سورية الآن

المستفيدون من الإرهاب لا يقضون عليه

لا يحتاج الأمر إلى جهد كبير لتخيّل ما يجري في غربي الموصل، تكفي القراءة في عيون المدنيين الخارجين من الجحيم، لم تكن المغادرة بمشيئتهم بل أُغلقت أمامهم السبل، ولا بدّ من أن ينكفئ مقاتلو التنظيم عن المبنى أو الحي ويتأكد السكان بأن السيطرة انتقلت إلى الجيش أو الشرطة الاتحادية كي يهربوا متعثّرين بالجثث والركام. وبالنسبة إليهم لم تختلف ثلاثة أعوام من الانتظار عن الترقّب بضعة أسابيع أو شهور، فما كان متوقّعاً حصوله بعد يوم من انتشار تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) في يونيو 2014 هو ما يحدث الآن، مئات القتلى والجرحى ودمار كبير، ولا في أي مكان آخر، من أولى المعارك في عين العرب/ كوباني إلى الموقعة الجارية في الموصل، بدا ممكناً إنهاء الأمر من دون ضحايا أو بأقلّ الخسائر والأضرار.

هذا هو، على ما يبدو، الثمن الذي يجب أن يُدفع لاستعادة ما كان يجب ألّا يُفقد أبداً، ومتى استعيد لن يعود كما كان أبداً، فالتجربة أقسى من أن تُمحى من الذاكرات، وقد اختلطت المعايير على أهل الموصل، تحديداً، بعدما ظنّوا أن «داعش» جاء لـ»يحرّرهم» من ظلم حكم غاشم قاده نوري المالكي، فإذا به يبطش بهم ويستعبدهم في بيوتهم، وها هو أخيراً يستخدمهم دروعاً بشرية في قتاله ضد «محرريهم» الجدد، لا يعرفون ما ستكون عليه حياتهم في المستقبل القريب؛ لأن الحكام الفعليين في العراق، من وراء الستار أو من أمامه، لم يتغيّروا، وكذلك الميليشيات لم تتغيّر، بدّلت أسماءها بـ»الحشد الشعبي» وكأن قتال «داعش» منحها شرعية، مثلما منح إيران والولايات المتحدة وغيرها شرعية محاربة الإرهاب، كما لو أنها بريئة من مسؤولية تصنيع الإرهاب.

ظهرت بوضوح صعوبة المعارك وأهوالها، وكالعادة ستكون إعادة الإعمار للبشر والحجر الأكثر صعوبة. سيتلقّى الإرهاب ضربات موجعة ولن يُقضَ عليه، لأن المظالم والقهر تتوالد ما لم تتوفر بدائل أصيلة تعيد للناس كرامتها وأمنها وأمانها، لكن كيف الوصول إلى ذلك إذا كان الشعب نفسه انقسم إلى شعبين، واحدٌ يتجبّر على الآخر، فلا تعايش ولا تساوي، قبل ظهور «داعش» وُضعت المصالحة الوطنية في كنف الحكومة التي لم يوفّر رئيسها وسيلةً لاستبعادها، وهي اليوم في أيدي السياسيين والحزبيين وتتكفّل عُقد الانقسام بعدم إنضاج أي جهد طيّب، إنْ وُجد، طالما أن «داعش» كيانٌ لا يفاوض ولا يساوم ولا يقبل أي آخر، ولذا فلا حلَّ معه سوى قتاله حتى هزيمته، فإن الخلاص الحقيقي منه يتطلّب خصوصاً التخلّص ممن خلَّق الوحش وتسبب بظهوره، لا يمكن أن يكون بديل «داعش» نقيضه المماثل له بالتدعّش والظلامية، ولا فارق بينهما سوى الهوية المذهبية.

لا أحد عرف، ولن يعرف، كيف خطفت هذه اللاعقلانية المتناهية ألباب الذين التحقوا بذلك التنظيم، حتى بدوا جنساً آخر من غير البشر، كما لن يُعرف أي دينٍ زيّن لهم الإجرام والاغتصاب والنفاق إلى حدّ افتقاد أي رحمة وإنسانية فيتساوى لديهم أن يَقتُلوا أو يُقتَلوا، لكن، في المقابل، عُرف المستفيدون من «داعش»، إذ استخدموه ذريعة في الذهاب لتبرير الهيمنة على البلد وسلب روحه وثرواته، ثم في الإياب لتجذير تلك الهيمنة بدعوى القضاء على الإرهاب، لا مؤشّر إلى أن الأميركيين والإيرانيين فهموا أن استقرار العراق يبدأ بإعادته إلى أهله.

(*) كاتب لبناني

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق