أبحاث ودراسات

هل نهدم هويتنا السورية؟

كان موجودًا، لكن بعد عام 2011 زاد إلى حد المرض في بلادنا، إنه جلد الذات، الذي يتكلم في معنى الدولة السورية، وفقدان الهوية، وإشكالية الانتماء الوطني والجدليات والصيرورة والوجوديات… إلخ، ومن ثم؛ يغرق في سايكس بيكو واتفاقية لوزان، ويُبحر في التاريخ البعيد؛ ثم يأتي الدعم من كيسنجر، فقد قال إن سورية دولة مصطنعة، “كيسنجر قالها، إذن؛ نحن مجرد كذبة”؛ السوري المتكلم هنا، يقول أحيانًا إنه يقف موقفًا علميًا تحليليًا محايدًا، ويُسهب في ذكر أسماء منظرين وفلاسفة، ليؤكد أن “لا دولة سورية”، وأن “لا هوية سورية”، أو على الأقل الدولة والهوية متشظية وضائعة، وهو يريد -باكيًا- إنقاذها وإعادة تعريفها، فحدود الدولة السورية التي نعرفها “مصطنعة”، وهي قرار المستعمر، والسوريون ينتمون إلى طوائفهم وأعراقهم وليس إلى سورية؛ إنه يطلق هذه الأحكام بكل بساطة، لكن علامَ يعتمد؟

هل فعلًا سورية دولة مصطنعة لأن سايكس بيكو ولوزان رسموها؟

لننظر إلى بعض الدول في العالم، وخاصة في أوروبا، حيث نشأت الدولة الحديثة، وفق الحجة المساقة؛ فإن الدولة التي رسم حدودها “الأغراب”، أي: حكومات دول أخرى منتصرة، هي حدود مصطنعة. في الواقع لو تأملنا خريطة أوروبا منذ بدايات القرن الماضي، مرورًا بالحرب العالمية الأولى، ثم الحرب العالمية الثانية، وصولًا إلى يومنا هذا، سنجد أن حدود معظم هذه الدول رسمتها حكومات دول أخرى، والصورة المرفقة توضح ذلك. كذلك الأمر؛ ستعترينا الدهشة إن نظرنا إلى خريطة الولايات المتحدة الأميركية والمكسيك، وتغيرها خلال القرنين الماضيين، بل وتغير الولايات المتحدة في بدايات القرن. ولن تفاجئنا خريطة آسيا كذلك، ما بين الصين ومنغوليا والدولة التي اختفت عن الخريطة (منشوريا)، بعد أن عاشت مدة ثلاثة قرون قبل عام 1912.

في الواقع من النادر أن نجد دولة في العالم حافظت على حدودها، كما هي، خلال القرنين الماضيين، ومعظم الدول تغيرت حدودها خلال القرن الماضي؛ فالادعاء بأن رسم الحدود من محتل أجنبي يعني أن ذلك تهديم لمعنى الدولة، سيؤدي إلى عدم الاعتراف بمعظم دول العالم.

هل فعلًا لا توجد هوية سورية؟

لن ندخل في خلافات نظرية حول تعريف الهوية الوطنية، إنها ببساطة شعور الشخص بالانتماء إلى دولة أو أمة، تُميّز نفسها من حيث الثقافة واللغة والتقاليد، وأيضًا الأرض؛ الهوية الوطنية -في عمقها- شعور نفسي عاطفي بالانتماء إلى جماعة من البشر، تعطي الفرد وعيًا بالاختلاف عن جماعات بشرية أخرى، وتشعره بمعنى “نحن” و “هم”، وهي غير الجنسية، فقد يحمل الصيني جنسية أميركية، ويتمتع بممارسة حقوق المواطنة، ويؤدي واجباتها مواطنًا أميركيًا، لكنه يشعر -دائما- أنه صيني – أميركي، ومختلف عن البقية.

ما حصل مع كثيرين أنهم خلطوا بين الهوية الوطنية والمواطنة، فظهرت أسئلة ليست ذات معنى، من قبيل: “كيف يمكن لإنسان عاش تحت حكم الديكتاتورين الأسدين، دون حقوق ولا كرامة إنسانية، أن يملك هوية أو يعيها؟” في الواقع هذا السؤال صحيح، لو كان عن “المواطنة”، فطبعًا مع أي حكم ديكتاتوري لا توجد مواطنة بمفهوم المواطنة في العصر الحديث.

لكن الهوية الوطنية مفهوم آخر تمامًا، فقد تكون الهوية هي الانتماء إلى جمهور الناس الواقع تحت ظلم الديكتاتور، بمعنى أن الانتماء إلى الشعب السوري ليس مشروطًا بالديمقراطية واستقرار حقوق المواطنة. وليس -بالضرورة- أن يكون للهوية الوطنية عمق كبير بالتاريخ، فدول القارة الأميركية جميعها دول حديثة نسبيًا، لكن لا يمكن لأحد إنكار هوية أي بلد منها، وحتى إذا دققنا في الهويات الوطنية الأوروبية، ووفق ما أوضحناه آنفًا عن تغيرات الخريطة السياسية، فكثير من هذه الدول حديثة السن، لا تعود إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية، بل إن بعض دول أوروبا الشرقية لم يتجاوز عمرها بضعة عقود.

يُقدّم آخرون الحجة المعهودة المرتبطة بالمأساة التي تعيشها سورية منذ 6 سنوات، وضجيج الدعوات الطائفية والعرقية، وحروب المليشيات المسلحة تحت رايات شيعية وسنية، وكردية وعربية؛ ويستنتجون، بسهولة صادمة، أن الانتماء الطائفي والعرقي أقوى من الانتماء الوطني السوري. ومرة ثانية نعود إلى المقارنة، معظم دول العالم شهدت حروبًا أهلية بين مكوناتها، وأحيانًا أكثر دموية، مما جرى في سورية، وكانت تلك الحروب تُقدّم المحرض الديني أو القبلي أو العرقي؛ لكي تتجمع الجيوش تحت إمرة صانعي الحرب، لكن هل ضاعت هوية تلك البلدان والدول؟ ومن قال إن الهوية الوطنية تلغي -بالضرورة- الهوية الدينية أو العرقية، أو حتى القبلية؟ الهوية الوطنية شعور مجموع الطوائف والأديان والعرقيات والقبائل بالانتماء إلى هذه الدولة أو الأمة، ولأن المواطنة وعي وقانون وحقوق وواجبات، فإن مهمتها إلغاء هذه الفروق بين الأفراد على مستوى الحقوق الإنسانية والمواطنية والأخلاقية، وإبقاء هذه الفروق ضمن حيز التنوع الإنساني.

فلماذا يقاتل السوريون بعضهم بعضًا إذن؟ لنختصر الجواب: أولًا، ليس جميع المقاتلين مفروزين بحسب انتمائهم الطائفي أو العرقي، وإنما -غالبًا- بحسب موقفهم السياسي، الاختياري أو الإجباري؛ وثانيًا، ما تلك الدولة التي اجتمع عليها كل هذا العدد من الدول العظمى والصغرى، وجرى ضخ كل هذه الأموال والأسلحة والتحريض الإعلامي فيها، مثل سورية، في التاريخ البشري كله؟ بالمقارنة النسبية؛ لن نجد أي دولة وقعت بين فكوك جميع هذه الوحوش المتصارعة، فكيف نتوقع، حتى من شعب ملائكي، ألا تلتهب مشاعر جماعته الصغيرة؟

أخيرًا، لو سألت جميع المتقاتلين في سورية، بغض النظر عن أنك تُخوِّنهم أو تُؤيدهم أو تُخالفهم، لماذا تُقاتلون؟ ومن أنتم؟ لأجاب أغلبهم: “نحن نحمي سورية”. ربما لن نسمع هذا الجواب من قلة من مغسولي الدماغ بخبر الخلافة الإسلامية، أو الدولة الكردية أو العربية الكبرى.

التشاؤم سلوك سهل جدًا، لا يحتاج إلى مهارات خاصة، وهذه الأسئلة المشككة، أو الناسفة لمفهوم الدولة والهوية السورية، من خلال الخلط مع المواطنة، أو من خلال الخبرة الشخصية، أو من خلال شعور القهر العميق الذي ولّد يأسًا من أي مستقبل، لا يقدم أي خير لإنقاذ ما تبقى؛ الدولة السورية قائمة بحدودها منذ 1946، مستقلة، ولا معنى لكل هذه السفسطة حول التقسيم المصطنع؛ والهوية السورية بكلمة واحدة “أنا سوري”، ولا تحتاج إلى كتب أو فلسفة أو أكاديميات. ما تحتاجه سورية هو إعلاء شأن المواطنة ووعيها ودراستها وإعادة تعريفها وبعثها. في الواقع ربما تكون كل هذه الآلام والمعاناة التي لم توفر سوريًا واحدًا من نيرانها، هي ترسيخ للهوية السورية، وربما تكون أعمق من هوية مواطن سويسري أعظم همومه أين يقضي إجازة العطلة الصيفية.

مقالات ذات صلة

إغلاق