إيصال صوت السوريين، وكشف معاناتهم لشركائهم البشر، في هذا الكوكب العجيب.

نستطيع -بعد ست سنوات من التنكيل- أن نذكر مئات الأسماء والعناوين اللافتة؛ في الشعر والرواية والقصة، وفي التشكيل والموسيقا والغناء والسينما والمسرح والبالية والأوبرا، وغيرها من الفنون التي يمكن عدّها بذورًا ناضجة لإبداع سوري جديد.

وقد واكب هذه الهبّة حضور لافت للإعلام المرئي والمكتوب والمسموع، وبخاصة الشبكات والصحف الإلكترونية التي تشبه هذا الإبداع وتجاريه في محنته ومصيره.

إنها ثورة كتابة وحرية تعبير. وهذه الإبداعات، ما هي إلا مؤشرات لروح وفكر جديدين، وهي لا تعني إلا شيئًا واحدًا، أن هذا الشعب السوري، شعب حي، يولد من الركام، ولن يعود مرة أخرى إلى بيت الطاعة والخنوع، وهو، منذ أن كسر جدار الخوف عام 2011. يزحف –بعناد- نحو أهدافه التي قام من أجلها، في بناء دولته المدنية الحديثة؛ دولة الحرية والقانون والمؤسسات الخالية من الخوف.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق