اقتصاد

سورية تتجرع مرارة حطام ست سنوات

في نيسان/ أبريل 1937، اختارت ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، أحد الأيام التي تزدحم فيها الأسواق؛ لقصف مدينة الباسك. وهي المرة الأولى، التي استُهدف فيها سكان مدنيين بصفة متعمدة. وسرعان ما جاء رد فعل الفنان الإسباني بابلو بيكاسو، فخلّد المشاهد المروعة التي عاشتها المدينة، في جدارية عرفت باسم (غيرنيكا).

ريشارد كوهين، الكاتب في صحيفة واشنطن بوست، اتخذ من قصة اللوحة، مقدمة ليؤكد في ما بعد: لو كان “بيكاسو” على قيد الحياة إلى يومنا هذا، لرغب في رسم جدارية تدعى “حلب” وعلقها خارج البيت الأبيض.

في شباط/ فبراير 2017، لم يستطع فيليبو غراندي مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، عندما تجول بين حطام المباني في مدينة حلب، أن يصف حجم الدمار الماثل أمام عينيه؛ فترجم عجزه بعبارة مقتضبة، قال فيها: “الحطام يتحدث عن نفسه”.

حلب، حمص، درعا، إدلب، ودمشق، وبالمجمل سورية الممتدة بجغرافيتها، وتقسيماتها الإدارية، ومدنها وأريافها. تتجرع اليوم مرارة حطام سنواتٍ ستٍ مضت، خاض بشار الأسد فيها واحدة من أسوأ المواجهات التي شنها حاكم ضد شعبه عبر التاريخ. وارتكبت قواته خلالها، جرائم، شَهِد الأب جورج مسّوح في “ليبانون فايلز” أنها تجاوزت كل ما يمكن أن يتوقعه عقل بشري من فظائع وأهوال.

بعد لقاءات أستانا المتعددة، ومؤتمرات جنيف، وآخرها جنيف الرابع، لم تسفر الاجتماعات والمفاوضات السياسية عن أي نتيجة ملموسة، في ما يتعلق بحماية المدنيين؛ على الرغم من أنها تمخضت عن وقف إطلاق نار، وتبني هدنة، كان من المتوقع ألا يلتزم بهما نظام الأسد على الإطلاق. فقد استمرت القوات الحكومية في شن غارات جوية عشوائية، على المدنيين، في مناطق ريف دمشق، وإدلب، وحمص، ومناطق غرب دمشق، وريف حماة الشمالي. شملت إسقاط أعداد كبيرة من قنابل مصنوعة من البراميل، حيث “تُصنع هذه القنابل الرخيصة غير الموجّهة وشديدة الانفجار محليًا، من براميل نفط كبيرة، أو أسطوانات غاز، أو خزانات مياه. تُملأ بالمتفجرات والخردة المعدنية لتعزيز التشظي، ثم تُرمى بعدها من طائرات مروحية”، في تحد سافر لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2139.

خلال عام واحد فقط، كشفت منظمة “ھيومن رايتس واتش” عن وجود ضرر هائل، أصاب أكثر من 450 منطقة، قُصفت بهذه البراميل، من بينها مواقع سكنية وأسواق شعبية ومدارس ومستشفيات، دون تمييز. واستمرت قوات الأمن السورية، في اعتقال الأشخاص تعسفًا، وإخضاعهم للتعذيب الممنهج، وسوء المعاملة.  وإخفائهم ضمن شبكة واسعة من السجون السرية المنتشرة في جميع مدن البلاد، أغلبهم شبان في العشرينات والثلاثينات من العمر. وبعضهم أطفال ونساء وعجائز، كانت مخابرات النظام تعتقلهم للضغط على المتوارين من أجل تسليم أنفسهم.

باستثناء ما لحق بثلاثة أرباع عمران البلاد من دمار، تجاوزت تكاليفه مئات مليارات الدولارات. توصف سورية اليوم، بحسب التقييم الأخير لنتائج حرب الأسد، وفق تقرير المرصد الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط الصادر عن البنك الدولي، بأنها بلد محطم فحسب. تراجع نمو إجمالي ناتجها المحلي الحقيقي في السنوات التي مضت، على نحو مذهل.

ومع أن المرصد لم يتمكن من تتبع نتائج عامي 2016 و2017، على مستوى توقعات الاقتصاد الكلي، إلا أنه حدد نسبة نمو الناتج المحلي الحقيقي في عام 2013 بنحو 20.6- في المئة، سلبي، وفي عام 2014 بنحو 18.0- في المئة (سلبي)، وفي عام 2015 بنحو 15.8- في المئة (سلبي).

لكن المفارقة الثقيلة، أن تتطور (بخلاف سورية) نسبة نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بشكل إيجابي، في جمهورية جيبوتي التي تبلغ مساحتها نحو 23 ألف كيلومتر مربع فقط، وعدد سكانها نحو 864 ألف نسمة (بحجم مساحة محافظتي ريف دمشق والسويداء، وأقل من سكان محافظة دمشق) بين أعوام 2013 / 2015، على التوالي، من 5.0 في المئة، إلى 6.0 في المئة، إلى 6.5 في المئة. وأن يصل ميزان الحساب الجاري نسبةً مئوية من إجمالي الناتج المحلي في قطاع غزة والضفة الغربية كذلك، خلال الأعوام المذكورة على التوالي، 13.7- سلبي، 8.9- سلبي، 6.9- سلبي. بينما وصل في سورية خلال السنوات ذاتها، 14.7- سلبي، 17.8- سلبي، 12.7- سلبي.

وقد تركت الأرقام السابقة، إضافة إلى الخسائر التي مني الاقتصاد بها؛ نتيجة ارتفاع فاتورة الحرب، ظلالها -كما هو مرجح- على حياة الناس في الداخل. سواء على مستوى معيشتهم، الذي هبط في السنة الأخيرة إلى أدنى مستوياته، أو على مستوى إدارة أنماط حياتهم، التي تغيرت رأسًا على عقب؛ فالسكان الباقون يواجهون -بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية- أزمة إنسانية تزداد تفاقمًا، كلما ازداد التفاوت في إمكانية الحصول على الخدمات، بين مناطق وأخرى، بسبب عدم الاستقرار المجتمعي، كالتشرُّد الداخلي والعزلة. وتقسيم النظام لها، بين مُعارِضة وموالية.

وتشير التقديرات في هذا السياق، إلى أن 35 بالمئة من سكان الحضر في سورية، مشردون داخليًا، مع وجود نسبة كبيرة بحاجة إلى المأوى. ويعيش نحو 1.7 مليون شخص في أكثر من ثلاثة آلاف مخيم ومستوطنة. وغالبًا ما يعيش هؤلاء في أوضاع محفوفة بالمخاطر؛ إذ تحتاج الغالبية العظمى منهم إلى مساعدات إنسانية.

وبالنظر إلى فشل تجمعات واسعة، في الحصول على الخدمات الأساسية، كالكهرباء والمياه والصرف الصحي. يؤكد تقييم أولي لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة، وجود نقص حاد في المياه النظيفة، يهدد الحياة، وربما يكون متعمدًا في مناطق عديدة، من بينها حلب ودمشق وريف دمشق ودرعا وحماة. فيما تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 12.1 مليون شخص لا يمكنهم الحصول على مياه نظيفة في سورية، وأن 69 بالمئة من السكان يحصلون على المياه من مصادر متوسطة إلى مرتفعة المخاطر. وعادة ما يكون هؤلاء من أسر فقيرة، نازحة، تعيش في مناطق محفوفة بالمخاطر أو معزولة، تتضاءل فيها خدمات توفير المياه والصرف الصحي والصحة العامة والكهرباء، إلى أدنى حد.

وإلى جانب ذلك، تدل أحدث إحصائيات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، على أن نصف سكان سورية جرى تشريدهم قسرًا. وهناك ما يُقدَّر بنحو 7.6 مليون شخص من المشردين داخليًا و4.8 مليون لاجئ مسجَّل في قوائم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

ووفقا للمصدر ذاته، فإن عدد السوريين الذين وصلوا إلى أوروبا ويطلبون حماية دولية، لا يمثل سوى 10 بالمئة من اللاجئين، مع نزوح مليوني لاجئ إلى البلدان العربية، و2.7 مليون لاجئ إلى تركيا.

وتعكس محنة اللاجئين الجروح التي أحدثتها حرب الأسد في جسم المجتمع السوري؛ إذ من غير المتوقع أن تلتئم بالسرعة اللازمة، بل على العكس من ذلك، فقد تتفاقم إذا ما استمرت الحرب؛ نظرًا إلى مستويات العنف المفرط التي تستخدمها قوات الأسد، وتأثيرها، بصفتها موروثات، على قدرة المجتمع استعادة تماسكه، وصعوبة ذلك، كلما طال أمد الصراع.

تبدو كارثية المشهد، وتداعياته البائسة، الموجعة، أكبر “عار على جيلنا”، هكذا قال “ستيفن أوبراين”. وأضاف: لقد تدمرت حياة الناس، وسورية نفسها تدمرت، كل هذا تحت مراقبتنا الجماعية.

لم تكن الأمور في أروقة السياسة تسير بالطريقة التي يريدها منسق الإغاثة الطارئة بـالأمم المتحدة لتطويق الفاجعة، فقدم في روايته لما يجري في سورية، مشهدًا -غاضبًا-  حاول أن يمتحن فيه ضمائر أشخاص، كان من المفترض أن تختزن مشاعرهم بعض الرجولة: عليكم أن تتصوروا “هناك في قبوٍ عميق، تجلسون مع أطفالكم وبرفقة آباءَ مسنين، حيث رائحة البول والقيء الناجمتين عن الخوف لا تغادر أُنُوفكم أبدًا، في انتظار قنبلة خارقة للتحصينات، تعلمون بأنها قد تقتلكم”، و”الملجأ الوحيد المتبقي لكم يشبه ذاك الملجأ الذي قُتل فيه جاركم، في الليلة الماضية”، و”تصوروا أنكم تحفرون بأيديكم العارية في أعلى الشارع، للوصول إلى ما تحت الركام الخرساني، وقضبان التسليح الصلبة الفتاكة. وأنتم في حالةٍ هستيرية، محاولين الوصول إلى طفلكم الصغير، الذي تسمعون صراخه، لكنكم لا ترونه، لأنه مغطى بالغبار والأوساخ تحت قدميكم، تختنقون حتى تلتقطوا أنفاسكم من كثرة الغبار السامّ ورائحة الغاز المنتشرة أكثر من أي وقت مضى، وهي جاهزة للاشتعال والانفجار أمامكم”، فهؤلاء مجموعة من الناس مثلي ومثلكم، قال أوبراين: “لا يجلسون حول طاولة في نيويورك، لكنهم مجبرون على تحمل معاناة لا ترحم، وبيأس. مستقبلهم مُحطم”.

لم يصمت ستيفن أوبراين، في حين صَمَتَ آخرون، قابعون بكامل أناقتهم في حضن الأسد.

كان من المفترض على الذين غابت أبصارهم -بقصد- عن مشاهد القتل والدمار والتشرد واللجوء، وعن الأرقام المروّعة، لحصيلة (غيرنيكا) سورية، بكل تفاصيلها، الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، أن يطلقوا لألسنتهم العنان، في حال توفرت لديهم الشجاعة الكافية، ويسألوا الأسد، ولو لمرة واحدة، عن سرّ الدمار الذي تتعرض له البلاد على يديه، والسبب الذي يقف وراء كل هذه الدماء التي تراق منذ ست سنوات فوق التراب السوري.

عار عليكم.. لماذا لا تطالبون الأسد أن يعترف لكم بالحقيقة؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق