قضايا المجتمع

حالة الطوارئ، أُلْغيَتْ ولَمْ تُلْغَ…!

هل أُلغيتْ حالة الطوارئ في سورية أم لمْ تُلغ؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى مزيد من العناء. يكفي النظر إلى حجم الاعتقالات الهائلة التي طالت ملايين السوريين على امتداد ستة أعوام من بداية انتفاضة الشعب السوري على نظام الأسد الديكتاتوري، وحتى تاريخه، لنكتشف زيف الادعاء بأن نظام الأسد قد استجاب فعلًا لمطالب الشعب السوري وألغى حالة الطوارئ المفروضة على البلاد منذ الانقلاب الأسود الذي نفذه عسكر البعث في الثامن من آذار/ مارس 1963. واستيلائهم على الحكم والاستئثار بمقدرات البلاد طولًا وعرضًا خلال أكثر من خمسين عامًا.

ففي ظل حالة الطوارئ اغتيلت الحياة السياسية والمدنية في البلاد؛ استكمالًا لسياسية جمال عبد الناصر الأمنية التي فرضها على السوريين شرطًا لقبوله بالوحدة.. حيث امتلأت البلاد بفروع الأمن التي كانت ومازالت تحصي على الناس حركاتهم وسكناتهم، وجرى تهميش السوريين، وقتل كل ما هو حّي في دواخلهم، حتى بات الأخ يشك في أخيه والابن في أبيه في مشهد لم يشهد له التاريخ مثيلًا، وبات الناس يخشون التحدث في أمور البلاد حتى في داخل بيوتهم خشية أن يكون “للحيطان أذان” وفق ما درج السوريون على قوله، وامتلأت السجون والمعتقلات بخيرة السوريين، وكثير منهم قضى نحبه تحت التعذيب، والحديث يطول هنا في وصف ما جرى منذ الستينيات؛ وحتى يومنا هذا.

بعد اندلاع الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية ضد نظام الاستبداد في آذار/ مارس 2011، والتي كان من أبرز مطالبها إلغاء حالة الطوارئ، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ووقف حالات الاعتقال، والسماح بحرّية العمل السياسي والمدني ومكافحة الفساد، حاول نظام الأسد امتصاص الغضب الشعبي تارة بالترهيب والتشدد ومزيد من الاعتقالات، وتارة أخرى بالترغيب عبر إطلاق الوعود الفارغة من أي مضمون، ومع تصاعد وتيرة الاحتجاجات والتظاهرات التي عمّت مختلف المدن والمناطق السورية، أرتفع معها سقف المطالب الشعبية لتصل إلى رفع شعار إسقاط النظام ورحيل الأسد، وأمام هذا الواقع  اضطر النظام إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات الشكلية في المضمون معتقدًا أنه بهذه الإجراءات سيتمكن من امتصاص الاحتجاجات الشعبية المناهضة له وتخفيض وتيرتها الآخذة في الاتساع، حيث أعلن حزمة من القرارات، كان في مقدمها رفع حالة الطوارئ وإلغاء محكمة أمن الدولة سيئة الصيت، وأخذ إعلام النظام يطبل ويزمر لهذا القرار، عادًّا أنه  تاريخي، وجاء استجابة من القيادة “الحكيمة” لمطالب الجماهير،  وفي الوقت نفسه تجاهل صدور المرسوم 55 الذي هدف منه النظام الالتفاف على قرار إلغاء حالة الطوارئ، وإفراغه من مضمونه، إذ نص في مادته الثانية:

(تختص الضابطة العدلية أو المفوضون بمهامها باستقصاء الجرائم المنصوص عليها في المواد من 260 حتى 339 والمواد 221 و388 و392 و393 من قانون العقوبات وجمع أدلتها والاستماع إلى المشتبه بهم فيها على ألا تتجاوز مدة التحفظ عليهم سبعة أيام قابلة للتجديد من النائب العام وفقا لمعطيات كل ملف على حدة وعلى ألا تزيد هذه المدة على ستين يومًا).

ويبدو واضحًا من نص المرسوم، أن نظام الأسد حاول الضحك على الشعب، فأوحى عبر إعلامه أنه استجاب للمطالب الشعبية وألغى حالة الطوارئ فعليًا، إلا أن حالة الطوارئ استمرت تحت مسمى المرسوم 55. وهذا ما دّلت عليه ممارسات النظام وأجهزته الأمنية التي زادت من وطأتها بعد أقل من 24 ساعة على قرار الإلغاء الظاهري لحالة الطوارئ.

فالمرسوم 55 منح أجهزة الأمن صلاحيات أوسع مما كانت عليه في حالة الطوارئ، فقد عدّ النظام في خطوة غير مسبوقة عناصر الأجهزة الأمنية من ضمن عناصر الضابطة العدلية، بعد أن كان الأمر مقتصرًا على عناصر الشرطة المدنية والضابطة الجمركية، وأضفى على ممارساتها الصفة القانونية، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل منحها أيضًا صلاحية التوقيف لمدد غير محددة، فالمرسوم 55 لم يلزم عناصر الأمن بالإفراج عن الموقوفين لديها أو إحالتهم إلى القضاء بعد انتهاء مهلة الستين يومًا، إذ خلا النص من أي مؤيد جزائي، وبدت مهلة “الستين يومًا” لامعنى لها من الناحية العملية، وهذا ما يفسر استمرار الأجهزة الأمنية بتوقيف الأشخاص لمدد تفوق الستين يومًا؛ لتصل إلى سنوات، كما هو حاصل اليوم مع عشرات الآلاف من المعتقلين الذين مضى على اعتقالهم سنوات وسنوات وفي مقدمهم المحامي خليل معتوق والدكتور عبد العزيز الخير، والمحاميين سامر ادريس وعصام زغلول والطبيب محمد عرب، وفائق المير والفنان ذكي كورديللو وخبير المعلوماتية باسل الصفدي ورجاء الناصر وجهاد محمد… والقائمة تطول جدًا.

وبدلًا من أن تُعدّل القوانين لتتفق مع أحكام الدستور، فإن النظام السوري عكس الأمر تمامًا، إذ عمد إلى تكريس ما سبق، وأصدره بمرسوم في نصوص دستور 2012؛ ليضفي عليه الصفة الدستورية والشرعية أمام الرأي العام، وهذا ما نلاحظه عند قراءة نص المادة 53 من دستور 2012: (1- لا يجوز تحري أحد أو توقيفه إلا بموجب أمر أو قرار صادر عن الجهة القضائية المختصة، أو إذا قبض عليه في حالة الجرم المشهود، أو بقصد إحضاره إلى السلطات القضائية بتهمة ارتكاب جناية أو جنحة. 2- لا يجوز تعذيب أحد أو معاملته معاملة مهينة، ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك. 3- كل شخص يُقبض عليه يجب أن يُبلغ أسباب توقيفه وحقوقه، ولا يجوز الاستمرار في توقيفه أمام السلطة الإدارية إلا بأمر من السلطة القضائية المختصة. 4- لكل شخص حكم عليه حكمًا مبرمًا ونفذت فيه العقوبة وثبت خطأ الحكم أن يطالب الدولة بالتعويض عن الضرر الذي لحق به).

هنا أيضًا، يبدو النص الدستوري ملتبسًا وغامضًا لجهة تحديد مدة التوقيف، إذ ترك الأمر لمزاجية رؤساء الفروع الأمنية، وخلو النص من أي مؤيد جزائي في حال مخالفته، ومن يجرؤ على سؤال الأجهزة الأمنية من الجهات القضائية المخولة نظريًا بمنح الأجهزة الأمنية الموافقة على الاستمرار في التوقيف، ومطالبتها بتسليم الموقوف لديها، أو الإفراج عنه بعد انتهاء مهلة الستين يومًا التي نص عليها المرسوم 55. وهي محصنة ابتداءّ من أي مراقبة أو مسألة بموجب المرسوم رقم 14 لعام 1968، ولا يختلف الحديث عن عدم جواز التعذيب في الدستور التي بقيت بلا معنى في ظل منهجية التعذيب المتبعة من أجهزة الأمن، ولا يمكن في هذه العجالة الإحاطة به، وتحتاج إلى كتب ومجلدات لوصف فظاعة وحجم التعذيب الذي يتعرض له المعتقلون في السجون والمعتقلات السورية.

وأخيرًا، إن حالة الطوارئ التي فرضها نظام البعث لحظة استيلائه على الحكم صبيحة 8 آذار/ مارس  1963، شكلت على امتداد أكثر من خمسين عامًا العنوان الأبرز والصارخ لانتهاك حقوق وحرّيات السوريات والسوريين، والاعتداء على أموالهم وممتلكاتهم، وشكّلت -كذلك- غطاء لعمليات النهب المنظم لأموال الشعب والدولة، ولولا استمرار فرضها لما استطاع نظام البعث الاستمرار في الهيمنة على البلاد والاستحواذ على كل شيء فيها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق